من رصد الصحافة: البطاقات المزورة والخطاب الرسمي

السبت 15 أيلول 2012

أكثر ما يثير الإعجاب في زاوية “رأينا” في صحيفة الرأي اليومية هي قدرة القائمين عليها على محاكاة التخبط في الخطاب الحكومي بسرعة فائقة، فهو قرار حكومي صعب يوم السبت، وقرار قيادي حكيم يوم الأحد، وهي اتهامات باطلة من الاسلاميين الذين “يبثون سمومهم كالعادة” يوم الإثنين، ولكنها اتهامات فيها شيء من الصحة يوم الثلاثاء بحسب أخبار الصحيفة ذاتها.

خلال الأسبوع المنصرم، كانت قضية البطاقات الانتخابية المزورة هي الشغل الشاغل لكاتب الزاوية الذي انبرى لسانه للدفاع عن الهيئة المستقلة للانتخاب، وعملية التسجيل التي “لا تشوبها شائبة”. في البداية، جاء الرد على شكل تهكم يستخدم لغة الاسلاميين ذاتها، حيث كتب الرد بعنوان “قل هاتوا برهانكم” وذلك رداً على مزاعم الاسلاميين بوجود 70 ألف بطاقة شخصية تم تزويرها.

تستشهد الزاوية ببيان الهيئة المستقلة للانتخابات الذي ينفي وجود هذه البطاقات في قوائم الأحوال المدنية، وتعتبر أن البيان أفشل مؤامرة الاسلاميين لتعكير صفو عملية التسجيل التي تجري على قدم وساق وفي أجواء حماسية لا مثيل لها. ثم يطلب الكاتب من الإسلاميين التعامل بشفافية مع الموضوع والاستسلام لحقيقة مفادها أنهم مفلسون سياسياً ولا يملكون “الشعبية المزعومة”.

المفارقة، التي لم لتعد مفارقة لشدة تكرارها في الصحيفة، أن من يطلب الشفافية هو أول من يحتقرها، فالصحيفة لم تشر في أخبارها المتكررة عن القضية ذاتها إلى تصريح صحفي للناطق الرسمي باسم الهيئة المستقلة للانتخابات والذي يعترف فيه بوجود البطاقات المزورة، ولكنه يقول أنها تعود إلى عمليات تزوير سابقة جرت في الانتخابات النيابية والبلدية لعام 2007.

ثم يصاب القارئ بالحيرة من سر العلاقة القوية التي تربط بين الصحيفة و”الاخوان” مع أنهم “لا يملكون الشعبية المزعومة”، فلو سلمنا بهذه المقولة، فلماذا تخصص صفحات الجريدة للبحث في “خلافات الاخوان التي يسعون إلى تصديرها للشارع” وأخطائهم وهفواتهم، فمن رأينا إلى آراء المراسلين الذين يتحولون إلى محللين سياسيين ينتقدون أداء الإخوان إلى عين الرأي التي لا تفوّت “أي تصرف أحمق للإخوان”، تمتلئ الصحيفة باللغة التخوينية التي تظهر اهتماما بالغاً بالاخوان الذين هم ذاتهم يفتقرون إلى الشعبية بحسب “رأيكم”!

وقبل أن يتبدل الرد الحكومي، طمأنت الزاوية القراء على سلامة العملية الانتخابية ونجاتها من محاولات الاخوان لعرقلتها، فلو افترضنا جدلا بأن البطاقات الشخصية المزورة موجودة، والكلام منسوب لكاتب الزاوية الذي نسخ الجواب من الجهات المعنية بحذافيره، فإن البطاقات الانتخابية لا تتأثر، حيث تصدر الأخيرة وفق المعلومات والصور الشخصية المثبتة لدى الموظفين المعنيين في دائرة الأحوال المدنية، أي أن العبث بالبطاقات الانتخابية أمر شبه مستحيل.

ثم تشرق شمس الصباح التالي، وتنشر الصحيفة على صفحتها الأولى خبرا مفاده أن عمليات نقل جماعية كادت أن تحدث وتم ايقافها، وذلك بعد أن اتصل أحد الأشخاص بموظف في مركز التسجيل واتفق معه على نقل الناخبين من اربد إلى جرش. لا أعيب على كاتب الزاوية عدم قدرته على التنبؤ بالغيب، فهو لم يكن يعلم أن الصباح التالي سوف يجلب ذات الخبر الذي كتب فقرات انشائية يقسم باستحالة حدوثه، ولكنني فقط أنصحه باستخدام لغة ذات وقع أخف عندما يتعلق الأمر بالشؤون العامة، فهي لا تعرف المستحيل.

الخبر الأسوأ أن دائرة الأحوال المدنية أعلنت أنها “تجري تجارب وهمية وتقوم بتقديم بطاقات شخصية مزورة” لتقييم قدرة الموظف على ضبط البطاقات المزورة، وأعلنت بفخر أن جميع البطاقات تم ضبطها وايقافها ولم تصدر بطاقات انتخابية بموجبها، هذا وقد نفت الدائرة في السابق القريب ورددت زاوية رأينا نفيها بشدة أن تكون البطاقات المزورة التي يدعي الاسلاميون وجودها مرتبطة بأي حال من الأحوال ببطاقات الانتخاب، فلا أفهم الخوف المفاجئ على البطاقات الانتخابية من بطاقات شخصية مزورة ما دامت لا تؤثر على “الاستحقاق الأكبر” والفرج العظيم الذي ينتظر الأردن في نهاية العام.

عزيزي المكلف بتنميق الكلام حسب الطلب في زاوية رأينا، دعك من تذكيرنا بفوائد الانتخاب التي ترددها في كل موسم كما نردد فوائد الصيام كلما حل شهر رمضان، فلا أعتقد أن قسما كبيراً ينوي مقاطعة الانتخابات فقط من أجل المقاطعة أو نفوراً من فكرة قيام أحد النواب بتمثيلهم تحت القبة، فما رأيك بإفساح المجال بعد الشتم والتخوين لسماع رأي المتهم؟