حجب المواقع الإخبارية: قصة موت معلن

الثلاثاء 04 حزيران 2013

قصة حجب المواقع الالكترونية الإخبارية تذكر بقصة استقالة رئيس الوزراء الأسبق عون الخصاونة، الدرامية، بعد ضغوط وتدخلات في عمله. وإذا عدنا للوراء في تاريخ رؤساء الوزراء الأردنيين الكثر لوجدنا الكثير من الأمثلة البينة على ضغوط يتعرض لها رؤساء وزراء وتدخلات في عمل مؤسسات الدولة، نسبها رئيس الوزراء عبدالله النسور، عندما كان نائباً، إلى الأجهزة الأمنية.

من تجربتي عندما كنت وزيرا للإعلام أشهد أنه كان هناك تدخلات من الأجهزة الأمنية… كل الدلائل تشير إلى أنهم يتدخلون ويظنون بذلك أنهم يخدمون البلد، وهم في الواقع يضرون به. ما يفيد البلد هو الحريات والثقة بالنفس.”

اليوم، تكشف وقائع قصة حجب المواقع الإخبارية عن قرار جديد فرض على رئيس الوزراء عبدالله النسور. وحاول منفذ القرار مدير دائرة المطبوعات والنشر فايز الشوابكة تمريره من دون مواجهة عبر توجيه كتاب رسمي إلى هيئة تنظيم الاتصالات، تطلب فيه الدائرة من الهيئة مخاطبة شركات الاتصالات لحجب أكثر من مئتي موقع إخبارية أدرجت أسماؤها في الكتاب قبل نهاية نفس اليوم الأحد، من دون الإعلان عنه أو إعلام المواقع مسبقاً بأنها ستحجب.

لكن المواقع علمت بالإجراء الحكومي قبل ساعات من تنفيذه عندما تسرب الكتاب المرسل من الدائرة إلى الهيئة ونشره موقع عمان نت  في صباح نفس اليوم، وتداولته المواقع الأخرى التي حاولت الاستيضاح من مدير الدائرة الشوابكة عن حقيقة الإجراء.

التصريحات الصحفية لمدير دائرة المطبوعات الشوابكة جاءت متناقضة وغير مفهومة، نفى الحجب في أولى تصريحاته ثم أكده في التصريحات التالية. ففي صحيفة الغد “الشوابكة نفي اتخاذ قرار بحجب 263 موقعا إلكترونيا“، “لكنه أشار إلى أنه سيتم تطبيق قانون المطبوعات والنشر في الفترة المقبلة، خصوصا أنه مضى على حتمية تطبيقه نحو 5 شهور”. وأضاف أن “هناك مواقع فيها خلل بالفنيات كتواجد روابط لها داخل الأردن وخارجه”.

وبعد ساعات قليلة من نشر هذا التصريح تم حجب أكثر من مئتي موقع، بعضها إخباري وبعضها لشركات ذات نشاطات غير إعلامية، بعضها مرخص وبعضها الآخر للبث الفيديوي والتلفزيوني وليست من اختصاص دائرة المطبوعات والنشر، مواقع لأحزاب حجبت كموقع الاخوان المسلمين وأخرى لم تحجب مواقعها. قائمة طويلة من المواقع حجبت من دون توضيح معايير الحجب.

المواقع المحجوبة تفاجأت بالإجراء الذي نفذ من دون إعلان أو تبليغ مسبق، بعدما نامت مطمئنة لشهور على تصريحات النسور السابقة التي أوحت بنية الحكومة تجميد إنفاذ قانون المطبوعات والنشر القاضي وعدم اتخاذ إجراءات ضد المواقع الإلكترونية التي لم ترخص.

تصريحات ضبابية للنسور خدرت الصحفيين والناشطين المعارضين لتعديل قانون المطبوعات، أوضحها كانت في لقائه مع ناشري بعض المواقع الإخبارية بداية العام، قال فيها أن أنه “ليس متمترساً على تطبيق القانون من عدمه”، وأنه “سيتم التعامل مع القانون بإيجابية وفي إطار روح القانون”، وأن “من واجب الحكومة تطبيق القوانين دون استثناء ولكن من حقها ايضا تطبيقها بمرونة وبهامش من الانفتاح وحسن النوايا“.

تصريحات أكدت سابقاتها، خلال لقائه مع المديرة التنفيذية لمعهد الصحافة الدولي اليسون ماكينزي لبحث ترتيبات استضافة الأردن لمؤتمر معهد الصحافة الدولي الذي عقد الشهر الماضي، قال فيها أن “الحكومة ملتزمة بتطبيق قانون المطبوعات والنشر النافذ ولكنها ستنفذه بانفتاح كبير وبشكل لا يؤذي الصحافة وعملها” . وفي افتتاحه للمؤتمر قبل أسبوعين قال أن التعديلات على قانون المطبوعات والنشر عملت على عدم عرقلة الإبداع والابتكار بأي شكل من الأشكال، ولفت الى وجود أكثر من 500 موقع إخباري، وأن اثنين من كل خمسة أردنيين يستخدمون موقع فيسبوك.

يبدو أن الرئيس كان على علم بحتمية حجب المواقع الإخبارية، لكنه حاول تأجيلها قدر المستطاع علها ترحل إلى عهد الرئيس القادم، وهو المعارض لتعديل القانون عندما كان نائباً، ومثقل كرئيس وزراء بقرار رفع أسعار الكهرباء والفلتان الأمني في معان. وخلافا للرئيس الأسبق الخصاونة، ليس في وارد النسور خوض معركة مع الأجهزة الأمنية تودي بإقالته أو استقالته، حتى وإن كان غير مقتنع بالإجراء العبثي لحجب المواقع التي يمكن لها مزاولة عملها عبر برامج لاسترجاع المواقع المحجوبة أو حتى إنشاء مواقع جديدة.

وبالإضافة إلى التقنيات التي تتيح للمواقع المحجوبة إيجاد بدائل للوصول لجمهورها، يبقى خيار اللجوء للقضاء أمام الصحفيين والناشطين والنواب ممن المؤمنين بحرية التعبير. فالحكومة التي تعسفت في حجب المواقع الإخبارية من دون أمر قضائي، تجاوزت الدستور المعدل (المادة 15، الفقرة 4) الذي ينص على أنه “لا يجوز تعطيل الصحف ووسائل الإعلام ولا إلغاء ترخيصها إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون”، وتتعارض مع قانون المطبوعات والنشر المعدل في مادته (49) فقرة (ز) وفيها أن “على المدير حجب المواقع الالكترونية غير المرخصة في المملكة اذا ارتكبت مخالفة لاحكام هذا القانون او أي قانون آخر”.

تقييد المواقع الالكترونية بتعديل قوانين الإعلام هدف عابر للحكومات امتد على مدار أكثر من أربع سنوات سعت إلى تحقيقه خمسة حكومات ومجلسا نواب وأعيان، تجاوزت خلالها، أكثر من مرة، الدستور الأردني الذي كفل “حرية الرأي” و”حرية الصحافة والطباعة والنشر”.