في عيد العمّال

الثلاثاء 01 أيار 2012

بقلم علاء الساكت

عيد العمال مناسبة سنوية لتقدير مساهمة القوى العاملة من مختلف المهن والمجالات في بناء الدولة الاردنية الحديثة. فعيد العمال عالمياً ذكرى لجميع الحركات العمالية التي ناضلت في أواخر القرن التاسع عشر من أجل حقوق العمال مثل تحديد ساعات العمل ومنع استغلال الاطفال وتوظيفهم، وهو يوم راحة مستحق  لهؤلاء العمال في معظم دول العالم.

ويجب علينا أيضا في هذه المناسبة أن نقيّم وضع العمل والعمال في الاردن من ناحية الحقوق والأهم من ناحية فرص العمل المتاحة، وكل هذه العوامل مرتبطة مباشرة بالوضع الاقتصادي وأسس الإدارة العامة للاقتصاد التي تتبناها الدولة وتطبقها الحكومة. وبداية يجب التنويه إلى ان مصطلح العمال يشمل من وجهة نظري جميع من يتقاضى أجراً مقابل عمل بالإضافة الى من يستطيع ان يشغل عملاً ما مقابل أجر لكنه لا يجد الفرصة المناسبة.  وبحسب هذا التعريف نرى ان غالبية الشعب الاردني، رجالاً ونساءا، ينطبق عليهم وصف العمال، بما في ذلك مجموعات العاطلين عن العمل والفقراء والأقل حظا والذين هم خارج سوق العمل. وبالتالي فإن أي تقييم لوضع العمل والعمّال في الأردن ستكون نتائجه سلبية ومحزنة بسبب حجم هذه الفئة واهميتها في بناء مجتمع متقدم وآمن و خلاق.

وإذا نظرنا الى العوامل الرئيسية التي أدت الى هذا الوضع يمكننا تحديد عنصرين أساسيين، الأول هو سياسات الدولة تجاه التنمية وخلق فرص عمل كافية لاستيعاب كل من يرغب في العمل وبأجور كفيلة بتامين متطلبات العيش الكريم، والثاني هو الاتكال على الحكومة في توفير الدخل والتوظيف بمعزل عن اسس الكفاءة والاداء حيث أن سياسات التوظيف و التشغيل اصبحت وسيلة استرضاء لبعض فئات وطبقات المجتمع، ولا تؤمّن الإنتاج المطلوب، سواء كان هذا الإنتاج على شكل بضائع أو خدمات أو حتى رأس مال اجتماعي.

بالنسبة الى العنصر الأول فان سياسة الحكومة المعلنة والمتبعة تنحصر في مبدأ التدريب المستمر من اجل توفير العمالة المؤهلة والمطلوبة من قبل القطاع الخاص، والذي تعتبره الدولة المحرك الأول والأخير للاقتصاد. وعلى الرغم من ذلك نجد ازدياداً في مستوى البطالة وتدني في مستوى الأجور. وتعزي الحكومة هذه الظواهر إلى عدم تواؤم المهارات مع متطلبات سوق العمل أو إلى ظاهرة “ثقافة العيب”، وتطبق مشاريع إعادة تدريب وتأهيل، وبذلك نجد أنفسنا داخل حلقة مفرغة بل ودوامة تجر الاقتصاد الوطني الى الأسفل. إذ أن الدولة تبنت هذه السياسة غافلة عن حقائق اقتصادية ثبتت خلال الأزمة المالية العالمية الأخيرة وهي أن القطاع الخاص معرض لأزمات وتقلبات تحد من قدرته على التوظيف، بغض النظر عن “مرونة” سوق العمل أو مؤهلات العمالة. وفي هذه الحالة يجب على الحكومة دفع عجلة الاقتصاد من خلال مشاريع تشغيلية تستوعب العاطلين عن العمل، أو جزء منهم، وبذلك تملأ الفراغ في مستوى الطلب الكلي الناتج عن الركود في القطاع الخاص. وهنا أكاد اسمع اعتراض القارئ بأن مشكلة الدولة هي عدم قدرتها على توظيف هذه الأعداد من الناس لعدم توفر الموارد المالية، بالإضافة الى تضخم القطاع العام. وجوابي هو ان هذه مشاريع تشغيل وليست توظيف حيث أنها توفر الحد الأدنى من الاجور ولا توفر ضمانات قانون الخدمة المدنية من ناحية الحماية الوظيفية والترفيع والزيادة في سلم الرواتب، فتكون هذه المشاريع بمثابة حماية اجتماعية ولكن تمتاز عن سياسات الرعاية الحالية بانها تستوجب العمل مقابل الدخل، وترسخ قيمة العمل مقابل الأجر. وأما بالنسبة لموارد الدولة وقدرتها على تمويل مثل هذه المشاريع، فإنه وبعهد الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يتوجب علينا إعادة ترتيب أولويات الدولة في النفقات وحصة كل قطاع من الموازنة العامة. فعلى سبيل المثال ما هي فاعلية المخصصات الضخمة للأمن والدفاع في ظل مجتمع يفقد قيمه الحميدة نتيجة تدهور مستوى المعيشة فيه؟ وألا يحقق رفع مستوى المعيشة وترسيخ مبدأ المواطنة من خلال المساهمة الفعالة في الاقتصاد الوطني زيادة في الأمن والأمان؟ فإذا كان الهدف هو الأمن فعلى الدولة المعنية بالاصلاح تطبيق السياسات التي تحقق هذا الهدف من خلال القضاء على مسببات اختلال الأمن الرئيسية، لا سيما ظواهر الفقر والبطالة.

والجدير بالذكر أن هذه الخطة التشغيلية ليست وحدها كفيلة بحل جميع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فيجب ان تكون هنالك أيضاً سياسات أو منظومة اقتصادية متكاملة أساسها المواطن ومستواه المعيشي وحقه في العمل والحياة الكريمة.

وأخيراً وفي ذكرى عيد العمال، وبما أنني تطرقت إلى مبدأ الإصلاح، فإنه يجب علي أن اتطرق الى ثقافة العمل لدى المجتمع الأردني، حيث أن ثقافة الاتكال على أعطيات الدولة تشكل حاجزاً أساسيا أمام التقدم الاقتصادي المبني على الإنتاج، وهو ما اشار إليه الدكتور عمر الرزاز في كتاباته مؤخراً، حيث أننا نجد بعض فئات المجتمع تفضل الأعطيات وتطالب بحقوقها المالية دون ان تطالب بحقها في العمل وترفض سياسات الاسترضاء المتمثلة بالاعطيات والهبات والمنح دون مقابل منتج. فالإصلاح الشامل يتطلب إصلاح السياسات الحكومية وتغيير نظرة المواطن لدور الحكومة ونظرته إلى دور العمل في المواطنة و بناء دولة حديثة قوامها الانسان المنتج، أي قوامها العمال.