خمسة أسباب للفشل الحتمي للبرنامج النووي الأردني

السبت 11 كانون الثاني 2014

بقلم باتر محمد علي وردم

ملاحظة: هذا المقال ليس محايدا، يكتبه شخص مختص بالإدارة البيئية يرفض البرنامج النووي في الأردن، ولكنه يحاول التحلي بأكبر قدر ممكن من الموضوعية ويعد القراء بعدم تضليلهم بمعلومات خاطئة.

 قبل يومين اجتمع رئيس الوزراء مع مجموعة من خبراء الطاقة والبيئة المستقلين الذين يمثلون الحركة المناهضة للبرنامج النووي الأردني. هذا اللقاء الأول من نوعه جاء بعد قيام الحكومة بتنسيق عدة اجتماعات لرئيس هيئة الطاقة الذرية مع الأحزاب والنقابات والمؤسسات المدنية الأخرى في محاولة لتعبئة تأييد وطني أكبر لمشروع تعثر كثيرا في إقناع الرأي العام بضرورته وحسن إدارته.

لم يتضمن الاجتماع الكثير من المفاجآت. الرئيس استمع لمدة 45 دقيقة لآراء المشاركين والذين كان منهم ستة أشخاص على الأقل يعملون بشكل مباشر مع هيئة الطاقة الذرية أو ضمن هيئة تنظيم العمل الإشعاعي التي تمثل الجهة الرقابية. كل هؤلاء الخبراء تم الاستغناء عن خدماتهم من قبل هيئة الطاقة الذرية أو الضغط لإزاحتهم من أعمالهم الأخرى لأنهم قدموا آراء ووجهات نظر تختلف مع رؤية الهيئة، ممثلة برئيسها، في كيفية تنفيذ البرنامج. في نهاية الأمر وعد رئيس الوزراء لفظيا بإعادة النظر في تركيبة الهيئة، وكان لافتا للنظر أنه لم يتم منح المجال لرئيس هيئة الطاقة الذرية لتقديم مداخلة مطولة كان قد أعدها، وتم تخصيص كل الوقت المتاح للمعارضين.

ProtestMohAsfour2يمكن تقسيم المعارضين للبرنامج النووي إلى ثلاثة فئات يوجد بينها حاليا انسجام في الرؤية ولكن اختلاف طفيف في الأهداف الاستراتيجية:

1- مجموعة من خبراء الطاقة وخاصة الطاقة الذرية والفيزياء النووية ممن يؤمنون بضرورة وجود الطاقة النووية ضمن معادلة الطاقة في الأردن في المستقبل ولكنهم وبحكم اطلاعهم على التفاصيل الفنية لكيفية إدارة المشروع يقفون في الخط المعارض تحذيرا من الآثار الوخيمة للقرارات المتسرعة والعشوائية والتضليل الذي يتم من قبل إدارة البرنامج.

2-  خبراء ونشطاء بيئيين يرفضون البرنامج النووي من حيث المبدأ بسبب أخطاره البيئية ويطالبون بالتركيز على مصادر الطاقة المتجددة والاستثمار بها الذي يمثل حلا أكثر استدامة لأزمة الطاقة في الأردن.

3- نشطاء سياسيون ومواطنون ومتابعون لا يملكون الثقة بالطريقة التي يتم بها إدارة البرنامج أو يشعرون بخطر وتهديد جدي للبرنامج النووي على حياتهم وسبل معيشتهم، ومنهم المجتمعات التي تعيش في المناطق التي يتم الإعلان عنها مواقع مقترحة للمفاعل النووي.

الخطاب الذي يقدمه النشطاء المعارضون للبرنامج النووي يتباين ما بين طرح معلومات فنية دقيقة وتحفظات تعتمد على منطق علمي سديد وتجارب دولية مشابهة، إلى خطاب انفعالي يقع أحيانا في فخ شخصنة الموضوع ومنحه أبعادا سياسية لا داعي لها. في المحصلة، هنالك خمسة عناصر رئيسية قد تجعل البرنامج النووي لا يتعدى سرابا في الصحراء ولكنه مكلف جدا على الخزينة الأردنية:

1- أين الإدارة الحكيمة؟ 

يحتاج تطوير أي برنامج نووي ناجح إلى إدارة منفتحة مسؤولة تتعامل باحترام مع الرأي الآخر وتقدم الحقائق بشفافية وبدون تناقض وبشكل أساسي توحي بالثقة. في حالة الأردن الوضع معاكس تماما فإدارة هيئة الطاقة الذرية تتعامل مع الرأي العام والخبراء من خارج الهيئة باعتبارهم أدنى معرفة وغير قادرين على تقديم رأي مخالف. حاولت الهيئة أن تعطي الانطباع بأنها تملك الحقيقة المطلقة في موضوع الطاقة النووية ووصل بها الأمر إلى الاستغناء عن خدمات كل من قدم رأيا مخالفا من خبراء الهيئة أو من خبراء هيئة تنظيم العمل الإشعاعي التي تم تدمير دورها الرقابي تدريجيا إلى حد إلغاء وجودها في قانون إعادة هيكلة القطاع العام. الهيئة تجاوزت ايضا كل التشريعات البيئية التي تطالب بتقييم الأثر البيئي في مشاريعها المختلفة ولم تضع في عين الاعتبار الكثير من التشريعات الأخرى. لقد شكلت طريقة إدارة البرنامج المتعالية عنصرا رئيسيا في توسع الجبهة المعارضة لها، ولو كان هنالك تعامل شفاف ومتواضع وديمقراطي ربما كان البرنامج النووي سيمضي بطريقة أفضل وأكثر توازنا.

MiningUranium2كم لدينا من اليورانيوم؟

الافتراض الأساسي الذي بني عليه البرنامج النووي الأردني هو وجود كميات تجارية كبيرة من اليورانيوم يمكن استخدامها لتشغيل المفاعلات الأردنية وبيع الفائض منها في السوق العالمي. الأرقام التي اعلنتها الهيئة مبكرا من اجل كسب التأييد للمشروع وصلت إلى 70 مليون طن، وهذا الرقم استخدمه الملك عبد الله الثاني في كتابه الصادر قبل سنتين بناء على معلومات الهيئة. منذ بداية عمليات الاستكشاف انسحبت شركتا ريو تنتو وآريفا وهما أكبر شركتين في العالم للتنقيب عن اليورانيوم بسبب عدم وجود كميات تجارية كافية. لقد خلص تقرير ريوتنتو عن مناطق عملها في جنوب المملكة إلى وجود “كميات كبيرة” ولكن “بتراكيز قليلة” من اليورانيوم مما يجعل هذه المصادر “من غير المأمول أن تكون ذات جدوى إقتصادية” (أعلنت شركة مناجم الفوسفات أن استخراج اليورانيوم من الفوسفات غير مجدي اقتصادياً). يقدم تقرير ريوتنتو التوصيات التالية للتشغيل الاقتصادي للمنجم المفترض: 1- اكتشاف مستقبلي (لم يتحقق في عمل ريوتنتو) لكميات أضخم وبتراكيز أعلى “بكثير” مما تم استكشافه لغاية تاريخه. وتذكر دراسة ريو تنتو منطقة وسط الأردن كنموذج مفترض، وبذلك لا يرقى احتمال التعدين في منطقة عمل ريوتنتو جنوب المملكة حتى إلى الوضع في وسط المملكة. 2- تطوير مستقبلي لتقنيات استخراج الخامات قليلة التركيز كالموجودة في منطقة الاختصاص، وهذا غير متوفر حالياً. 3- افتراض ارتفاع مستقبلي لأسعار اليورانيوم، علماً أن الأسعار انخفضت بعد حادث اليابان. بالنسبة لشركة آريفا وحسب الاتفاقية الموقعة معها لها فإن إمكانية البدء بدراسة الجدوى الإقتصادية مشروطة بتوفر 20,000 طن من معدن اليورانيوم عند حد قطع 250 جزء بالمليون، وهذا الشرط لم يتحقق. بعد أربع سنوات من العمل قدرت آريفا كميات اليورانيوم في الأردن بحوالي 8 آلاف طن وتراكيز رديئة (أقل منم 90 جزءا بالمليون).  بعد انسحاب الشركتين تعاقدت الهيئة مع خبير مستقل كان يعمل سابقا مع ريو تنتو وقام بدراسة كيلومتر مربع واحد فقط خرج بعده باستنتاج بأن الكميات مناسبة للتشغيل التجاري واعتمدت الهيئة كلام هذا الخبير خلال آخر ستة اشهر وبررت انسحاب آريفا بأنها اخطأت في الحسابات علما بأن الشركة الفرنسية قامت بتحليل عشرات الآلاف من العينات في مناطق امتيازها ولم تقتنع بوجود اليورانيوم بالكميات المطلوبة. في محصلة الأمر فإن الرقم الحاسم لليورانيوم في الأردن ليس الكميات بحد ذاتها بل مستوى التراكيز التي لا تصل للحد القابل للاستثمار.

3ما هي الكلفة الحقيقية ومن سيدفعها؟

بعد الإعلان عن الاتفاق مع شركة روزاتوم الروسية الحكومية لبناء مفاعلين بقيمة 1000 ميغاواط لكل واحد، قالت الهيئة بأن تكلفة المفاعل الواحد هي هي 5 مليار دولار أمريكي ولكن لم تتضمن ما الذي تغطيه هذه الكلفة وما هي الكلف الإضافية غير المحسوبة ضمن هذا المبلغ؟ تعمد الهيئة إلى إغفال وإخفاء بعض الحقائق التي لها أثر مباشر على الكلفة الإجمالية للمفاعلات، وهذا يتنافى مع شرط وجود خطة محكمة وواقعية لتغطية هذه الكلف مثل: 1- كلفة نقل المعدات الثقيلة إلى أرض الموقع والتي تتطلب إيجاد طرق بمواصفات عالية، والتي قد تزيد كلفتها عن مليار دولار. 2- كلفة محطة تنقية المياه العادمة اللازمة لتبريد المفاعلات والتي تزيد عن 500 مليون دولار، بالإضافة إلى الكلفة التشغيلية لها. 3- كمية الكهرباء اللازمة لتشغيل أبراج التبريد الميكانيكية والتي سوف تستنزف جزءاً من الطاقة الكلية المنتجة من المفاعل. 4- كلفة الدين اللازم لشراء المحطات وكلفة الضمانات اللازمة للقروض والتي قد تتجاوز المليار دولار، وغيرها من الكلف الأخرى وخاصة كلف إدارة ونقل ومعالجة المخلفات المشعة الخطرة.

مصدر التمويل أيضا ليس واضحا. سوف تدفع الحكومة 51% من الكلفة الكلية ولا يوجد مصدر ممكن لهذه الأموال. لهذا السبب تحاول الهيئة ان تلعب بمقامرة في غاية الخطورة وهي إقناع (أو الضغط على) مؤسسة الضمان الاجتماعي لتغطية نسبة كبيرة من هذه الكلفة عن طريق الوحدة الاستثمارية. الضمان حتى الآن يقاوم الضغوط ولكن الأمر ليس مضمونا في المستقبل.

4أين الموقع المناسب؟

قامت هيئة الطاقة الذرية في البداية بتشكيل لجنة وطنية لاختيار مواقع المفاعلات الذرية، حيث تمت دراسة عدة مواقع في المملكة: 1- أربعة مواقع في منطقة العقبة، حيث تم استثناء ثلاثة منها والإبقاء على موقع وحيد يقع على بعد 10 كم شرق شاطىء خليج العقبة، وقريباً من الحدود مع المملكة العربية السعودية. 2- موقع وادي عربة، والذي تم استثناءه لوجوده في حفرة الإنهدام. 3- موقع حوض الحماد، وتم استثناءه لعدم وجود كميات مياه تبريد كافية. 4- موقع الخربة السمراء، وتم استثناؤه لعدم وجود كميات مياه كافية، ولقربه من السكان، ولتعذر نقل المعدات الثقيلة إليه. وبالتالي فإن اللجنة الوطنية المكلفة باختيار مواقع المفاعلات الذرية لم تنسب إلا بموقع وحيد، وهو موقع العقبة. بعد ذلك تم التعاقد (أيلول 2009) مع شركة تراكتيبل البلجيكية للقيام بالدراسات اللازمة على موقع العقبة. كان سعر شركة تراكتيبل 10.950 مليون دولار شامل الضرائب، كما هو مبين في وثيقة الشروط المرجعية لطرح العطاء. تم تقديم خصم من قبل الشركة بقيمة 2.5% من قيمة العطاء. وعند توقيع الاتفاقية تم إعفاء الشركة من قيمة الخصم المقدم (2.5%)، بالإضافة إلى إعفائها من الضرائب والرسوم. في نيسان 2010 قدمت الشركة تقريرها والذي يتضمن ما يلي: ١ ملاءمة الموقع في العقبة لإقامة المفاعلات الذرية عليه. ٢ دراسة أفضل سبل تبريد المفاعلات والذي يشير إلى أن عملية التبريد بواسطة أبراج تبريد (Natural Draft) باستخدام مياه البحر هي أفضل الطرق وأجداها إقتصادياً مقارنة مع Mechanical Cooling Tower. ٣ – عرض أماكن مقترحة ضمن الموقع ليصار إلى دراستها لاحقاً بشكل تفصيلي. وبالتالي فإن عمل الشركة لم يكتمل في العقبة، ولم تحقق كامل البنود المطلوبة منها كما وردت أعلاه. في أيلول 2010 تم الطلب من شركة تراكتيبل التوقف عن العمل في الموقع المفضل في منطقة العقبة، والانتقال إلى موقع الخربة السمراء. لم يوافق مدير الموقع في الهيئة في ذلك الحين على قرار النقل إلا أنه تم إقناعه بأن هناك أوامر عليا (من فوق) لنقل الموقع. تبين فيما بعد أنه لم تكن هناك أوامر عليا لنقل موقع محطة الطاقة النووية إلى الخربة السمراء، وإنما كان قراراً فردياً، وعليه لم يوافق مدير الموقع على الأمر التغييري الخاص بنقل عمل شركة تراكتيبل إلى موقع الخربة السمراء، حيث تم تهديده بإنهاء خدماته في هيئة الطاقة الذرية، وفعلاً تم ذلك في 26/6/2011. تم توقيع الأمر التغييري مع الشركة بزيادة 25% من الكلفة الأصلية علماً بأن حجم العمل المطلوب من الشركة يقل بحوالي 50% من حجم العمل الأصلي المتعاقد عليه، وهذا مخالف للأنظمة والقوانين. خلال الفترة الواقعة ما بين كانون أول 2010 وحزيران 2011 تم دفع مطالبتين ماليتين للشركة على أساس الأمر التغييري. اكتشف ديوان المحاسبة أن الأمر التغييري مخالف للأنظمة والقوانين، وعليه تم العدول عن الأمر التغييري ودفع المطالبة الثالثة على أساس العقد الأصلي الخاص بالعقبة، وهذه مخالفة أخرى للأنظمة والقوانين. في كل تلك الحالات لم يتم حتى محاولة الحصول على القبول المجتمعي المحلي للموقع. الآن يتم العمل على اختيار موقع قصير عمرة في الصحراء الأردنية للمفاعل وهذا هو مقتل المشروع النهائي. ملاحظة أخيرة: الشركة التي تقوم بدراسة الموقع الجديد هي…تراكتابل!!

الموقع المقترح الجديد للمفاعل النووي الأردني

الموقع المقترح الجديد للمفاعل النووي الأردني

5أين المياه؟ 

حتى لو تم تجاوز كل القضايا السابقة فإن مسألة وجود المصادر المائية لتبريد المفاعلات النووية في الأردن هو أمر لا يمكن الفهلوة بشأنه. يحتاج كل مفاعل من الجيل الثالث إلى حوالي 60 مليون متر مكعب من المياه سنويا لأغراض التبريد في التشغيل العادي، وكميات هائلة تصل إلى ملايين الأمتار المكعبة للتبريد في حال حدوث خلل تشغيلي يصل لمرحلة التهديد بانهيار المفاعل سواء لأسباب بشرية أو طبيعية. حسب المقترح المقدم حاليا من الهيئة سيتم استخدام مياه تبريد من المياه العادمة المعالجة من محطة الخربة السمراء (حوالي 100 مليون متر مكعب للمفاعلين) ولكن بدون أي مصدر مساند من المياه في الحالات الطارئة. هذه وصفة لكارثة لا يمكن تخيلها وتنم عن إدارة لا تحمل الحد الأدنى من المسؤولية تجاه البلاد والعباد. في سياق آخر فإن المياه التي تصدر عن محطة الخربة السمراء هي لأغراض الزراعة في وادي الأردن ومن الصعب جدا التخلي عن 100 مليون متر مكعب مما سيجعل حتى هذا المصدر غير مضمون. الترويج لوهم أن المياه العادمة هي التي ستقوم بتبريد المفاعلات في عمرة نوع من الخطيئة التي يمكن أن تقود إلى مصيبة حقيقية ولا يمكن أبدا التصديق بأن أشخاصا يدعون العلم والخبرة يمكن أن يروجوا لها. في الأردن الواقع واضح، إما أن يتم بناء المفاعل النووي في العقبة حيث البحر قريب أو لا يبنى ابدا ولا داعي لضياع كل هذا الوقت والمال في الفهلوة.

بالإضافة إلى النقاط الخمسة الماضية لا يمكن تجاهل حقيقة أن التكنولوجيا التي تعاقدت الهيئة على توريدها للأردن من شركة روزاتوم هي تجريبية حاليا ويتم فقط بناء مفاعل واحد مشابه في الهند ولا يوجد سجل للأمان يمكن الاعتماد عليه. كذلك لا يوجد تصور واضح لكيفية إدارة المخلفات المشعة وكلفة ذلك.

بالرغم من الدعم السياسي والمالي وتجاهل التشريعات، فإن النهاية الحتمية للمشروع النووي الأردني تبدو هي الفشل لأن الطبيعة والمنطق والعلم يؤكدان ذلك. إلى أن نصل لتلك المرحلة سنكون قد خسرنا الكثير من المال والجهد والفرص والموارد الضائعة التي كان يمكن توجيهها نحو خيارات أكثر واقعية في أمن الطاقة.