قصة مايتا: اليوتوبيا طريقا إلى الجحيم

الثلاثاء 01 تشرين الأول 2013

بقلم محمد عمر

لا أخفي إعجابي الكبير بالروائي البيروي، صاحب نوبل، ماريو فارغاس يوسا، ولا أكف عن قراءة وإعادة قراءة أعماله. وقد عدت مؤخرا لقراءة روايته “قصة مايتا” بالعربية والإسبانية. وهي رواية كتبها في أواسط ثمانينيات القرن الماضي.

كعادته في كتابة روايته، وكلها تستند إلى التاريخ، فهو روائي “مسمم بالواقع، ومتيم بالتاريخ”، بحسب قوله، سوف يسافر يوسا إلى بلده البيرو من باريس حيث كان يقيم، بحثا عن “توثيق” وإعادة كتابة “تاريخ” الحدث والشخصية الرئيسية التي تتناولها الرواية. فيوسا دائما يكتب اعمالة الروائية بعد عمليات بحث وتقصي مضنية.

تتعلق الرواية بشخصية حقيقية في تاريخ البيرو، لكن يوسا صاحب “الخيال الواقعي”، و”الكذب عبر الحقيقة”، يدمج هذه الشخصية بشخصيات أخرى منها شخصيته، وشخصية تشي غيفارا، وشخصية “نضالية” بيروية ثالثة شاركت في أول تمرد عسكري في البلاد. ذلك أن هدف يوسا الرئيسي في الرواية هو تناول موضوع النقاء الايديولوجي، والمثالية أو التطهر الثوري قد يؤدي الى الفشل والعنف.

يسعى يوسا خلف شخصية الرواية الرئيسية “الخاندرو مايتا”، وهو إلى جانب الملازم “باييخوس” سيقود في عام 1958 تمردا عسكريا في جبال منطقة “خاوخا”، أول عاصمة لبلاده، سعيا إلى إسقاط النظام الديكتاتوري، وإقامة نظام اشتراكي قائم على العدل والحقيقة.

هذا التمرد لم يستمر أكثر من 12 ساعة، وهو الأول في البيرو، والذي يكاد يكون منسيا في تاريخ البلد، سيكون مقدمة لعدد من التمردات اللاحقة التي ستحدث بتأثير الثورة الكوبية 1959، وستنتهي بالبيرو إلى أبشع حرب داخلية 1982- 2000، حيث سيسقط أكثر من 70 ألف إنسان، وستتردى حالة البيرو بالكامل، وستصبح عرضة للتدخلات الدولية والإقليمية شأنها شأن كل عنف داخلي أو حرب أهلية.

يمتد زمن الرواية بين عامي 1958 و1984، من “التمرد الثوري” الطفولي والمثالي ” لـ”مايتا” و “باييخوس” إلى “العنف والبؤس” الذي سقطت فيه البيرو.

سياق تاريخي

تمرد 1958

في عام 1958 يلتقي “مايتا”، وهو شخصية حقيقية، بغض النظر عن قيام يوسا بإضفاء صفات شخصية أخرى على شخصيته، يلتقي بملازم في الشرطة ويقنعه هذا الأخير بالانضمام إليه في تفجير تمرد عسكري في جبال “خاوخا” من أجل “استنهاض الجماهير” للثورة على النظام، وعدم انتظار “نضج الظروف الموضوعية” أو شروط قيام الثورة.

“مايتا” مزيج من صنف من “المناضلين اليساريين” التطهريين أو المثاليين، مؤمن بكل جوارحه في القضايا التي يتبناها، ويكرس حياته كلها لأجلها، وهو بعيد عن الأضواء، مناضل في الظل، في الصفوف الخلفية، وبعيد عن الطموح الذاتي. وهو فوق ذلك “مثلي الجنس”، وهذا جزء متخيل من يوسا وليس واقعيا، ذلك ان الروائي يريد ان يدفع الشخصية الى أقصى الحدود في الهامشية والمثالية والكشف عن ازدواجية المعايير لدى الثوريين.

ينتمي “مايتا” إلى حزب صغير جداً، لا يزيد تعداده على العشر أعضاء، وهو “حزب العمال الثوري (التروتسكي)، نسبة إلى أفكار المثقف الروسي فيدور تروتسكي، وهو حزب انشق عن الحزب الأم: حزب العمال الثوري، أيضا، فهذا حال الاحزاب اليسارية، والتروتسكية خاصة، إذ أن “مهمتها الانشقاقات”، بسب الغرق في التنظير وخلق الذرائع الايديولوجية لهذه الانشقاقات.

“مايتا” كان قد مل من التنظير والعمل الفكري والدعوي بين الجماهير، وكان يشعر أن كل هذا لا يولد “حالة ثورية” 

الطهرانية الزائدة والمثالية وضعف التكوين الثقافي لـ”مايتا” يدفعانه الى الموافقة على خطة التمرد التي طرحها عليه الملازم “باييخوس”. فشخصيات كهذه يستهويها “العمل المباشر” واستعجال التغيير، او بكلام ماركسي “حرق المراحل” فـ”مايتا” كان قد مل من التنظير والعمل الفكري والدعوي بين الجماهير، وكان يشعر أن كل هذا لا يولد “حالة ثورية” وأن “العمل المباشر” وحده الذي سوف يهيىء أو “ينضج” “الظروف الموضوعية والذاتية” أو شروط الثورة فمن “الشرارة يندلع اللهيب”، على حد تعبير “لينيين” قائد الثورة الروسية عام 1917.

ينتقل “مايتا” إلى منطقة “خاوخا”، وخلال رحلته هذه من العاصمة “ليما” إلى حيث سيكون التمرد يصف بدقة الأحوال الفظيعة التي تردت إليها البيرو خلال مرحلة العنف التي اندلعت عام 1982، فالزمن في الرواية ينتقل بين هاتين المرحلتين.

في “خاوخا” سيجتمع “مايتا” مع “باييخوس” وأربعة رجال، حيث سيستنكف، بدون سبب معروف عدد آخر من المشاركين، وسينضم إلى هؤلاء بضعة تلاميذ مدرسة ثانوية. ويبدأ التمرد بالهجوم على مركز للشرطة حيث يعمل الملازم والاستيلاء على الاسلحة ثم على مصرفين لتأمين تمويل للتمرد، وعلى مكتب بريد لتعطيل الاتصالات ومنع القوات الحكومية من معرفة ما يجري بسرعة كسبا للوقت.

لكن القوات الحكومية سرعان ما تعرف بالأمر وتطارد المتمردين في الجبال، حيث ستعاملهم كلصوص وقطاع طرق بعد ان سرقوا المصرفين، إذ أن سرقة المصارف لتمويل “تمرد ثوري” كانت حدثا غير مسبوق، وهو أمر سيؤثر على “مايتا” ورفاقه الذين كانوا يعتقدون أنهم يقومون بعمل ثوري نبيل.

تجهض الشرطة التمرد بسرعة، وتقتل الملازم “باييخوس” وتعتقل “مايتا”، وبعد عدة سنوات يقضيها في أبشع سجون البيرو، يطلق سراحه لكنه يعود إلى المعتقل من جديد بتهمة السطو على مصرفين جديدين.

سنعرف لاحقا أن “مايتا” قام فعلا بالسطو على هذين المصرفين، وذلك لتمويل تمرد جديد قام به “هوغو بلانكو”، وهو زعيم فلاحي تروتسكي، قام بتمرد عسكري في إحدى مناطق البيرو وأعلنها منطقة محررة. وبلانكو هنا شخصية حقيقية أيضا.

لكن “ماتيا” المعتقل سيكتشف ان رفاقه الذين ساعدوه في السطو على المصرفين سيسرقون الأموال المسطو عليها ولن تصل إلى “بلانكو”، وهكذا من فشل إلى فشل ومن خيبة أمل إلى أخرى سينزوي “مايتا” وسينتهي به الحال إلى مجرد عامل كافتيريا، مطاردا لقمة العيش، وسيلوذ بالصمت الكامل متخليا عن أحلامه الثورية وآماله في التغيير.

العنف في 1980

بعد فشل تمرد “خاوخا” ستعيش البيرو عدة تمردات “ثورية” متأثرة بـ”انتصار” الثورة الكوبية التي بدأت عام 1956 بـ 82 شخصا، بينهم فيديل كاسترو وتشي غيفارا، وانتهت بانتصارهم على ديكتاتور كوبا “خوان باتيستا” عام 1959.

كان فيديل كاسترو ثورياً مثالياً أيضا وهو ربما يكون أول من دعى إلى “العمل المباشر” او بالأحرى القيام بتمردات صغيرة لتهيئة شروط الثورة دون الانتظار طويلا والغرق في تعبئة وتوعية الجماهير، كما تدعو الأحزاب الكلاسيكية، وهو صاحب قولة شهيرة في هذا المجال، إذ وصف هجوم حركته “26 تموز”، الفاشل على قلعة “المونكادا”، 1953 ، بأنها كانت خطوة لـ: “تحريك الموتور الصغير (الطليعة الثورية) من أجل تشغيل الموتور الكبير (الجماهير)”. El motor pequeño para echar a andar el motor grande.

هكذا فإن البيرو، وكذلك كل دول اميركا اللاتينية، ستشهد حالات عنف ثوري وتمردات من أجل استنهاض الجماهير على غرار ما فعل “مايتا” وتشي غيفارا في تمرده الفاشل في بوليفيا حيث قتل هناك دون أن يحقق حلمه في استنهاض الثورة.

والحال أن تمرد “خاوخا” سكون بروفة أو مقدمة لانفجار العنف اللاحق الذي سوف يصل ذروته عام 1982 عندما قام تنظيم “الدرب المضيء” الـ”ماوي”، نسبة إلى الزعيم الصيني ما تسي تونغ، وتنظيم “توباك امارو”، وهو تنظيم ماركسي تروتسكي متطرف مكون أساسا من أبناء البيرو الأصليين، بتفجير هذا العنف الذي سيستمر حتى عام 2000 حيث ستتردى أحوال البيرو، وليس غريبا أن يبدأ يوسا روايته بوصف أكوام الزبالة التي أغرقت العاصمة “ليما” وينهيها كذلك.

يقدر عدد قتلى سنوات الرصاص هذه بحوالي 70 ألفا، وستتدخل في البيرو قوى اقليمية مثل كوبا ودولية مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، سابقا، وكل سوف يدعم طرفا في الصراع ما يجعله عصيا على الحل ممتدا على كل هذه السنوات الطوال. ناهيك طبعا عن الاقتتال الداخلي بين “الفصائل الثورية” نفسها بسبب خلافاتها النظرية والعملية، وهو الأخطر.

على أن يوسا عندما يتناول سنوات العنف هذه يخلط الواقع بالمتخيل، و”يبالغ”، وهو يتعرف بذلك، لكنه يعتبر هذه المبالغة جزءً من وظيفة الأدب في محاولة لأداء دوره ككاتب ملتزم بالتنوير، ومنه منع وتجنب العنف.

يسعى يوسا في روايته الى ربط ماضي بلاده بحاضرها، الكشف عن جذور العنف، التذكير بالاحداث “المنسية” التي شكلت فعلا بذور ومقدمات العنف المفرط الذي عاشته البيرو.

ينتقد ليس الطابع المثالي والطهراني للثوري “العجول” ولكن ينتقد اليسار في بلاده، الذي يتحمل جزء مهم من العنف ومن التردي الذي وصلت اليه البيرو، كون هذا اليسار لعب دورا رئيسيا في تفجير هذا العنف والتنظير له وفي تسعيره عبر الاقتتال الداخلي بين أحزابه استنادا إلى أوهام وتنظيرات ويوتوبيات مستقبلية مبنية أساسا على أفكار ومفاهيم غير مثبتة واقعيا.

ورواية “قصة مايتا”، بوصفها تحاول مد جسر بين ماضي البيرو وحاضره، آنذاك، تكشف أيضا عن الكثير من التحولات في البلد وفي بنية اليسار مثل بدايات ظهور ما عرف في أميركا اللاتينية ب”لاهوت التحرر”. وكذلك بدايات ظهور منظمات المجتمع المدني الـ NGOs،  وتحول “المثقفين الثوريين اليساريين” إلى العمل مع الـ NGOs””، وهو هنا يحاول أيضا رصد الفارق بين “حزبي” مثقف مثل موسيس ليفي، أحد شخوص الرواية، وقد استغل ثقافته الواسعة للثراء من المنظمات الأهلية والدعم الأميركي عبر الـ USAID، واستغل قدراته الثقافية والفكرية للتنظير لتحولاته هذه وبين “المناضل التطهري” كشخصية “مايتا” الذي قدم أغلى ما يملك وأفضل سنيّ عمره وانتهى إلى الفقر والعجز والسلبية.

هل يتحدث يوسا عن بلادنا؟ طبعا، فكل ما جاء في رواية “قصة مايتا” عاشته الدول العربية بشكل أو بآخر، ومنها الأردن.

هل يتحدث يوسا عن بلادنا؟ طبعا، فكل ما جاء في رواية “قصة مايتا” عاشته الدول العربية بشكل أو بآخر، ومنها الأردن.

قد لا يكون اليسار عندنا حاليا مسؤولا عن كل هذا العنف والتطرف. لكن بماذا يختلف عنف الاصوليات الدينية الاسلامية الآن؟ لا شيء، فهما وجهان لعملة واحدة، فالايديولوجيات الخلاصية والبحث عن النقاء الايديولوجي قد يقودان إلى الجحيم.

————-

هوامش

استندت في قراءة الرواية على قراءات مكثفة عن تاريخ البيرو.

ليون تروتسكي: أحد قادة الثورة الروسية عام 1917، قائد ما عرف بالجيش الأحمر. اختلف مع الرئيس السوفياتي جوزف ستالين، واعتبره ستالين والحزب الشيوعية “البيروقراطية ” قد غدرت بالثورة، هرب الى المكسيك حيث اغتيل هناك، ما شكل صدمة لاتباع فكره ودفع الكثيرين منهم الى التحول الى “محافظين جديد” ومنهم الروائي يوسا نفسه.

هوغو بالانكو: قائد فلاحي بيروي، قاد تمردا عسكريا، وكان تروتسكيا وتزعم ما يعرف بـ”الاممية التروتسكية” وهو تحالف عالمي للاحزاب التروتسكية.

لاهوت التحرر: تجاه فكري ديني انشق عن الكنيسة الكاثوليكية الرسمية في ستينيات القرن الماضي، في اميركا اللاتينية، منحازا للفقراء باعتبار ان السيد المسيح افتدى الفقراء والمعذبين بحياته. وتحالف في عدة دول في اميركا اللاتينية مع اليسار وخاض معه “العنف الثوري”.

ماريو فراغاس يوسا بدأ حياته السياسية عضوا في الحزب الشيوعي الكلاسيكي، لكنه كان ايضا يبحث عن “النقاء الايديولوجي” فترك الحزب وانتمى الى حزب تروتسكي، ثم في انقلب الى “محافظ جديد” وساند الغزو الاميركي للعراق. لذلك تعتبر “قصة مايتا” جزءا من سيرته الذاتية.