بيروت من خلال سيارة تاكسي

الخميس 20 كانون الأول 2012

بقلم سلافة الشامي

“تاكسي بيروت” فيلم وثائقي للمخرج اللبناني هادي زكاك يأخذنا في رحلة عبر بيروت “مدينة الفوضى والإعمار والنسيان” من خلال ثلاثة سائقي تاكسي من أجيال وخلفيات مختلفة يجوبون شوارعها.

فادي خيرالله، رجل كبير في السن يتكلم عن ماضيه الذي شهد ما يعتبره معركة الوجود والكفاح، “أن أكون أو لا أكون” كما يصفها، ليصل إلى مرحلة في حياته يعمل فيها سائق تاكسي مما يؤمن له ما يكفي ليسد فيه رمقه.

أما أمل سرور، فهو يدعي بأنه كان يعمل في شركة علاقات عامة في الخليج، ولكنه الآن يعمل كسائق تاكسي ليكسب رزقه، حيث همه الوحيد الربح، فنراه ينجح في تحويل التاكسي إلى مشروع مربح يقدم خدمات متنوعة لزبائنه، مثل تحويل رصيد والخ، وحسبما أعلن لإحدى الراكبات، هو مستعد لإرضاء الجميع من أجل النقود.

فؤاد الشامي، الأكبر سناً، هو رجل خانه الزمان، لا يزال يعمل على سيارة المرسيدس التي اشتراها من المانيا وقادها إلى لبنان في الستينات من القرن الماضي. تغيرت الأحوال وتغيرت بيروت وهو لا يزال على ما كان عليه منذ سنين، يقود بتروٍ و”طولة بال”، وينفس عن غضبه من خلال كلامه الحاد الذي يبوح به إلى المصور، معبراً عن يأسه من الناس.

من المثير للاهتمام أن نرى كيف يتعامل كل جيل من سائقي التاكسي الثلاثة مع شوارع بيروت المكتظة وسريعة الوتيرة، وردود فعلهم  المختلفة على مشاهد العمار الجديد في بيروت. “دور عالقديم ما بتلاقيه” يقول سائق التاكسي بينما نرى صور ومشاهد للبنايات العالية ومشاريع الإعمار التي غيرت أفق المدينة.

المخرج لم يتطرق لأية مواضيع سياسية في الفيلم بشكل مباشر، ولكننا نجد فادي الذي يصرح بأنه أصبح من “حزب البراد” لا يزال يتكلم عن ماضيه وكأنه يبرر ما حصل من دون أن يبدو عليه الندم، بل يصف نفسه كأنه نجح في النجاة بحياته لأنه قاتل في حرب لبنان الأهلية. نرى كيف يعيش هذا المحارب المتقاعد حياته بعد كل هذه السنين، يتحدث مع احد الركاب باللغة الفرنسية، ويبرر عند السؤال لم لا يتكلم اللبنانيون بلغتهم العربية، بالقول “احنا مش عرب، احنا فينيقيين”، ثم نراه يتابع عرضاً كوميدياً بعنوان “الأشرفية” يتطرق إلى مواضيع متعلقة بالحياة في هذه المنطقة الواقعة في شرق بيروت.

 زكاك علّق في النقاش الذي تلى العرض بأنه لم يرغب في “تاكسي بيروت” للتطرق للطائفية في لبنان لأنه وحسب قوله تم الصفح عمّا حدث بعد اتفاق الطائف عام ١٩٨٩. إلا أن زكاك صنع العديد من الأفلام الوثاقية التي عالجت الصراع والحرب والطائفية في تاريخ لبنان الحديث منها بيروت… وجهات نظر (2000)، سينما الحرب في لبنان (2003)، لاجئون مدى الحياة (2006)، التسرب النفطي في لبنان (2007)، حرب السلام (2007)، أصداء شيعيّة من لبنان (2007)، أصداء سنيّة من لبنان (2008)، ودرس في التاريخ (2009).

مع أن فكرة التاكسي في الأدب والسينما قد استهلكت مراراً وتكراراً، لكنه يظهر في العديد من أفلام زكاك ويمثل نافذة للمدينة التي يتنقل فيها. شعرت شخصياً أن “تاكسي بيروت” كان ينتقص للتفاعل البشري، إذ لم يكن هنالك الكثير من الحوار، وأعتقد بأن هذا ناتج عن تصوير فيلم في تاكسي، إذ كان من الشيق التقاط المحادثات العشوائية التي تبدأ بين الراكب وسائق التاكسي والتي اتاحت لنا التعرف على الشخصيات بشكل أفضل.

الفيلم الذي تم عرضه ضمن فعاليات مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان في عمّان الأسبوع الماضي كان قد تم إنتاجه لقناة الجزيرة الوثائقية وما زال يجوب مهرجانات الأفلام في عدة دول حول العالم.

المخرج هادي زكاك (يسار) أثناء المناقشة التي تلت عرض الفيلم في مهرجان كرامة، تصوير محمد حجازي

المخرج هادي زكاك (يسار) أثناء المناقشة التي تلت عرض الفيلم في مهرجان كرامة، تصوير محمد حجازي