اغتصب وتزوج: التمييز الممنهج ضد المرأة في القوانين والأعراف الأردنية

الخميس 26 نيسان 2012

توضع قوانين العقوبات في الأصل لتنظم عملية القصاص ممن يرتكبون جرماً يضر بالأفراد أو بالمجتمعات، وتلتزم دولة القانون بإنزال العقوبة بالمجرمين والمجرمات بما يتناسب مع الفعل الجرمي بعد التحقيق واستيفاء شروط المحاكمة العادلة. وكما هو متعارف عليه، فإن أغلب الدساتير تساوي بين المواطنين ذكوراً وإناثاً، وبالتالي فإن أي جريمة تقع على أي مواطن أو مواطنة تستوجب بالمقابل إيقاع العقوبة بالجناة كما تقدم — أو هكذا تنص النظرية على الأقل.

بيدَ أن الأمر ليس كذلك إذا كنتِ مواطنة أردنية تعرضت للاغتصاب.

طالعتنا صحيفة العرب اليوم، ومن بعدها مواقع إخبارية أردنية متنوعة، بقصة طفلة أردنية كان عمرها أربعة عشر عاماً عندما تعرضت للاغتصاب لمدة ثلاث أيام متتالية في عام ٢٠١٠، ومن ثم تم تزويجها لمغتصبها ”درءاً للعار والفضيحة“ العام الماضي. وللإمعان في إهانة الضحية والمرأة الأردنية معاً، فقد تم إسقاط عقوبة الإعدام عن مغتصب الفتاة لأنه تزوجها.

فلنؤطر المسألة أولاً. يعرف الاغتصاب على أنه فرض السيطرة الجنسية على شخص آخر، سواء كان ذكراً أم أنثى، بطريقة عنيفة أو عن طريق التهديد بالعنف، والحصول على اتصال جنسي دون رغبة الطرف الآخر. أما في القانون الأردني فيعتبر الاتصال الجنسي القصري بين العضو الذكري والفرج اغتصاباً، أما الاعتداء الجنسي بشكل آخر، من الدبر مثلاً، فيقع تحت بند هتك عرض ولا يعتبر اغتصاباً. من المهم أيضاً أن نعي أن المغتصب لا يعتدي على الغير من أجل “تفريغ” طاقة جنسية أو لأنه منجذب لضحيته عاطفياًً، فالمحرك الأول والأخير هو الرغبة في الحصول على القوة من خلال السطوة على جسد الآخر وقهره والتحكم به جنسياً، وما يتبع ذلك من تحكم بكيان ذلك الطرف وإخضاعه. وللاغتصاب آثار نفسية جسيمة وطويلة الأمد، فما يتركه في نفس الضحية من شعور بالضعف والقهر وانعدام القيمة أمر لا يسهل التغلب عليه وينعكس على حياتها و نظرتها لنفسها وعلاقاتها المستقبلية سلباً بشكل مدمر إن لم تتوفر لها سبل الرعاية و الدعم النفسيين.

كي لا أبتعد كثيراً عن الموضوع، يغلظ القانون الأردني من عقوبة الاغتصاب في حال كانت الضحية فتاة عذراء، وكما في قصة هذه الفتاة، يتساهل في حال “وافق” المغتصب على الزواج من ضحيته، و في الحالتين فإن التركيز فعلياً على مصلحة عائلة الفتاة والمغتصب، ولا حق للفتاة نفسها تطالب به. فنظراً لتجذر ثقافة العيب و الستر في المجتمع الأردني، و لحصر الشرف في العذرية الجسدية التي يضيق تعريفها لتصبح مساوية لغشاء البكارة، نجد أن حق الضحية يضيع مراراً وتكراراً. فقد ضاع حق هذه الفتاة بحياة نفسية واجتماعية سليمة عندما اغتصبت، وضاع حقها عندما تم تزويجها وهي طفلة، و ضاع أكثر عندما زفت لرجل اغتصبها، أي لشخص امتهن كرامتها وارتكب بحقها جرماً أكدته المحكمة، وسيضيع حقها عندما تعيش مع هذا الرجل الذي سيحق له شرعاً وقانوناً وعرفاً أن يغتصبها مرة بعد مرة لمدة لا تقل عن خمس سنوات كما يطالعنا الخبر.

بالنظر لفداحة الانتهاكات بحق هذه الفتاة وبحق جميع النساء الأردنيات، أسجل هنا بعض الملاحظات بناءاً على ما ورد في التغطية الإعلامية للخبر:

– إن تصريحات الأستاذ حسين الخزاعي أن المرأة المغتصبة يمكنها التأقلم على العيش مع مغتصبها لصفعة على وجه كل إنسان يرفض الذل. علامَ اعتمد “أستاذ علم الاجتماع” حسين الخزاعي في إطلاق أحكامه أن المرأة المغتصبة تتأقلم مع العيش مع مغتصبها؟ وكيف يهون من تجربة هذه الفتاة وغيرها، لا بل يدعوهن لنسيان الأمر كله كأنه يتحدث عن نزهة في يوم جمعة؟ هذا بدلاً من أن ينصح بضرورة توفير الرعاية النفسية للضحية أو أن يوعي الناس بآثار الاغتصاب النفسية والاجتماعية على الضحايا! ولأكون أكثر وضوحاً و بلا تأدب مصطنع، فإنه من المعيب أن يدلي أستاذ أكاديمي بهذه التصريحات التي إن نمّت عن شيء فهي تنم عن انعدام الدقة العلمية وعن جهل عميق بطبيعة المجتمع الأردني: كيف تنسى ضحية الاغتصاب ما حل بها وهي تحيا في بيئة اجتماعية لا تنسى، وتعيش مع رجل اغتصبها وأذلها، في مجتمع يمارس القتل ذوداً عن شرف مختزل في جسدها؟ كيف تنسى والعشرات من الأبحاث والكتب حول العنف الجنسي وآثاره المدمرة على الضحايا والمجتمعات تكشف عن عمق الأذى الذي لحق بها؟ مثل هذه التصريحات التي تقلل من شأن العنف الذي ذاقته ضحية الاغتصاب لا ينبغي أن يطلقها كاتب كان قد أفرد مقالاً حول العنف ضد المرأة والطفل نشره موقع إخباري أردني معروف إلا إن كان لا يعي معنى العنف ضد المرأة أساساً، و لاستيضاح رأيه حول الموضوع فإني أنصح الجميع بمراسلته على بريده الإلكتروني المتوفر في مقالاته المنشورة.

-لا يمكن قراءة تركيز القاضي الشرعي أشرف العمري على حيثيات وتفاصيل قانون الأحوال الشخصية حول الحد الأدنى لعمر الزواج، في سياق هذه القصة حيث الاغتصاب والعنف الجنسي والمجتمعي موجهان نحو هذه الطفلة بكل شراسة، لا يمكن قراءته إلا كاستهانة بالجرم الذي تعرضت له هذه الفتاة. ألم يكن أجدر بالقاضي أن يركز على مأساة انتهاك هذه الطفلة مرة تلو مرة تحت راية العنف الجسدي الذكوري (حين اغتصبت) والقانون (حين برأ مغتصبها) والشرع والمجتمع (حين وافق على تزويجها منه)؟ ألم يكن أجدى أن يستنكر مثلاً أنها ستعيش مع رجل اغتصبها لثلاث أيام متتالية أو أن يشجب ضياع حقها تماماً بمجرد عقد قرانها؟ والأدهى أن الزواج مرهون بفترة معينة هي خمس سنين، وهنا مفارقة أخرى كنت أود لو علق عليها القاضي الشرعي فالزواج في الإسلام لا يجوز أن يكون محدداً بمدة معينة.

– بناءاً على ما تم إدراجه في الخبر، فإنني أترجم دور المحكمة و القانون الأردنيين في هذه القضية كالآتي: “اغتصِب و تزوج”. بعبارة أخرى تستطيع أيها الأردني أن تغتصب أربعاً إن شئت وستفلت من العقاب إن تزوجتهن، فهذا مقبول قانوناً وشرعاً في الأردن على ما يبدو، ولتزداد سعادتك فإنك تستطيع أن تطلق ضحاياك-زوجاتك الأربع بعد مرور خمس سنين وتقتني أربعاً أخريات بنفس أسلوب “اغتصب و تزوج” الآنف الذكر، و هكذا دواليك.

– امتد ظلم هذه الطفلة للتغطية الإعلامية التي لم تعطها حقها. فالتقرير الذي تداولته وسائل الإعلام يركز على المجرم وعلى آراء تكاد تبرر له جريمته بنصح المغتصبة بالنسيان والتركيز على عنصر تافه مثل عمر الفتاة عند زواجها، ولا ذكر لحالها هي ولا استعانة بخبراء في مجال العنف الجنسي أو النفسي للاستئناس بآرائهم أو آرائهن حول هذا العنف المركب الذي تتعرض له هذه الفتاة و معها المرأة الأردنية في قوانين و ترجمات شرعية تحرمها حتى من حقها في القصاص.

– إن موافقة أهل الفتاة على تزويجها من مغتصبها لهو أقبح مثال على الاضطهاد الاجتماعي للمرأة الأردنية من أجل “الستر” و لو على حساب حقها و صحتها النفسية والعقلية. ألا دور لإدارة حماية الأسرة في هذه الصورة؟ هل نقبع منتظرين أن تأتينا الطفلة المغتصبة المغلوبة على أمرها حتى نتحرك لنحميها من مزيد من العنف؟ لا عذر لقصور و تقصير الجهات الأردنية المعنية بحقوق المرأة والإنسان بالصمت على هذه القضية. أين اللجنة الوطنية لحقوق المرأة من كل ما يجري؟ أين المركز الوطني لحقوق الإنسان من إسقاط حق هذه الطفلة بالقصاص من مغتصبها وتغييب حقها بطفولة طبيعية بلا زواج منه أو من غيره؟ أما و قد ظهرت قصتها للإعلام فلا حجة لإبقائها في هذا الظلم الواقع عليها من عائلتها ومن المجتمع ومن مغتصبها.

هذا الصمت المخزي يضاف إلى تردد هذه المؤسسات التاريخي في المعالجة الجذرية لقضايا أخرى مثل جرائم الشرف وقانون الأحوال الشخصية وغيرها.

إن صمت هذه الجهات، الحكومية بشكل أو بآخر، على وضع القوانين الأردنية المجحفة بحق المرأة في مجال العقوبات والأحوال الشخصية مثالاً لا حصراً، وصمتها على مثل هذه القضية بأطرافها المختلفة من اغتصاب وإسقاط لحق الفتاة وتزويجها صغيرة، لهو دليل على أنها مؤسسات تتصرف ضمن هامش ضيق متاح لها من المنظومة الاجتماعية والقانونية والسياسية الموجودة، لذلك فهي مكبّلة وغير مجدية إن كنا نريد فعلاً التحرر من الأغلال التي تكبلنا كنساء أردنيات. هذا الصمت المخزي يضاف إلى تردد هذه المؤسسات التاريخي في المعالجة الجذرية لقضايا أخرى مثل جرائم الشرف وقانون الأحوال الشخصية وغيرها. وأستذكر هنا قصة أمينة الفلالي في المغرب وإيقاظها لفئات من المجتمع المغربي للضغط على الحكومة بشكل يبدو أنه سيؤدي لتغيير القانون الذي يسمح للمغتصب أن يتزوج ضحيته ويفلت من العقاب، فأين نحن من ذلك؟

إن التمييز ضد المرأة في القانون الأردني وفي المحاكم الشرعية والانتقائية الممارسة ضدها في الإعلام أمر متجذر وممنهج، وأراه امتداداً لثقافة الشرف المختزل في جسد المرأة والتي تنسحب على أمور أخرى كثيرة. نحن بأمس الحاجة لحركة مجتمعية تتحدى هذه القوانين وتعمل خارج القيود المفروضة على المؤسسات الحكومية أو شبه الحكومية التي تعمل في مضمار حقوق الإنسان والمرأة. ونحتاج وبشدة لرفع الوعي العام حول قضايا العدالة الاجتماعية وفي صميمها قضية المرأة التي هي قضية المجتمع كله، فالمطالبة بمحاربة الفساد و توسيع مظلة الحريات والتمثيل الديمقراطي لا يمكن أن تكون معزولة عن المطالبة بحق المرأة بالمساواة على جميع الأصعدة لأنها جميعاً أوجه متكاملة لأسس الحرية والعدالة والمساواة. ومن الضروري أن نفهم أن قضية هذه الطفلة وما تتعرض له من انتهاكات جسدية ونفسية ليست قضية معزولة — هي ليست حبكة فيلم أو قصة خيالية، هي حقيقة واقعة في مجتمعنا تفضح إفلاسنا الأخلاقي والإنساني في ظل قوانين ومحاكم شرعية وأعراف اجتماعية تضطهد المرأة بشكل علني وبلا عواقب، لا بل وتجد من يبررها باسم العلم و الدين

الصورة من موقع Shutterstock