تدوينة

أيتام وسط البلد: في وداع «أبو زيد»

الخميس 09 كانون الثاني 2014

تقرأ في كتاب “انثيال الذاكرة” لواحد من شبيبة فتح في زمن غير هذا الزمن كلاما مفاده أن مثقفي مرحلة الستينيات والسبعينات وقواها الوطنية كانوا يجتمعون في مقهى السنترال فتشعر بمزيج من الفخر والغصّة. فخر لأن بينك وبين من صقل أفكارك أمورا مشتركة، وغصّة لأن الزمن يكرر نفسه ويبدو أن الهزيمة ستكرر نفسها.

والسنترال لمن لا يعرفه واحد من أشهر مقاهي وسط البلد، وبالتأكيد من أقدمها، وعلى عكس الكثير من المقاهي التي ربما تنال من الشهرة أكثر مما ينال السنترال فإن هذا المقهى/البيت يقبلك كما أنت، يقبلك بفقرك وغناك، بنخبويتك وشعبيتك، بمواطنتك وغربتك، السنترال هو المقهى المقابل لمطعم القدس الشهير في وسط البلد، والذي منذ سنوات نرتاده لنتعرف على أنفسنا وعلى العالم.

السنترال المقهى الذي منذ خرجت عن سيطرة حارتك وعائلتك وأنت ترتاده، المقهى الذي تعامل فيه كأنك في بيتك، وتعامله كأنه بيتك، مقهى لم يكن ثقيلاً على جيبك كما هي بقية المقاهي، تتحدث فيه بما شئت وعمّن شئت دون أن تخشى العجوز الجالس على طاولة مجاورة لك، المقهى الذي لم تكن تأبه بمقدار النقود التي تحملها في جيبك لأنك ببساطة يمكن لك أن تدفع في الزيارة القريبة القادمة، المقهى الذي لم يكن صاحبه ليمانع نومك فيه إن انقطعت بك السبل، المقهى الذي خططت فيه لفعاليات كنت تظن ذات مراهقة أنها ستحدث فارقاً في الكون، المقهى الذي عرف قدراً من الخطط والمشاريع التي لو نفذ فقط ربعها لكان هذا الأمر كفيلاً بجعل العالم مكانا أقل قذارة.

السنترال هو المقهى الذي ترى فيه المثقف الذي جاء لينقح كتاباً ما، وترى فيه العجوز الذي إنما جاء هرباً من وحدة البيت، وتشاهد فيه العامل الوافد الذي جاء ليشاهد مباراة فريقه المفضل، و هو المكان الذي تذهب إليه وأنت تعرف أنك لابد أن ترى فيه صديقاً ما.

central2المقهى الذي تعرف جيداً روّاده دون أن تعرف أسماء أي منهم، رواد هذا المقهى يتصافحون وكأنهم أصدقاء سنوات، لكن الأمر الوحيد الذي يجمع بينهم هو أنهم ضيوف دائمون على “أبو زيد”.

هذا المقهى لم يكن ليتمتع بكل هذه الصفات لو لم يكن أبو زيد مالكه. هذه الميزات لم تكن لتحدث لو أن الرجل صاحب الابتسامة الدائمة لم يكن موجوداً.

رحل أبو زيد إلى عالم أجمل بالتأكيد، ستفتقد ابتسامته، ومداخلاته الغريبة، وتسميته لك بجعفر.

ستفتقد حس الدعابة النادر الذي يملكه، وترحيبه بك بمجرد دخولك، وسؤاله عنك حال غيابك.

أبو زيد الرجل الذي لم تكن تتفق معه سياسياً في أي موضوع، من أداء الحكومة في العاصفة الثلجية الأخيرة إلى الثورة المصرية وانتهاء بالطريقة المثلى لتحرير فلسطين، لكن كل هذه الخلافات ما كانت لتجعل منه شخصا منفّراً، أبو زيد سيدفعك للتفكير بأن من عرفوا آمالا وهزائم لا نستطيع حتى أن نحلم بتكرارها ربما يكون لهم العذر في أن يمتلكوا أراءًا كالتي امتلكها أبو زيد.

أبا زيد شكراً لأنك صبرت علينا واستحملتنا كل هذه المدة، شكراً لأنك كنت بمثابة الأب، شكراً لساعات من الحوارات والضحكات.

أبا زيد لك الرحمة والمغفرة ولنا الذكرى والأمل.