العميل الثلاثي همام البلوي: القصة الكاملة  

الثلاثاء 05 شباط 2013

مقتطفات مترجمة من كتاب “ذي تربل ايجنت” The Triple Agent للكاتب الحائز على جائزة البوليتزر جوبي واريك.

عمان ١٩ كانون الثاني ٢٠٠٩

الطبيب
تحضرت قوة الاقتحام خارج المنزل حوالي الساعة الحادية عشرة، وانتظرت حتى انطفاء الأنوار. الظلام يعني عدداً قليلاً من الشهود ويعني أن أهل البيت سيكونون نياماً، مما يسمح للمخابرات أن تعمل بسرعة وبحد أدنى من الضجيج. لن يكون هناك دق على الباب أو أوامر شفوية، مجرد صوت ارتطام الخشب بالحديد وحركة منظمة واحدة تحمل المشتبه به (من سريره) إلى سيارة تنتظره في الخارج. انتشر فريق من الشرطة والمخابرات بملابس غامقة أمام وخلف المنزل، وانتظر فريق الاقتحام خلف الباب بانتظار الإشارة. خلال ثمانية وأربعين ساعة تحول همام البلوي ذو الواحد والثلاثين عاماً من طبيب لا (يضم ملفه) أكثر من مخالفة مرورية إلى أحد  أخطر الرجال في الأردن.

[ قوة من المخابرات تعتقل همام البلوي وتتحفظ على جهاز كومبيوتر وبعض الكتب والأوراق من منزل العائلة].

‘الأصفاد أساور من فضة، والمشنقة وسام’ طبع همام البلوي على جهازه بهدوء ليتجنب إيقاظ زوجته وابنتيه النائمين في الغرفة المجاورة. كانت تلك ليلة من حزيران من عام ٢٠٠٧، (وتحديداً) تسعة عشر شهراً قبل اعتقاله. ما زال هناك عدة ساعات متبقية حتى يبدأ البلوي يومه في عيادة الأطفال لوصف المضادات الحيوية ومعالجة آلام المعدة، ولكنه في تلك اللحظة كان يمارس هوايته المفضلة في مطبخ العائلة. في تلك الليلة كان يلعب دور أبو دجانة الخرساني، المقاتل الافتراضي الذي يدافع عن الإسلام ويهاجم الأمريكان وخادميهم من العرب في كل مكان.

The-Triple-Agent-Warrick-Joby-9780307742315‘انظروا كيف يموت الأمريكان وكأنهم في لعبة بلايستايشن’ كتب البلوي بجانب صور من هجوم لعراقيين على جنود أمريكيين وتفجير مركباتهم، في المقال الذي سيظهر بعد ثوان على (الصفحة الرئيسية) لمنتديات الحسبة، أحد أبرز مواقع الإسلام المتطرف. أبو دجانة كان مجرد اختراع، هوية وهمية تمكن البلوي من التعبير عن نفسه في الحوارات (على المنتدى) بدون أن يكون عرضة للاعتقال. لكن مع مرور الوقت تطورت الشخصية الوهمية؛ بينما كان الطبيب الشاب شخصية هادئة ومتحفظة، فإن أبو دجانة كان صريحاً وشرساً وساخراً، فأصبح له شعبية كبيرة على المنتدى، لدرجة أنه أصبح “مودرايتر” على الموقع. لكن حتى مديرو الموقع لم يكونوا يعرفون شخصيته الحقيقية، وكذلك مثلهم المخابرات الأردنية والسي آي أيه التي توظف فريقاً كاملاً لمراقبة المنتديات الجهادية على مدار الساعة. أصبح لأبو دجانة عشرات الآلاف من القراء المسلمين حول العالم، وأعداد متابعيه تزداد. أياً كان أبو دجانة وأينما كان، لا بد من إيقافه.
[تتمكن السي أي أيه من تعقب أبو دجانة عبر السيرفرات والأقنية وتحدد أنه في الأردن، في عمان، في جبل النزهة.]

الإجراءات الآن هي قرار للمخابرات الأردنية. بما أن السي آي أيه تفضل مراقبة المواقع الجهادية لدراستها لأخذ فكرة عن عقلية وتطور تحركات الإرهابيين، فإن القرار الآن متروك للمخابرات الأردنية لتقرر إذا كانت هذه الشخصية الخيالية التي تدعو المسلمين للجهاد المقدس، تشكل تهديداً حقيقياً من لحم ودم على الأردن وغيرها. كان لا بد أن يقوم أحد في المخابرات بدراسة همام البلوي، وكان هذا الشخص ضابطاً برتبة متوسطة هو علي بن زيد أو الشريف علي، نسبة لقرابته للملك عبدالله الأول.

في الرابعة والثلاثين من عمره، كان بن زيد قد أمضى عشرة سنوات في المخابرات حاز خلالها على عدد من الميداليات بما فيها واحدة من السي آي أيه. جمعت المخابرات رزماً من المعلومات عن البلوي وتتبعته لأسابيع في رحلته اليومية المملة من وسط عمان إلى مركز الأمم المتحدة للأمومة والطفولة في مخيم ماركا. قرأ بن زيد التقارير، وضعها جانباً، ثم قرأها من جديد. ‘من هو هذا الشخص؟’ تسائل بن زيد أمام زملائه. لم يكن هناك صفة في البلوي تتطابق مع خصائص الإرهابيين أو أنصار الحركات الخارجة عن القانون. لا يوجد له أي اسبقيات، ولا يوجد له اي سوابق مع ”العنف” أو أي ارتباط مع جماعات متطرفة أو حتى مع الإخوان المسلمين في الاردن. على العكس الملفات تشير إلى شاب بقدرات وإنجازات مميزة، حصل على معدل ٩٧ بالمئة في سنته الأخيرة في المدرسة، ثم حصل على بعثة من الحكومة الأردنية، وحصل على شهادة دكتوراة في الطب من تركيا خلال ست سنوات. لم تستطع عيون المخابرات أن تجد أي شيء يشير إلى اتصال همام الذي نادراً ما غادر منزله بأي مجموعة متطرفة أو حتى حماس، أو حتى معرفته عنهم.

عمان ٢٠ كانون الثاني ٢٠٠٩
إذلال
‘من هو أبو دجانة الخرساني؟’ جاء سؤال ضابط المخابرات، وبينما كان البلوي يبدأ بصياغة الكلمات، أحس بلسعة الصفعة على وجهه قبل أن يفتح فمه. جلس البلوي في زنزانة صغيرة، جدرانها بيضاء، ورجله مقيدة بوتد حديدي محاطاً برجلين من كل جانب. رفع أحد الرجلين يده مستعداً لصفعة أخرى، وكرر السؤال. أجاب البلوي بصوت ضعيف: أنتم تعرفون أنه أنا.

[خضع البلوي لعدة جولات من التحقيق خلال ٢٤ ساعة تم سؤاله فيها عن كل ما يتعلق بحياته، تخللها حرمانه من النوم، وتغطية رأسه وعيناه بقناع بين جولات التحقيق.]

نظر علي بن زيد إلى المعتقل الذي ظهرت عليه آثار الحرمان من النوم لليوم الثاني بتفحص بينما كان ضابط آخر يقرأ أمامهم من أحد مقالات البلوي. ‘كلام قوي، لكن هذا الرجل ليس “بزرقاوي” ‘ فكر بن علي الذي اعتاد على العمل مع إرهابيين حقيقيين، جهاديون جديون على درجة من “الجنون” تجعلهم يرفضون الكلام مهما استعملت المخابرات معهم من أساليب. البلوي لم يصمد في يومه الأول. وجد بن زيد ورفاقه أنه من الصعب الفهم كيف يمكن لشاب بذكاء البلوي أن يغامر بمستقبله المهني وبعائلته من أجل دعم الفكر المتطرف لمعاتيه يعيشون في كهوف على بعد الاف الأميال. لكن بغض النظر فإن الأمور أصبحت واضحة؛ لن يكون هناك وجود لأبو دجانة بعد الآن، أما البلوي فإن حياته ستتغير تماماً. قدرة همام على العمل أو السفر أو شراء منزل أو شراء ملابس لأطفاله ستكون محكومة بكرم جهاز التجسس (المخابرات) ورضاها عن سلوكه. وإذا احتاجت المخابرت شيئاً منه، مهما كبر أو صغر، ليس لدى البلوي خيار آخر سوى أن يلبي. لم يكن الرجل الجالس في كرسي السجين يدرك هذه الحقائق بعد، لكنه سيعرف ذلك قريباً.

[تم الإفراج عن البلوي في اليوم الثالث من إعتقاله حيث قامت سيارة بنقله من مبنى المخابرات إلى منزله. سأله والده إن كان تعرض للتعذيب، فأجاب بأنه تعرض للإذلال. استمرت المخابرات بمراقبة تحركاته ومكالماته للتأكد من المعلومات التي أدلى بها، وتم وضع علي بن زيد مسؤولاً عن ملفه.]

عمان ٨ شباط ٢٠٠٩
المخبر
توظف المخابرات الأردنية المئات من العملاء والمخبرين، وهم أحد نوعين: وشاة من الرتب الصغيرة لا يمكن الاعتماد عليهم، والنوع الآخر هو صفوة العملاء ممن تلقوا تدريب على أعلى المستويات وأمضوا سنوات في بناء غطاء (يمكنهم من العمل بسرية). البلوي لا يقع ضمن أي من هذين التصنيفين، لكن لا شك أنه يمكن إيجاد دور له (تستفيد منه المخابرات). كانت مهمة إيجاد هذا الدور تقع على عاتق علي بن زيد، ومن أجل أن ينجح بذلك كان عليه أن يصبح صديقاً للبلوي.

بدأ البلوي بالتقاء بن زيد بشكل دوري (كما أخبر زوجته) للحديث وشرب الشاي. لم يكن البلوي يملك خياراً آخر سوى أن يستجيب لدعوات بن زيد للحوار، لكنه بدأ تدريجياً بإبداء الاهتمام بما كان يقوله بن زيد. كان بن زيد يلتقي البلوي في مكان يتفقان عليه، ومن ثم يقوم بن زيد بأخذه في سيارته اللاند روفر الرمادية إلى مطعم مثلاً إذا كان الوقت وقت العشاء ومن ثم يدفع بن زيد الحساب (الذي كان يصل بعض المرات إلى 75 دولار). لم يقدم بن زيد عرضاً مباشراً لكن الرسالة كانت واحدة ومتكررة: ‘نحن نحتاج مساعدتك. من أجلك ومن أجل بلدك. رؤية أسامة بن لادن للإسلام مشوهة. القرآن يحرم قتل الأبرياء.’ لا بل أن بن زيد أشار إلى أن مبادئ الإسلام الحقيقي تتجلى في ملك الأردن عبدالله الثاني فهو هاشمي ومن السلالة المباشرة للنبي محمد. هز البلوي رأسه كموافقة تكتيكية. ربما كان هناك شيء يمكنه أن يفعله ليساعد الملكية (في بلده).

لم يكن الدور الذي يريده بن زيد للبلوي واضحاً بعد، لكن الإطار العام كان بأن يستخدم الطبيب (شبكة معارفه) للوصول إلى إرهابيين، مما يعني احتمال حصوله على على جائزة ضخمة تغيير حياته وحياة عائلته بأكملها. كم (قيمة الجائزة) تحديداً؟’ سألت زوجة البلوي زوجها الذي كان يتحدث معها عن لقاءاته مع بن زيد بازدراء. ‘ملايين’ أجاب البلوي زوجته بينما بدا عليه الشرود.

في ١٨ آذار حزم همام البلوي حقيبتين صغيرتين متحضراً لما وصفه برحلة قصيرة. أعلن أمام عائلته بأنه قرر أن يقدم طلباً لإكمال دراسة الطب في الولايات المتحدة، لكن عليه أولاً إجتياز اختبار تأهيلي في تركيا. صدق أهله القصة فهو طالما تحدث عن الدراسة في أمريكا قبل اعتقاله. في مطار الملكة علياء الدولي توجه البلوي إلى (كاونتر) شركة الطيران الإماراتية متوجهاً إلى دبي، طالباً من الموظف إرسال حقائبه مباشرة إلى وجهته الأخيرة: بيشاور، الباكستان.

عمان تموز ٢٠٠٩
الجهادي
وصل البلوي إلى باكستان في ١٩ مارس حيث استطاع أحد مخبري السي أي أيه أن يراه يجتاز الجمارك في بيشاور ومن ثم يركب باص يحمله إلى مدينة بانو الحدودية. لكن منذ تلك اللحظة اختفى البلوي في سواد واحدة من أقسى بقاع الأرض وأكثرها عزلةً.

في عمان مرت عدة أيام تفقد علي بن زيد خلالها عنوان بريد إلكتروني اتفق عليه مع المخبر، الذي أطلق عليه بن زيد إسم ‘بانزر’ تيمناً بالدبابة الألمانية المشهورة، لكن بلا جدوى. كان بن زيد يعرف بأن إحدى التفسيرات الممكنة لانعدام الاتصال هو أن البلوي قتل، فطالبان تعتبر أي مسافر إليها من الأردن، المعروفة بعلاقتها مع الغرب، جاسوس. البلوي كان يعرف ذلك أيضاً عندما أبدى قلقه لابن زيد في أحد اللقاءات: ‘سيقتلوني ولن يكون هناك أحد ليعتني بعائلتي.’ بدأ بن زيد يحضر لاحتمالات بأن تكون عملية البلوي فاشلة تماماً، فقد سبق وأن حصل ذلك.

لكن في أواخر شهر آذار وصلت رسالة قصيرة لابن زيد من البلوي يعلمه بأنه وصل إلى جنوب وزيرستان ويستعد للاتصال ببعض الجهاديين من باكستان ممن تعرف عليهم عبر المنتدى. بعث بن زيد رسائل تشجيعية لمجنده شكره على التضحيات التي يقدمها لوطنه وملكه، وكان لهذا التشجيع مردود كبير حيث استمر البلوي بإرسال معلومات طوال نيسان وأيار حول لقاءاته مع أشخاص غير مهمين من طالبان، وبأنه سيشارك في أحد المعسكرات التدريبية للمجموعة. كتب البلوي لابن زيد: ‘سأكون مشغولاً وتحت المراقبة. قد لا تسمع مني شيئاً لفترة’.

وفي أحد الأيام أرسل البلوي لابن زيد إقتراحاً: ‘يمكنني أن اذهب إلى “فاتا” (منطقة القبائل شبه المستقلة الواقعة بين أفغانستان وباكستان). اسم المنطقة مرادف للتخلف والتطرف، انها بلاد القاعدة. بن زيد كان مهتماً بالاقتراح. أشعل الاقتراح فتيل نقاش حاد في المخابرات ومركز عمان لمكافحة الإرهاب الذي يدار بالتعاون مع السي أي أيه. كان من الواضح أن البلوي لا يملك أي من مقومات العميل؛ فهو ليس لديه أي تدريب، ولا يتحدث البشتون لغة المنطقة، ومن الصعب الاعتماد عليه بعد بضعة أيام من الاعتقال و عدد من اللقاءات على قهوة أو عشاء مع بن زيد لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. على الجانب الآخر ليس هناك الكثير يمكن خسارته (من المحاولة).

تم التوصل إلى إجماع سريع على النقاط المفصلية. بتكلفة قليلة لا تتجاوز بضعة الآف من الدولارات يمكن “إطلاق” البلوي في باكستان ومعه قصة لا بأس بها (سيرفيسبل) للتغطية على وجوده هناك. فمن حسن حظ البلوي أنه يمتلك خصائص توفر له مصداقية سريعة في بلاد الطالبان تتضمن شهادة في الطب وشخصية (الكاتب المعروف) على الإنترنت. لن يتم تقديم أي مكافات كبيرة له إلا في الحالة المستبعدة بأن قام بالوصول إلى شخصية مهمة وتسليمها. لن يتم تزويده بأي أجهزة إتصال متطورة أو أي شيء آخر قد يكشفه كجاسوس إذا تم افتضاح أمره. إذا تم قتله (والفرصة لحدوث ذلك عالية بحسب التقديرات) لن يلاحظ أحد ولن يهتم أحد باستثناء عائلة البلوي نفسه”. دارت الأسئلة عن حقيقة الهدف الذي دفع البلوي لترك أسرته وعمله لخوض مهمة بهذه الخطورة، وكان الاستنتاج من تصرفاته ومن لقاءاته مع بن زيد بأن الدافع هو النقود. الآن وبعد أن انضمت السي أي أيه للعملية، أصبح كل شيء يجري بسرعة، وتم إعطاء البلوي اسماً حركياً جديداً، الاسم الذي اختارته السي اي أيه: وولف.

الطعم
تشرين ثاني ٢٠٠٩
كان التطور المفاجئ في في أداء البلوي كجاسوس مثيراً وغير متوقع، لكن رسالة قصيرة وصلت من البلوي إلى ضابط ارتباطه كانت بمثابة الصاعقة التي أدهشت الجميع: البلوي الطبيب يعالج مريضاً جديداً، اسمه أيمن الظواهري. أرسل البلوي عن طريق الإيميل وصفاً لحالات الظواهري الصحية ومعلومات عن تاريخه الصحي تطابقت تماماً مع المعلومات التي حصلتها السي أي أيه من المخابرات المصرية. كشف البلوي عن اتفاقه على لقاء آخر مع مريضه الجديد للمتابعة. اهتزت المباني الرخامية من كابول إلى عمان إلى لانجلي (مركز السي أي أيه في ولاية فرجينيا) من أساسها؛ فقد كانت آخر مرة لمحت فيها السي أي أيه طرف لأيمن الظواهري في عام ٢٠٠٦.

أعد ضباط السي أي أيه ملخص عن العملية للرئيس الأمريكي ، لكن ملف البلوي كان صغيراً بشكل مزعج: يبدو أن الأردنيين يثقون به، لكنه لم يلتق بأي أمريكي من قبل. ملأ المواقع الإسلامية على الإنترنت بالخطب الحماسية العنيفة ضد الغرب، لكنه انهار بعد ثلاثة أيام فقط من الاستجواب الخفيف نسبياً. لا يوجد شيء في حياته يوحي باهتمامه بالثروة والماديات، لكنه وافق بسرور على المغامرة بحياته وتسليم إخوته في المعتقد مقابل الدولارات! لا شيء في العملية يبدو منطقياً، لكن على الجانب الآخر، هناك معلومات الظواهري الطبية. اطلع مدير محطة السي أي أيه في عمان على توصيات دارن لابونتي، شريك علي بن زيد في العملية من طرف السي أي أيه (وصديقه الشخصي)، الذي أوصى بضرورة التريث. لكن مدير المحطة خرج باستنتاج مختلف: لا بد من ترتيب لقاء مع البلوي بأسرع ما يمكن، تحديداً لأن السي أي أيه لا تعرف الكثير عن المخبر أو عن دوافعه.

أمضى بن زيد الأيام الأولى من شهر كانون الأول يعد لما ظن أنه سوف يكون رحلة سريعة. قبل المغادرة بيوم واحد تم إستدعاؤه لاجتماع في المبنى الرئيسي للمخابرات. دخل غرفة الاجتماعات ليجد مسؤوله المباشر ومجموعة من كبار الضباط بانتظاره ببدلات غامقة ونظرات صارمة: ‘سنرسل شخص غيرك إلى أفغانستان لمقابلة البلوي’ قال أحد الضباط. ‘العملية فيها مجازفة كبيرة ليقوم بها شخص من العائلة المالكة’. انفجر بن زيد محتجاً: ‘لكنها عمليتي’. أمضى بن زيد اليوم متنقلاً من مبنى إلى آخر في دائرة المخابرات محاولاً تغيير القرار. ‘ سأذهب إلى أفغانستان حتى لو اضطررت إلى عمل الترتيبات لذلك بنفسي’ قال بن زيد، ثم أضاف تهديده النهائي: ‘أنا ذاهب إلى أفغانستان، حتى لو ذهبت مع الأمريكان’. جاءت مكالمة من محطة السي اي أيه في عمان إلى قيادة المخابرات تطلب رسمياً وجود بن زيد في قاعدة خوست (القاعدة الأمريكية التي تم الاتفاق مع البلوي على اللقاء فيها).

في ذات الليلة التي كان فيها بن زيد وشريكه من السي أي أيه لابونتي يستعدان للسفر اتصل ضابط مخضرم من المخابرات مع صديق قديم له من محطة السي أي أيه في عمان للبحث في عملية البلوي بشكل سري/شخصي. أبدى ضابط المخابرات قلقه، وتحديداً من جانبين: أن البلوي لا يبدو من النوع الذي يغير مبدأه بسهولة، وكل الإشارات تدل على أنه مؤمن صادق لا يمكن أن يخون قضيته. أما الجانب الثاني فهو متابعته للطريقة التي تم فيها اختيار مكان اللقاء، فبعد أن أصر البلوي على اللقاء في منارشاه، وافق على اللقاء في قاعدة خوست، مما يعني أنه ربما كان ينصب كميناً منذ البداية. ختم الضابط استنتاجاته بالقول بأن بن زيد قد لا يكون الشخص الأمثل لتولي العملية، لأنه أصبح قريباً جداً من مجنده، فلم يعد قادراً على الحكم عليه.

كانت الجملة الأخيرة هي الأكثر تأثيراً لدى المتلقي، فوصل ضابط السي أي أيه إلى إستنتاج بأن ضابط المخابرات لديه فعلاً مخاوف: مخاوف بأن يصبح علي بن زيد رئيسه قريباً. فالمخابرات على الرغم من كل قوتها معروفة بانشغالها بالصراعات الداخلية، وهناك تقارير بأن بن زيد لديه الكثير من الأعداء بين الضباط القدامى الذين يخافون من أنه قد يستغل قرابته للعائلة المالكة وعلاقاته مع السي اي أيه للوصول إلى منصب متميز. لم يشارك ضابط السي أي أيه تخوفات ضابط المخابرات مع أحد خارج عمان، وفي صباح اليوم التالي غادر بن زيد ولابونتي إلى أفغانستان.

——

عمان ٣١ كانون الأول ٢٠٠٩
وكالة الأنباء الأردنية. صرح مصدر مسؤول في القيادة العامة للقوات المسلحة بمايلي: استشهد مساء اليوم النقيب الشريف علي بن زيد اثناء مشاركته في اداء الواجب الانساني الذي تقوم به القوات المسلحة الاردنية في افغانستان.

عمان ٢ كانون الثاني ٢٠١٠
نفت الحكومة الأردنية صحة ما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن علاقتها بمنفذ الهجوم على القاعدة العسكرية الأميركية في أفغانستان الأربعاء الماضي والتي أسفرت عن مقتل ثمانية أميركيين معظمهم من موظفي وكالة الاستخبارات المركزية. ونقلت صحف أردنية عن وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال نبيل الشريف قوله إن “لا أساس من الصحة لأي علاقة للأردن بحادث التفجير ولا علاقة لدائرة المخابرات بهذه الأعمال لا من قريب أو من بعيد”.