العيب ليس في الامتحان، العيب في النظام

دفاعاً عن التوجيهي

الأحد 05 آب 2012
الصورة بعدسة عبد الله الكفاوين، على موقع الفنار للإعلام.

قبل أن نغرق في نقاش حول التعليم المدرسي والعملية التعليمية ومشاكلها وأساليبها ومخرجاتها، لا بد من التذكير أن امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) هو مجرد امتحان قبول. إن هذه السنة من حياة الطالب التي يقضيها في الإعداد لامتحانات التوجيهي لا تهدف إلى تطوير مهارات الطالب في التفكير والتحليل أو بناء المعرفة وتطوير أساليب جمعه للمعلومات، فهذه الأمور ليست حصيلة سنة واحدة وإنما نتاج العملية كاملة، التي تحتاج طبعًا إلى تقييم كامل من ناحية المناهج وأساليب التدريس وتأهيل المعلمين وحتى سياسات الدولة.

أما التوجيهي، فهو ليس أكثر من امتحان القبول الجامعي الموحد (Standardized Test) الذي تعقده وزارة التربية والتعليم لتوزيع المقاعد الجامعية المحدودة على عدد كبير جدًا من الراغبين في الحصول على هذه المقاعد بشكل يضمن الحد الأدنى من العدالة؛ ومن المنصف القول أن هذا الامتحان قد نجح بهذا الهدف إلى حد بعيد.

الامتحانات الموحدة في الغالب تهدف إلى «فرز» المتقدمين أكثر مما تهدف إلى «تعليمهم». خذ على سبيل المثال امتحانات«ممارسة المهنة» التي تجري في الولايات المتحدة في الطب والصيدلة والمحاسبة والقانون والهندسة، والتي تحتاج إلى جهد كبير في الإعداد والتحضير (يشمل كمية لا بأس بها من «الحفظ» بالمناسبة) بهدف «المرور» والحصول على الترخيص أو الشهادة، لا أكثر. أو مثلًا امتحانات القبول في الدراسات العليا مثل (GRE) أو (GMAT) التي تشكل علاماتها المعيار الأساسي في القبول في الجامعات الأمريكية والتي أيضًا قد تحتاج إلى تحضير لمدة سنة (يضطر بعض المتقدمين لامتحان GRE حتى من المتحدثين باللغة الانجليزية لحفظ بين 1500-2000 مفردة للحصول على نتيجة عالية في الجزء الذي يختبر اللغة، وهذه عينة من بعض أسئلته). من البديهي أن بعض الاقتراحات بإضافة امتحان قبول للجامعات بديلًا (أو إضافةً) للتوجهيي هو عبء زائد وغير ضروري على الدولة والجامعات بعقد دورة إضافية/مكررة من الامتحانات الموحدة لعشرات الآلاف من الطلاب، تستنزف الطاقات وتفتح الباب أمام كل التجاوزات التي نجح التوجيهي (بنسبة كبيرة) بالحد منها. (على طريقة ما قامت به الجامعات الأردنية بإلغاء متطلب التقدم لامتحان التوفل لطلبة الدراسات العليا والاستعاضة عنه بامتحان «الامتحان الوطني للغة الإنجليزية لطلاب الدراسات العليا» تنظمه وتضع تعليماته وزارة التعليم العالي وتشكل له اللجان!).

المشكلة التي يعاني منها الامتحان ليست فنية في ذات نظام الامتحان ولا هي في الطالب المتقدم له. بل على العكس فإن هذه السنة من العمل الجاد لفترة طويلة نسبيًا لها دور مهم في بناء شخصية الشاب/الشابة: فهي تجربة في تحمل المسؤولية، وتدريب على تنظيم الوقت والالتزام والصبر وفرصة لتطوير غيرها من العادات الحميدة. المشكلة هي في المنظومة الاقتصادية الاجتماعية المحيطة بتجربة ما بعد الدراسة الثانوية:

غياب العدالة في توزيع المقاعد الجامعية من خلال البرامج الموازية والاستثناءات

محدودية المقاعد الجامعية التي يتنافس عليها الطلاب تجعل من متطلبات الحصول عليها صعبة جدًا، فلا يكفي المجهود العادي للتنافس عليها، فيصبح المطلوب من الطالب أن يضاعف هذا الجهد. أما عندما يتم سحب نسبة من هذه المقاعد المحدودة من مجال التنافس ومنحها لمن لديه القدرة المالية على دفع الرسوم العالية، وسحب نسبة أخرى لاستثناءات أخرى غير دستورية، يصبح المطلوب من الطالب أن «ينتحر دراسة» (بالمصطلح المتداول) للوصول للمقعد، ويصبح الطالب على قناعة بأن الخطأ بنسبة صغيرة غير مسموح. جعل كل المقاعد بلا أي استثناء مفتوحة أمام جميع الطلاب كفيل بجعل متطلبات الحصول على هذا المقعد أقل إرهاقًا. فإعلان الجامعة الاردنية المخزي الاسبوع الماضي بتخفيض أعداد المقبولين فيها بنسبة خمسة بالمئة للعام الحالي مقابل التوسع في البرنامج الموازي تعني بكل بساطة أن هناك طالب (ومثله آلاف) بذل كل جهده، لكن مقعده الجامعي تم منحه لطالب أغنى منه، أما الاحتفال بالمنجز الوطني «بتعديل» أسس «مقاعد الديوان الملكي» لن يغطي على حقيقة أنه على مدى السنوات العديدة الماضية هناك طالب (ومثله آلاف) حصل على معدل ثمانين بالمئة في الامتحان الموحد لكن مقعده ذهب إلى زميل له حاصل على سبعين بالمئة، لأن لهذا الأخير قريب من الدرجة الثالثة موظف في القصر.

القناعة بمحدودية الفرص للحصول على دخل مقبول خارج إطار التعليم الجامعي

هناك اعتقاد لدى الأردنيين بأن التعليم الجامعي (خاصةً في المجلات العلمية) هو الطريق الوحيد للحصول على وظيفة بدخل عالي والحصول على مكانة اجتماعية معينة. وإذا كان هذا غير دقيق إلى حد كبير فلا شك بأن التعليم المهني أو العمل في المهن ما زال يلقى نظرة دونية من المجتمع، سببها الأساسي أن مثل هذه الأعمال على الأغلب لا توفر عائد مالي كبير (باستثناء بعض الحالات) ولاتوفر الأمن الوظيفي أو البيئة المناسبة أو «الإطار المنظم» الذي توفره الوظائف «الأكاديمية». فليس هناك هيكل حقيقي لمصانع ومعامل وورش تستقطب غير الراغبين بالدراسات الجامعية، أو وظائف فنية ومهنية تجعل الخيار البديل للدراسة الجامعية خيارًا مغريًا أو حتى مقبولًا. على جميع الأحوال فإن امتحان التوجيهي ليس المسؤول عن هذه الظاهرة.

الضغوط الاجتماعية من الأهل والعائلة الصغيرة

الجيل السابق الذي عاش طفرة الخليج (والثمانينيات) ما زال يرى في الدراسة الأكاديمية العلمية (دكتور أو مهندس) الطريق الوحيد نحو «الطبقة الوسطى القريبة من الثراء» ويرى أن أي طريق آخر يختاره الأبناء (حتى لو كان أكاديميًا) هو ضياع لمستقبلهم، فتزداد الضغوط خوفًا على هذا المستقبل (مبررة غريزيًا)، وقلقًا على العبء المالي الذي سوف يقع على العائلة في حالة عدم الحصول على مقعد علمي تنافسيًا، لأن الخيار الوحيد الآخر هو أن يدرس الولد/البنت طب أو هندسة «حتى لو بعنا الدار» . أضف إلى ذلك الفئة من الأهل التي ترى في إنجازات الأبناء حتى وإن كانت هامشية انجازات لها شخصيًا وتجد فيها فرصة للتباهي والعرط البليد، فتتحول ظاهرة: «بابا تعال غني لعمو شو حفظوكم في الروضة» إلى «مش تخزينا بالتوجيهي قدام الجيران». إن إعادة تأهيل هذا الجيل وتغيير معاييره للنجاح والإنجاز والمستقبل لابنائه أمر أساسي في تخليص التوجيهي من السمعة السيئة التي لا يستحقها.

أما بعض «الاصلاحات» المقترحة مؤخرًا على نظام الامتحان فهي إما بلا قيمة أو غير ضرورية: فمثلًا احتساب عشرة بالمئة من علامة كل مبحث هو بمثابة إضافة عشرة بالمئة لجميع الطلاب على علامة امتحان الوزارة، وبالتالي لن يؤثر كثيرًا في القبول الجامعي، أما توزيع المباحث والامتحانات على سنتين فهو بمثابة تمديد «الخدمة الإلزامية» من سنة إلى سنتين، وتمديد الضغوط على الجميع لعام إضافي. قد يكون أفضل «التعديلات» المطروحة هو «ترشيق المناهج»، وبالتالي تقليل الجهد اللازم من الطالب، ورفع نسبة النجاح، لكن لا بد أن يقابله، مجددًا، مراجعة في أسس القبول وجعل كل مقعد في كل جامعة مفتوح للتنافس، حتى لا يؤدي ترشيق المناهج إلى مرحلة يصبح فيها معدل 98 غير كاف لدخول كلية التجارة (وهذا موضوع آخر).

التوجيهي وحالة الهلع التي تصيب المجتمع كاملًا عند سماع هذه الكلمة ليست سوى إحدى أعراض المشكلة وليست المشكلة بذاتها، ففي ظل الفشل في بناء دولة قادرة على توفير التعليم المدرسي الفعلي والمؤثر أو توفير فرص التعليم الجامعي للجميع  أو توفير فرص العمل خارج إطار الشهادة الجامعية (أو حتى بالرغم من الحصول عليها)، من غير المنصف أن نلقي باللوم على فروع المشكلة بدلًا من أصولها (في ظاهرة تزداد انتشارًا ويجد فيها المتبرمون من كل شيء ملاذًا للانتقاد بدون تجثم عناء البحث عن الأسباب وتتبع الأصول). ففي ظل الوضع الحالي يبقى الامتحان الصعب المنهك أكثر إنصافًا للطالب من فوضى تضطره إلى استجداء مقعده الجامعي استجداءً.

* الصورة بعدسة عبد الله الكفاوين، على موقع الفنار للإعلام.