إنهم يغتالون حلمنا

الإثنين 10 أيلول 2012

تجربتي الأولى مع مقص الرقيب كانت في السنة الثانية من دراستي في الجامعة الأردنية، حيث كتبت لجريدة “صوت الطلبة” مقالاً ينتقد الإدارة لسماحها لشركة غولواز للسجائر بالترويج لمنتجاتها داخل مرافق الجامعة، وعندما وصلت النسخة النهائية من الجريدة إلى عميد شؤون الطلبة ليوافق عليها بحكم مركزه كرئيس التحرير، أمر بشطب هذا المقال لأنه “يسيء إلى صورة الجامعة” على حد تعبيره.

تركت الجريدة بعد ذلك وعملت لمدة سنتين في مجلة شبابية باللغة الانجليزية تصدر خارج الجامعة، وبالرغم من المساحة التي أتاحتها لي لممارسة العمل الصحفي والكتابة، إلا أنني كنت أتوق إلى حيز مختلف للتعبير عن أفكاري، إلى أن اكتشفت عالم المدونات وأنشأت مدونتي الخاصة في عام ٢٠٠٥. أستطيع أن أقول وبدون مبالغة أن الإنترنت والتدوين غير حياتي حيث تعرفت على مجموعة متميزة من المدونين الأردنيين يجمعهم الشغف والانفتاح والرغبة بالتواصل حول قضايا تهم المجتمع والوطن. كان عددنا صغيراً آنذاك، جمعنا موقع مخصص لإدراج وإبراز المدونات الأردنية اسمه جوردان بلانيت، وأصبح فيما بعد عدد من هؤلاء المدونين أصدقائي وجزءاً مهماً من حياتي المهنية.

كان الأردن مركزاً مهماً لشركات الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات على مستوى الوطن العربي، وساهمت شركات مثل مكتوب وجيران والبوابة بانتشار التدوين في المنطقة من خلال توفير الخدمة بشكل مجاني باللغة العربية، فازداد عدد المدونات بشكل كبير خلال عام ٢٠٠٦.

من وحي تلك الحالة ولدت فكرة إنشاء موقع حبر في نهاية عام ٢٠٠٦، إذ شعرنا أن هنالك حاجة لمجهود جماعي، يبنى على فكرة التدوين والمدونات ويطورها. كنا في بداية الأمر ثلاثة أشخاص، وبعد فترة من التفكير في النموذج الأنسب لإطلاق مبادرة من هذا النوع، قررنا أن ننطلق ونسمح للنموذج أن يتطور بشكل تلقائي من خلال خوض التجربة. كل ما تطلبه الأمر تسجيل العنوان الإلكتروني Domain Name، وشراء حيز استضافة الموقع من إحدى الشركات العالمية المنتشرة على الإنترنت مقابل مبلغ بسيط لا يتجاوز ١٠ دولارات شهرياً، وتشغيل نظام ووردبرس لإدارة المحتوى، والذي كنا على دراية به من تجربتنا بالتدوين.

وبفضل مجتمع رائع من الكتّاب والمشاركين والمعلقين قطع حبر شوطاً كبيراً منذ تلك البداية المتواضعة عام ٢٠٠٧، إذ سعينا دائماً لجعل الموقع مساحة للتعبير الحر والتواصل والحوار وطرح قضايا تهم بلدنا ومجتمعنا بشكل مختلف عن وسائل الإعلام السائد. وصلنا اليوم إلى مرحلة كبر فيها فريق حبر واتسع نطاق عملنا، وأصبحنا نسعى لتقديم نموذج نجمع فيه بين إنتاج محتوى بأشكال متعددة ونشر المواد التي نستقبلها من الجمهور وتنظيم نشاطات حوارية مثل نقاشات علامة المربع. فنحن لسنا موقعاً إخبارياً لكننا أقرب إلى مجلة إلكترونية تجمع بين إعلام المواطن والعمل الصحفي.

من خلال تجربتنا لمسنا حاجة إلى نشر المعرفة حول تقنيات إعلام المواطن، فأسسنا في عام ٢٠٠٩ شركة حبر للتدريب والتكنولوجيا، والتي نقوم من خلالها بإعطاء ورش تدريبية في مجال الإعلام الرقمي الحديث في مختلف مناطق الأردن من الرمثا إلى العقبة، وفي دول عربية مختلفة، لتمكين الشابات والشباب من سرد قصصهم بأنفسهم والتعبير عن آرائهم بأشكال مختلفة من نص مكتوب أو تسجيل صوتي أو صور أو فيديو ونشرها بلا قيود على الإنترنت، وخلق حوار حول قضايا تمس حياتهم اليومية ومجتمعاتهم المحلية.

ومع انطلاق الربيع العربي عام ٢٠١١، ازداد التواصل والحوار بين المواطنين في قضايا الشأن العام، وبرزت مجموعات وصفحات على فيسبوك من مختلف التيارات تقدم سيلاً من المقالات والأخبار والتعليقات، لم تكن سلبية بعضها في إبراز العصبيات والانقسامات في مجتمعنا الأردني لتطغى على إيجابية التواصل بين مختلف الأطياف، حيث أدى ذلك إلى تعرية هذه المشاكل حتى نبدأ بالعمل على مواجهتها سوية.

في خضم كل هذا، وفي الوقت الذي يشهد فيه الشارع العربي حراكاً ضد القمع والفساد والظلم والاستئثار بالسلطة وتكميم الأفواه، وفي الفترة التي تستمر فيها الثورة المعلوماتية والتكنولوجية بتحدي النموذج التقليدي للمؤسسات الإعلامية وقلب الموازين عالمياً، تأتي الحكومة الأردنية بمشروع قانون معدل للمطبوعات والنشر في محاولة مستميتة لتقييد حرية التعبير من خلال فرض السيطرة على الفضاء الالكتروني.

إن التعديلات المقترحة على القانون تلزم المواقع الالكترونية بالتسجيل والترخيص وتجعلها خاضعة لجميع التشريعات المطبقة على المطبوعة الصحفية، وتعطي مدير دائرة المطبوعات والنشر صلاحية حجب المواقع الالكترونية غير المرخصة في المملكة بشكل مخالف للدستور. وزيادة في التضييق على مساحات الحوار الشبابية وحق المواطن في الحصول على المعلومة، فقد اشترط القانون أن يكون للموقع رئيس تحرير مضى على عضويته في نقابة الصحفيين أربع سنوات على الأقل.

ويعرف مشروع القانون المطبوعة الالكترونية بأنها أي موقع من نشاطه نشر الأخبار والتحقيقات والمقالات والتعليقات ذات العلاقة بالشؤون الداخلية او الخارجية للمملكة. بناء على هذا التعريف يمكن لأي موقع أو مدونة شخصية أو جماعية أو قناة فيديو على يوتيوب أوحتى صفحة على الفيسبوك أن تعتبر مطبوعة ملزمة بالتسجيل والترخيص، وهذا فضلاً عن كونه إجراء غير دستوري يمس حقوق وحريات الأردنيين الأساسية، فهو أيضاً غير عملي وغير قابل للتطبيق، حيث بإمكان أي موقع يتم حجبه أن ينتقل إلى صفحة على الفيسبوك ينشر جميع مواده من خلالها ويسمح لقرائه بالتعليق عليها. ماذا سيحدث عندها؟ هل سيأمر مدير الدائرة بحجب كل صفحة على الفيسبوك تنشر مواداً ذات علاقة بالشأن الأردني؟

تنص التعديلات المقترحة كذلك على اعتبار التعليقات التي تنشر في المطبوعة الالكترونية مادة صحفية يتحمل مالك الموقع ورئيس تحريره مسؤوليتها إضافة إلى كاتب التعليق، وأن على المطبوعة الالكترونية عدم نشر التعليقات اذا تضمنت معلومات أو وقائع غير متعلقة بموضوع الخبر أو لم يتم التحقق من صحتها، وأن على المطبوعة أيضاً الاحتفاظ بسجل خاص بالتعليقات لمدة لا تقل عن ستة أشهر يتضمن جميع المعلومات المتعلقة بمرسلي التعليقات وبمادة التعليق.

إن نفاذ هذه التعديلات سيؤدي من الناحية العملية إلى تقييد الآفاق التي تتيحها تلك التعليقات من خلال الحوارات التي تتم بين القراء وتثري الخبر أو المقال الأصلي وتسهم في تبادل المعرفة.

نحن في حبر واجهنا هذا التحدي، حيث بدأنا نرى تعليقات تحتوي على شتائم أو تحث على الكراهية، إلا أننا وجدنا أن مجتمع القراء والمعلقين ينجح تدريجياً في التصدي لأصحاب التعليقات المؤذية بشكل مهذب وبنّاء، مما جعل الحاجة إلى تدخلنا بالشطب محدوداً للغاية. وكان قيامنا بمنع المستخدمين ممتهني الإساءة من التعليق غير فعالاً لكونهم يجدون طرق بديلة للعودة بحسابات جديدة.

في القرن الواحد والعشرين، وبعد أن حافظ الأردن على إنترنت مفتوح (مع بعض الاستثناءات) منذ انطلاقه في المملكة عام ١٩٩٥، وبعد أن حققت الشركات الأردنية إنجازات مهمة على صعيد تكنولوجيا المعلومات والمحتوى العربي على الإنترنت، وبعد أن فقدت الحكومات احتكارها للمعلومة وقدرتها على التعتيم والتحكم فيما يتلقاه المواطن، آن الأوان للتخلص من قانون المطبوعات والنشر أساساً، فهو أداة من أدوات الأنظمة الدكتاتورية التي تسعى لفرض سيطرتها على وسائل الإعلام. هذا القانون ما زال يعطي مدير دائرة المطبوعات والنشر صلاحية مصادرة كتب ومنع توزيعها في زمن الPDF ومواقع مثل فورشيرد، ويستخدم مصطلحات فضفاضة لوصف ما “يحظر” نشره، وهو مخالف أساساً للدستور الأردني الذي تنص الفقرة الخامسة من المادة ١٥ منه:

“يجوز في حالة الأحكام العرفية أو الطوارئ أن يفرض القانون على الصحف والنشرات والمؤلفات ووسائل الإعلام والاتصال رقابة محدودة في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة وأغراض الدفاع الوطني.”

فإذا كان الدستور يحدد الرقابة بحالة الأحكام العرفية ويؤكد أنها محدودة، نستنتج أنه في غير حالات الأحكام العرفية والطوارئ، لا يجوز فرض رقابة على وسائل الإعلام والاتصال.

إن حماية الأفراد والمؤسسات من الذم والقدح والتشهير مصانة بموجب أحكام قانون العقوبات دون الحاجة إلى قانون المطبوعات والنشر. كما أن تنظيم العمل الصحفي يجب أن يكون ذاتياً واختيارياً من الجسم الصحفي، ولن يتحقق إلا عندما تكف الحكومة والأجهزة الأمنية يدها عن وسائل الإعلام.

إن تلك الرحلة التي خضناها مع حبر خلال السنوات الخمسة الماضية وما فتحته من آفاق للمعرفة والتواصل ما كانت لتتحقق لو كانت الذهنية العرفية المعادية للحريات هي السائدة آنذاك كما هي اليوم، هذه الذهنية التي تصر اليوم على اغتيال حلمنا في حبر وحلم الشباب في الخروج من مظلة الوصاية التي تحول بينهم وبين التواصل والحوار الذي يؤدي إلى تجاوز الخلافات والانقسامات الوهمية بين أبناء المجتمع الواحد.

مشروع القانون هذا الذي سيناقشه مجلس النواب الثلاثاء سيشكل في حال إقراره ضربة خطيرة لحرية التعبير والإعلام في الأردن، وسيسيء إلى سمعة الأردن دولياً ويضيفه إلى قائمة الدول عدوة الإنترنت. نحن نرفضه بشكل قاطع وندعوكم لاتخاذ موقف ضده بمختلف الوسائل الممكنة ومطالبة النواب بالتصويت ضده، والاستمرار في محاربته حتى لو تم إقراره.