عن الروائيات، الأدب التجريبي، وإمكانية “التنقية الأدبية” – رد على لجنة تحكيم البوكر

الأربعاء 12 شباط 2014

في موقفها الدفاعي ردًا على أسئلة حول التعددية والهوية، رددت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية ورئيس أمناء الجائزة فكرة أن اختيار الروايات جاء لجدارتها بناءً على “معايير أدبية وجمالية” (إبراهيم)، وقوة بنية السرد واستخدام لغة مبدعة مع تجنب الخلل (كرّام)، و”التجديد في أساليب السرد والرواية” (البازعي).
لعل الجواب الأكثر منطقية في اللجنة كان للكاتب والصحفي الليبي، أحمد الفيتوري، الذي وصف نفسه بأنه “صوت الروائيين” في لجنة التحكيم. الفيتوري أكد أن “الجوائز لا تمنح قيمة للعمل الروائي وأنها احتفائية أكثر منها تقييم نقدي. وحين نقول أننا اطلعنا على أكثر من 150 رواية موضوعيًا وعقليًا يعني أنها ستُفهم بشكل انطباعي وبمعنى استثنائي ولحظوي وليس بالمعنى النقدي”.

بحسب عبد الله إبراهيم، فإن “نسبة كبيرة” من الروايات ضمن قائمة الكتب المرشحة كتبتها نساء، إلا أن عملية التنقية الأدبية أدت إلى إقصاء جميع الأعمال التي لم توافق “المعايير الجمالية”، لتبقى “سيدة كاتبة” وحيدة في القائمة القصيرة.

“نحن نقيم عملاً بناءً على توافره الشروط الفنية وليس بناءً على الكاتب أو البلد الذي ينتمي إليه”، يقول ابراهيم.

أجد هذا التصريح شديد السلبية والانكفاء فيما يتعلق بالهوية، تحديدًا الهوية الجندرية، وعلاقتها بأسلوب الكتابة. حين تهمّش المجتمعات أفرادها وتميز ضدهم بناءً على الهوية، جاعلةً أحد النماذج الهوياتية الضيقة “طبيعيًا” أو “مفترضًا” (النموذج الذكوري الرجولي مغاير الجنس) لتقيّم النماذج الأخرى بالمقارنة معه وتحاكمها وتقدّرها، من يستطيع الجزم بأن أعمال النساء لا توافق “معايير جمالية” خاصة بها تخالف قصدًا المعايير “الذكورية الرجولية مغايرة الجنس” تبعًا لتجارب هذه النساء ومواقع هوياتهن في المجتمع؟ في الواقع، لم يعرّف إبراهيم إطلاقًا “المعايير الجمالية” التي مارس على أساسها “التنقية الأدبية”.

في نظريات الكتابة والتأليف، عادة ما تبدي العناصر الشمولية (السياق، شمولية النص، السرد، إلخ) والعناصر المجهرية (السيميائيات، الخصائص الأسلوبية النحوية، العاميّة، إلخ) علاقة مع العناصر المعرفية والنفسية المكونة لهوية الكاتب (الجندر، الجنس، الجنسانية، الثقافة، السياسة، القومية، إلخ). أليس من الممكن أن تقدر النساء على كتابة مختلفة ومجددة؟ وإن استطعن ذلك، وهو أمر من الصعب والذكوري نفيه منطقيًا، ألا يعني ذلك أن ابراهيم (وغيره) لم يفكر بهذه الاحتمالية حين قدّم ذلك التصريح؟

من غير المسؤول أن يتم تجاهل أن الهوية قد تلعب دورًا وقد تساهم في تشكيل وبناء الحرفة الأدبية للكاتب وحسه الجمالي.

قد لا تكون الهوية عنصرًا حاضرًا في الاعتبارات التفسيرية والتقييمية التي تمارس على النص (وربما لا ينبغي أن تكون)، لكن من غير المسؤول أن يتم تجاهل أن الهوية قد تلعب دورًا وقد تساهم في تشكيل وبناء الحرفة الأدبية للكاتب وحسه الجمالي.

أن يُذكر أن “نسبة كبيرة” من الروائيات تم صرف النظر عنهن عبر عملية الاختيار تضيء دون شك ضوءًا أحمر، لهذه القارئة والكاتبة على الأقل.

هذه ليست على الإطلاق دعوة للتمييز الإيجابي بتخصيص كوتا للروائيات بأي حال على الأحوال. بل هي دعوة للكياسة في مقاربة مثل هذه اللجان للمعايير الأدبية، وفي تعبيرها عن منهجياتها، وفي دفاعها عن الاختلال الجندري الواضح في العديد من جوانب الجائزة، إن لم يكن كلها.

مسألة إشكالية أخرى هي الطريقة التي يتحدث بها عبدالله ابراهيم عن تعارض منهجين في الكتابة: ما يصفه بـ”الفصاحة الجديدة”، والمنهج التقليدي. ما يراه ابراهيم البراعة الحقيقية يتمثل في السرد الممثِّل لواقع المجتمعات، خاصة في ما يخص النزاعات والتشظّي/التفكك والموقع المتدني الذي توضع فيه النساء في المجتمع. “الفصاحة الجديدة” في رأيه هي أسلوب لم يعتد الجيل السابق عليه.

مجددًا، نجد أنفسنا أمام موقعة إشكالية للأسلوب في معسكرين: أسلوب الفصاحة الجديدة، والأسلوب التقليدي. هذا الفرز ضيق الأفق، إن لم يكن اختزاليًا تمامًا. النهج التجريبي، وهو ما قد يكون ابراهيم قصده ضمنيًا، لا يظهر في عنصر واحد من عناصر النص الأدبي دون غيره. وإلى جانب التطرق الدفاعي المتكرر لتفضيل المهارة والأسلوب الأدبي على المحتوى والمواضيع في أعمال المشاركين، فإن هذا الفرز منظور ضيق آخر لمقاربة “المعايير الأدبية”.

في أجناس معينة من الأدب التجريبي، من بينها الرواية، ليس من السهل دومًا فصل المضمون عن الشكل

في أجناس معينة من الأدب التجريبي، من بينها الرواية، ليس من السهل دومًا فصل المضمون عن الشكل. فاعتماد جوانب النص المختلفة على بعضها يجعل الشكل والأسلوب والجماليات مرتبطة عضويًا بالموضوع والمعنى، والمحتوى. أن يطلق ابراهيم (وغيره) هذا الحكم بالفصل على أكثر من 150 كتابًا أمر يفتقر حتمًا للاعتراف المسؤول بتنوع خصوصيات الإنتاج والاستهلاك والتقدير الأدبي، وتلك مسألة مقلقة لجائزة “عالمية” للاحتفاء بالرواية العربية.

—-

FEATURE_BOOKS-01 (1)اقرأوا أيضاً على حبر:

تغطية الجائزة العالمية للرواية العربية:

حوارات مع الكتّاب، مراجعات لروايات القائمة الطويلة، وحديث مع لجنة التحكيم