دَرسُ اليوْم: كيفَ تـنـتـزعُ حـقـاً؟

السبت 11 شباط 2012

بقلم ضياء اشتيَة

صُناع القرار في الدّولة الأردنية، وأبواقها و”سحّيجتها” المُـتمرّسون فطريّـاً على التصفيق ارتبكوا، فما يجري اليوم لا يستطيعون تعليقه على شمّاعة الوطن البديل والبعبع الفلسطيني، ولم يجدوا حيلة للرّبط بينه وبين فزاعة الأجندات الخارجية ضد الوطن، وما يحدث لم يتصادم أبداً مع معزوفة “الأمن والأمان”، ولا يمكن إدراجه تحت بند نيّـة تخريب البلد، وأيضاً أكذوبة التأثير على السياحة وطرد الاستثمارات كانت ستحوّلهم لأضحوكةٍ إذا ما روّجوا لها كما اعتادوا سابقاً لمهاجمة أي حراك إصلاحيّ، والتفسير الوحيد أن صاحب الظلّ الطويل لم يجد مُتسعاً من الوقت كي يُدرّبهم ويُعمّم بينهم رواياتٍ محبوكة بإتقان للردّ على هذا الإضراب، فتخبّطوا، تارة يتهمون المُعلمين بالاستقواء على الدولة، وتارة يقللون من شأنهم ويبخـّسون من جـُهدهم، وتارة أخرى يتباكون على مصير الطلبة وتسرّبهم وانحرافهم، وعلى مُستقبلهم الذي يضيع بسبب تعطيل المسيرة التعليمية!! إفلاسٌ ما بعده إفلاس، خاصة أن المستهدَف اليوم هو المعلم، هذه القيمة والرسالة التي نالت من هيبتها ومكانتها سياسات حكومية متعاقبة، ويتكالبون اليوم عليهم لشيطنتهم وكأنهم غرباء مشكوك في انتمائهم.

كرت أصفر يرفعه المعلمون في وجه الحكومة وبرلمانها المتواطئ، فهم يطالبون اليوم بحقهم في العلاوة المبتورة لا أكثر، أسوة بأقرانهم من موظفي القطاع العام الأوفر حظاً منهم، بشقيهم العسكري والمدني، ومحاولات الحكومة التقليدية والبدائية لم تخرج إلى الآن من إطار التسويف والمماطلة والالتفاف عن الحق البواح، فحملتها الإعلامية التضليلية عبر الإذاعات المشوّهة وتلفزة “سكايب” رديئة البث والأقلام المدفوعة الثمن مسبقاً والمتحدثين الرسميين بمنطق ثقافة القطيع ومأسسة التخلف، كل ذلك لن يجلب إليها سوى الفشل، بل إن أثره كان عكسيّاً من خلال الازدياد المضطرد في استجابة المعلمين للإضراب والاحتجاج يوماً بعد يوم، ليعمّ الغالبية الساحقة من العاملين في مدارس المملكة، وليس أدلّ على هذا الفشل من الاستعانة بوزير مُـلتحٍ ذو ابتسامة دعويةٍ لامتصاص الغضب، أو اللجوء لدائرة الإفتاء كي تصدر فتوى تحريم الإضراب!! قمة السذاجة والسطحية والتي تعكس العقلية المتخلفة والمتخبطة التي يتحرك من خلالها المسؤول، والأكثر طرافة في انفعاله حين تجاوز في وعيده الحدود، وهدد باستدعاء المتقاعدين كبديل للمُضربين، أو حتى ما يُروّج عن نيّـة إنزال العسكر إلى المدارس.

قضية المعلمين هي مثالٌ آخر من أمثلة عدم تساوي الحقوق بين المواطنين، فالعدالة الاجتماعية والمساواة غدت حلماً وهدفاً لا رجعة عنه، فلا يكفي صياغة جـُمل منمقةٍ في الدّستور حول مفاهيم المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات بينما الواقع مغايرٌ لذلك، الواقع يقول أن هناك محاباة لقطاع على حساب قطاعات، قطاعٌ يعتاش من ضرائب الآخرين على شكل مكرمات وقصور وسيارات وتأمين صحيّ محترم وتعليم مجانيّ لأبنائهم وأحفادهم داخل المملكة وخارجها، وقطاعات مهمّـشة ظلت صامتة طيلة عقود على ظلم صار عُـرفاً وتقليداً، وهي تسعى الآن جاهدة لإزالته واستعادة حقوقها ومساواتها بالآخرين. والمسؤولية أولاً وأخيراً على عاتق الحكومة وسياساتها المتعاقبة، فهي الملامة الوحيدة على الإضراب، وهي من يتوجب عليها أن تجد حلا للمسألة بدل التشويه المتعمد للحقائق، وخلط حابل الهيكلة بنابل العلاوة، وعليها أن تكف عن التعامل مع هذا الملف بمنطق ابويّ وتخجيليّ، وإغلاق مزاد الوطنيات الذي تسوقه عبر ماكنات إعلامها لإحراج هذه الشريحة الأكاديمية أمام الناس، فالمعلمون يرفضون تقسيط علاوتهم ومصرّون على موقفهم، كامل الانحياز لهم في حقهم البديهي، والكرة في ملعب المسؤول.

يفتقد الأردن لرجالات دولة حقيقيين، من ذلك النوع الذي يضع خططاً وبرامجَ ورؤىً من شأنها النهوض الحقيقي بالمجتمع وتقدم المملكة ورفعتها، وليسوا كأولئك الذين يعتبرون مناصبهم الرفيعة فرصة ذهبية ومؤقتة لمزيد من الامتيازات والنفوذ، وقطاع التعليم بالذات يجب أن يحظى باهتمام رسميّ لا متناهي، فهو المصحّة التي تداوي تشوّهات المجتمع، وهو المصنع الذي ينتج كفاءات المستقبل الحقيقية وليست الشكليّـة التي ملأت جامعاتنا وأسقطت مكانتها وسمعتها سنة تلو سنة، وقطاع التعليم يستند لأمرين رئيسيين؛ المعلم والمنهاج، وكلما كان المعلم أكثر استقراراً ورفاهية كلما انعكس ذلك على عطاءه وتفانيه في أداء رسالته على أكمل وجه، وعلى الدولة التي تؤمن بديمومتها وتسعى لمستقبل زاهر أن تستثمر في المعلم كمشروع وطني طويل المدى ولا غنى عنه.

أشهر قليلة وسيصبح هذا الإضراب مثالاً تضربه جوقة الحكومة عن الطريقة الحضارية لحلّ قضية المعلمين، مشدّدين على وجوب شكر الدولة لأنها هي من سمحت لهم بتأسيس النقابة أصلاً، ويبدأون بالمقارنة الخرقاء فيما لو حصل الشيء ذاته عند جيراننا الرجعيين جنوباً والتقدميين شمالاً وكيف سيكون تعاطي تلك الأنظمة بالحديد والنار، وذلك للتدليل على النعمة التي نجحدها، أشهر قليلة ويبدأ المصفقون بحمد صناع القرار على حكمتهم وكرمهم في الاستجابة لمطالب مربي الأجيال، طبعاً دون أن يغفل أولئك المصفقون أنها منن وعطايا بدل أن تكون حقوقاً مُنتزعة.

على المعلمين التمسك بموقفهم حتى وإن احتاج الأمر إلى تضحيات، فالشق الماديّ والمعيشيّ من هذه المعركة صار على الهامش، والمتن هو كرامتهم وعزة نفسهم وصورتهم أمام الناس، فأي تسويات غير عادلة وملتفة على حقوقهم ستجعل منهم مثالاً لذليل خسر لصالح السلطة، وستكون ضربة تدمّر كل ما وصلوا له من إنجازات، وإن كان لا بدّ من خاسر في معركة عضّ الأصابع بين الطرفين فهو الحكومة، لأن الطرف الآخر قد ضجر الصراخ.