عندما يُغيَب دور الثقافة

الأحد 26 آب 2012

بقلم ريما الصيفي

رفاهية

منذ بداية العام كان لدي من الانشغال ما منعني عن حضور العديد من الفعاليات الموسيقية والثقافية، وعند الحضور كان لدي الكثير من التردد عند البدء في الكتابة لمراجعة هذا العمل أو ذاك مردّه الرفاهية التي اتمتع بها عند الكتابة لحبر. كان التعليل الداخلي لدي أن أي تغطية كانت لأي فعالية هي تشويش على ما يجري على الساحة السياسية الداخلية من مناوشات أظهرت التردي الذي وصلنا إليه، فكيف يقوم من يمثلنا برفع السلاح تهديداً؟ وكيف يقوم من يمثلنا برمي الحذاء وكيف لا تتم المحاسبة؟ ولماذا توجد عصبية متأصلة وغضب يتفجر في جامعاتنا وكيف لا يعترينا الخجل من ذلك؟ وكيف وصلنا إلى هذا الاحتقان واخترنا أن نصم آذاننا ونتجاهل ما يحدث عوضاً عن المواجهة والعمل؟ وماذا عن الأصوات التي كممت أو تم الاستهانة بها وتلك التي تم السخرية منها وقذفها لأنها أرادت لنا العيش لا التواجد فحسب؟

 كان هناك سؤال طارئ استعصت علي إجابته: هل إيقاف تمويل أوركسترا عمّان السيمفونية وأيام عمّان المسرحية أشد وطأة مما يحدث على الصعيد المحلي أو في سوريا وفلسطين؟  وماذا إن دافع عضو البرلمان عن قرار فرض الضرائب على الآلات الموسيقية مبرراً ذلك بأن سائر الشعب لا يأبه باقتناء مايسترو ولا يحتاج إليه (مخطئاً باعتقاده ان المايسترو آلة موسيقية)؟  ولماذا هذا الاستغراب والاستهجان عندما لا يكون لنا إلا وسائل إعلام الدولة وأخرى تجارية تدعونا لاستهلاك بعض مما تمليه علينا من “ترفيه” وما شوهته من “تراث”؟  لماذا لا استغرب عندما لا يأبه الشعب باعتصام الفنانين؟

لم الاستغراب ومعظم الشعب فوق كاهله الكثير من الهموم والأعباء التي تبقيه جارياً وراء لقمة العيش؟ لم الاستغراب عندما لم يتم رعاية الثقافة في مناهجنا فالتلقين منهج وقتل الابداع غاية ليصبح التعليم هكذا أسهل وأقل تكلفة؟ لم الاستهجان عندما تكون هذه الفعاليات بنظر الشعب لا تمثله أو تلامس واقعه؟ لم الاستهجان والثقافة لا تؤدي دورها الفعلي في توصيل همومنا وفي طرح حلول؟ الثقافة التي غيبت باعتبارها رفاهية ليس بمقدورمعظم الشعب الوصول إليها، خاصة إن لم يعرف الكثير بفقدها وهو غارق في دوامة السعي وراء قوته وقوت أبناءه.

تغييب 

لم تكن هذه الحال في مصر أوائل العشرينات وفي أوقات متفاوتة حتى وقتنا الحالي، إذ كيف استطاع المصريون إيجاد ذاكرة مشتركة في شخص سيد درويش وغيره؟ ما الأسباب التي مكنت الكتّاب في فرنسا أن يكونوا قوة سياسية سرعان ما أصبحت القوة الأولى في البلاد إبان الثورة الفرنسية؟ أهي تأصل الثقافة في هذه البلاد عبر دعم تلك الأنظمة الحاكمة والسابقة بغض النظر عن الوضع الاقتصادي؟ أم هي نابعة من قدرة الفنان أو الأديب تبني صوت الشعب وهمومه؟ أم كلاهما؟

من المسؤول عن تغييب دور الثقافة؟ هل يمكننا تحميل الدولة المسؤولية كاملة؟ أم مبدعينا؟ أم نحن كمجتمع؟ أم إعلامنا؟

المجتمع 

في ظل الظروف القائمة لن يكون من المجدي مطالبة القاعدة الشعبية القابعة تحت ضغط الحاجات اليومية بالكثير، إلا أنه يمكننا أن نعترف أن بعضاً من اللوم يقع على التنشئة الأسرية التي يتكاسل فيها الأهل عن تنمية هواية القراءة والذائقة الموسيقية والفنية ربما للأسباب الآنف ذكرها. كما يقع اللوم على المثقفين في تقصيرهم في نشرالثقافة ودعمها بقوة وعزم باستثثناء بعض المبادرات القليلة مثل  نوادي القراءة “كتابي كتابك” و”انكتاب”والذي أطلق معرض الكتاب المستتعمل و التي تكون اسعار الكتب فيها من 10 قروش إلى دينارين وحملة برنامج “6 دقائق للقراءة” لتشجيع الأمهات للقراءة لأطفالهن وحديثا “مشروع قلم” لتشجيع الكتابة وغيرها، إلا أن هذه المبادرات مازالت محصورة في نطاقات ضيقة لقلة المتفرغين أو ضيق القاعدة الشعبية.

صناع الثقافة

أما عن كتابنا وفنانينا وموسيقيينا الجادين فهم أيضاً يعانون لإيجاد هوية وقاعدة جماهيرية تتجاوز فقاعة نفس الوجوه والدوائر التي حتى لو تعدت حدود الوطن، إلا أنها لا تصل إلى الجماهيرية الشعبية بل تبقى في حدود الموسيقى البديلة وأضف إلى ذلك أن عدد المتفرغين منهم لمشروعه الثقافي لا يتجاوز أصابع الأيدي. كما أن بعض التقصير أيضاً قد يكمن في عدم تبني بعضهم هموم الشارع وإيصال صوتهم أو عدم تآزر بعضهم ليشكلوا جبهة مستقلة ومتفردة مع الإبقاء على هوياتهم المستقلة. هناك من أمثال “الفرعي” و”ترابية” ممن تبنوا قضايا الناس بيد أن نوعهم الموسيقي قد لا يروق للذوق العام، لكنها بداية، وهناك أيضاً يعقوب أبو غوش بألبومه الموسيقي “كزرقة أنهار عمّان” الذي شهد تعاون أقوى الموسيقيين الأردنيين وأراد فيه التودد للذوق العام بأغنتين تقارب المألوف إلا ان هذا الألبوم مع قوته لم يحقق الجماهيرية المطلوبة. أما فرقة اوتوستراد أصحاب القاعدة الجماهيرية الأوسع من السابقين لأغانيهم التي تحكي باللغة العادية الحالات اليومية وموسيقاهم المرحة فقد شاركوا في حفلة لمؤازرة النازحين السوريين مع فرقة “آخر زفير” إلا أن الجمهور ظل ظمْآناً لأغان تحكي عن الوضع الراهن.  وهناك من الفنانين الذين اخذوا على عاتقهم نظرياً إبراز قضية ما إلا أن التطبيق على أرض الواقع يأتي تجارياً فمن تلك الأعمال أحد المعارض الفنية الذي أقيم استذكاراً للنكبة تم فيه بيع قطع تمثل حروف أسماء المدن الفلسطينية كتعليقات من البلاستيك الشفاف بعشرين ديناراً لكل حرف دون معرفة إذا ما كان بعض من العائد المادي سيؤول لأصحاب القضية أم لا.

أما عن الكتاب الأردنيين فما زالوا غير معروفين رغم إنجازاتهم على الصعيد الثقافي العربي وربما يكمن ذلك في قلة التسويق . وأما صناع الأفلام الأردنيين فهم أكثر صناع الثقافة الآن حظا في الاهتمام والرعاية لكن ما زال الانتاج دون المطلوب كما أن الوصول للجماهيربة بعيد المنال. ونجد ان تحالف الثنائي مميز أحمد حسن زعبي وموسى حجازين في “الآن فهمتكم ” حظي بجماهيرية محلية طوال أكثر من سنة من عرضه لملامسته الواقع ومحاكاته هموم المواطن. بيد أن بعض الممثليين أرادوا ان يحملوا الدولة مسؤولية  عدم توافر الدعم لأعمالهم وعدم توجه التلفزيون الأردني لرعاية الدراما الأردنية متناسيين قصور التلفزيون الأردني وتقاعسهم عن حشد جمهور كاف لهم أو إيجاد طرق بديلة لجذب هذا الجمهور عن طريق عن تقديم أعمال نوعية في ظل توافر العديد من الوسائل الحديثة الكفيلة بذلك. تلك الوسائل كالانترنت نجح في تسخيرها كل من  شباب” بث بياخة” و “فوق السادة” و خرابيش في “في ميل”و أعمالهم  الأخرى  في الحصول على القاعدة الجماهيرية والحظي بدعم قنوات تلفزيونية.

 لا نستطيع إنكار وجود جهود دؤوبة تسعى  لخلق منصات تتيح للعمل الثقافي ان يؤدي دوره ورسالته وتحقيق تبادل ثقافي، كمهرجان كرامة لأفلام حقوق الانسان – إلا أن الحضور الأردني في هذه المهرجانات ما زال دون المستوى . أما عن مهرجانات الدولة  كمهرجان جرش  والفحيص و تلك الموسمية من دعم USAID  ومقابلها من منظمي الفعاليات المحلي] فيغلب عليها الطابع التجاري والترفيهي.

وفي كل حال إن كان البعض ضد الأغاني أوالأعمال الموسمية أو معها، فالإنسانية قضية غير موسمية ومحاكاتها هو ما ميز أغاني “سيد درويش” والعديد من الأعمال و الفعاليات الناجحة وكان سبباً لوصولها للقاعدة الأوسع مع غياب دعم الدولة والإعلام،  فأي مشروع يلامس واقع الناس لا بد له أن يحقق رسالته ويحشد الجماهير.

الإعلام 

جريدتي الدستور والرأي تقومان بتغطية فعاليات منتقاة دون أخرى. وهناك قلة ممن يقدمون تغطيات ذات عمق في بعض الأحيان مثل جريدة الغد حيث نوعية الفعاليات التي يتم تغطيتها أوسع والتغطية أفضل في معظم الحالات. أما عن القنوات التلفزيونية الأردنية التجارية فلا مكان فيها للثقافة إلا قناة رؤيا التي بالفعل سجلت تميزاً وحضوراً رائع في كافة برامجها التي كان في معظمها حيز للثقافة والابداع إلا أننا نتمنى لها انتشاراً أوسع يجعلها تنافس القنوات العربية الأخرى. أما عن الإذاعات فإذاعة راديو البلد مع تميز برامجها الثقافية فما زال أمامها شوط طويل للوصول إلى الجماهيرية المرجوة، أما بقية القنوات غير قناة الجامعة الأردنية الواعدة،  فهي ترفيهية في طبعها وحيز الموسيقى الجادة فيها لا يتجاوز بعض الفقرات كما أن تغطية الفعاليات الثقافية فيها لا يتعدى الإعلانات وبعض المقابلات. ولا نغفل دور الانترنت وقنوات مستقلة مثل عرمرم وغيرها في نشر الثقافة إلا أنها لا تزال قاصرة حيث أن الانترنت غير متوافر في الكثير من بيوتنا.

الدولة 

يقع على عاتق الدولة الجزء الأكثر من اللوم، فغياب سياسات قائمة وواضحة لدعم الفنون والأدب والإبداع سبب رئيس في تردي وضعها. غياب الفن والموسيقى والقراءة الحرة و المشاريع والأبحاث عن مناهجنا ينعكس على الواقع الثقافي، كما أن دعم الأعمال السطحية والأغاني التي تتغنى بالقتل والغضب والقسوة وتهمل الجمال وحب الوطن والقيم الانسانية مع فرض رقابة على أخرى أكثر عمقاً يشوه الذاكرة الشعبية ويزرع غضباً وتعصباً عوضاً عن زرع الانتماء.

حقيقة 

لوكانت الثقافة لغة الشعوب ولسان حالها فنحن شعب لا صوت له إلا بعض الأصوات التي لا تعدو كونها همسات مقابل صرخات الواقع وهموم الحياة اليومية.

المطلوب 

التعاون بين الكتاب والموسيقيين والفنانين لجذب المجتمع لأعمالهم ولبناء مشروع ثقافي يكون الصوت الذي يفتقده الناس يعكس الواقع وطموحات الناس ويخلق الذاكرة الجمعية الممثلة لحالنا والإرث الجديد للأجيال القادمة. كما مطلوب دعم  هذه الجهود بشكل جاد وحقيقي من الدولة والإعلام والمجتمع.

مع كل الظروف الراهنة والصعوبات تبقى الفنون بأشكالها روح الشعوب وأملها وذاكرتها، و يقع على عاتقنا إظهارها وتوثيقها وأخذ جرعات منها ومشاركتها كي لا يكمم صوت الذاكرة.

واجب  كل منا المساهمة في صنع الثقافة التي نريدها و تفعيل دورها ونشرها في أشد الأماكن حاجة لها؛ القرى والمخيمات  والأحياء الفقيرة في العاصمة والمحافظات والبادية لتعيد الروح للوطن.