في ذكرى طمّليه: ثلاث خواطر

الأحد 13 تشرين الأول 2013
محمد طمليه

ثلاث خواطر سريعة في الذكرى الخامسة لرحيل أحد أهم الكتاب الأردنيين.

-على الرغم من أنه لم يكتب الرواية التي كان من المفروض أن “تضعه في الصف الأول عالمياً” يمكن ترشيح محمد طمليه للقب أهم كاتب أردني على الإطلاق.

لو كان هناك حركة نقد أدبي عربي حقيقية لكان من السهل على أي مختص أن يثبت علمياً ويعرض الحجج لإثبات هذه الحقيقة التي تبدو انطباعية. أسلوب متميز غير مسبوق (ربما كانت بعض نصوص محمد الماغوط تقاربه، ولكن يبقى طمليه أعمق)، جمل مختصرة ترسم صور واضحة تحقيقاً مذهلاً لقاعدة “الإيجاز هو روح الفطنة”، وموضوعات تظهر فيها الخصوصية الأردنية لكنها صالحة لكل مكان وزمان.

يقول طمليه: “لم أذق مؤخراً طعم الحبر. أعني. لم اكتب. أنا لا أقصد المقالات، وإنما القصة، والرواية التي بدأت بكتابتها قبل قرن تقريباً، ثم عزفت عنها لانشغالي بحماقات أخرى”. وهذا لا ينتقص من مؤهلاته للمنافسة على لقب أعظم قلم أردني. في الوقت الذي يكتب فيه أي شخص مئتي صفحة مصفوفة على شكل “رواية” تترشح لجائزة عربية كبرى، رفض محمد طمليه أن يضع أربع شخصيات مهزوزة في تتابع أحداث مجتر وسرد ممل من أجل أن يصبح روائيا “مرموقا”، وأصر على رواية تضعه في الصف الأول عالمياً بقينا ننتظرها. كتب غالب هلسا مجموعة روايات، ألطف ما يمكن القول عنها، برأيي، أنها عادية، وكتب تيسير السبول “قصة” واحدة متواضعة، ويبقى نص واحد صغير من عشرات الكلمات أقوى وقعاً من مئات الصفحات المليئة بالحشو، وتبقى فقرة لمحمد طمليه أكثر قدرة على ترك شعور بالذهول لدى القارئ، يعجز إبراهيم نصرالله عن تركه بالألف صفحة التي ينتجها سنوياً.

-تصنيف محمد طمليه “بالكاتب الساخر” وجمعه في نفس الفئة مع مهرجي الأعمدة اليومية كفر، آن له أن يتوقف.

محمد طمليه ليس كاتب نكت ومواضيع إنشاء يكتبها طالب مدرسة في حصة التعبير الحر! جمع محمد طمليه في نفس الفئة مع هؤلاء هو هرطقة على شكل جمع تمثال ديفيد مع صفحة من مجلة بلايبوي في نفس الفئة باعتبارها فئة تعري. أتحدى أن يكون محمد طمليه كتب مقالاً واحداً من مئات المقالات التي تركها مستخدماً ديباجة “عمالقة” الأدب الساخر الأردني التي يلجأ لها جميعهم بشكل يومي: “وصف ظاهرة مكررة معروفة بديهية أو قصة من الموروث الشعبي أو نكتة قديمة بأربع فقرات مضاف إليها لمسة “إبداعية” من خلال بعض الكلمات العامية، تختتم بعمل مقاربة شبه مستحيلة بين الظاهرة وحدث سياسي؛ يوم الجمعة الطويل بذكرني بجون كيري، وكمشة القظامة من دكان “أبو العبد” بتذكرني بأي اشي مش مهم شو هو”. طمليه كاتب نثر وكاتب قصة وكاتب ترك عبارات “ايقونية” تدل على نصوصه وعلى أسلوبه تصلح شعارات على قمصان (أين يمكن أن يجد الإنسان مكاناً يليق بإنسان؟ هل يمكن إعتبار صوت الماء في السيفون خريراً؟ أنا لا أخاف مما يجري ولكني أخاف مما لا يجري.). طمليه لم يكتب باللهجة المصرية، ولم يلجأ لقصة العقيد المتقاعد وأباريق الوضوء لتعبئة مساحة، ولم يستعمل النكت التي تصله بالإيميل كإلهام، والأهم أن نصوص طمليه تجعلك تبتسم بحرقة واشمئزاز، بينما نصوص “الأدب الساخر” تنجح دوماً بأن تشعرك بالغثيان.

-مجموعة مقالات محمد طمليه المنشورة مؤخراً في كتاب باسم “شاهد عيان” تستحق القراءة.

في ظاهرة عجيبة يقوم كتاب الأعمدة عادةً بجمع مقالاتهم في الصحف اليومية، التي نادراً ما تكون تستحق القراءة بالمقام الأول، وعنونتها باسم “ساخر” يفتقر للإبداع على شاكلة (البرتقالي يليق بي أو خربشات حارتنا) وتقديمها على أنها كتاب، حتى أن احدهم مؤخراً احتفل بإصدار كتابه العاشر! في حالة طمليه الموضوع مختلف، فمجموعة النصوص في “شاهد عيان” الصادر مؤخراً مرجع مهم لمبدع حقيقي، خاصةً بعد اختفاء أرشيف جريدة العرب اليوم الإلكتروني، كل منها يمكن العودة له عدة مرات. يجد القارئ نفسه يتعامل مع كل نص بتروي وحذر، من جهة بهدف استيعاب المحتوى نصاً وموضوعاً ومن جهة أخرى أملاً في أن يقضي بقراءته أكبر وقت ممكن.

يقول طمليه تحت عنوان “الحافلة” بعد تشكيل وزاري: “وصلتني قائمة بأسماء الوزراء الجدد وهي كما يلي: الدكتور فتحي وزيراً. والدكتور فتحي وزيراً. والدكتور فتحي وزيراً. وفتحي أيضاً. وهلم جرا. أخياركم في الجاهلية، أخياركم في الإسلام… لماذا يتوجب أن يكون لدينا وزراء طالما أن لدينا ثلاثين شخصاً يذهبون ويرجعون: مناوبات. هي كذلك. ركاب في حافلة. قد ينزل عدد منهم في محطات أو عند مفترق طرق. ولكن الحافلة تحملهم في محطة أخرى؟!”

ويضيف في نص آخر بعنوان “وزراء ولكن: “ما الذي يفعله الوزراء. يفتتحون مطاعم. يشاركون في أنشطة لا تهم الناس .يبتسمون أمام الكاميرا. يأكلون “مناسف”. يجتمعون عندما يدعوهم عبدالسلام….يداومون في الثامنة. يتضمن برنامجهم اليومي لقاءت سرية، يبصمون في الاجتماعات “ما غيرها”، يندمون بعد التغيير الوزاري….لا شيء مجرد واجهة، مجرد منصب، مجرد بدلة أنيقة، مجرد تصريح لصحفي مغمور، مجرد سكرتير…”

في الرياضة يكتب طمليه: “وهكذا اتضح أن البريدج رياضة. هل يلزمها لياقات بدنية عالية. هل يتعرض المتنافسون فيها لإصابات ملاعب…معظم الرياضة لا تعنينا: زعانف، أشرعة، مناطيد، غولف، خيول لها أسماء وعشيرة تنتمي إليها، اسكواتش نتبعها دون أن نعرف من غلب من… والغريب أننا نهتف أيضاً. نرقص على المدرجات إذا فاز احدهم بمباراة غامضة.”

أما في مجال شؤون الحياة اليومية والعامة يكتب “أنا أكره الجميع”: أتعرض، منذ أيام، لنوبات عاتية من الاشمئزاز، مع ما يرافق ذلك من قهر وسواد وقناعة تامة بالعجز عن القيام بشيء مفيد: الكتابة عبء، والحياة العامة سخف متعارف عليه، وحبيبتي كائن غبي وممل، والأصدقاء يأتون إلى منزلي لغاية محددة: خنقي…

تضم المجموعة حوالي ١٥٠ نص يذكر كل واحد منها بمبدع أردني رحل تاركاً بصمة أدبية واضحة، بسلاسة وسهولة تكاد محاكاتها أن تكون مستحيلة.