منظورات متبدلّة عن الموت: رواية “منافي الربّ” لأشرف الخمايسي

الأربعاء 19 شباط 2014

بقلم رافائيل ماكورماك، ترجمة ريتشارد كوزنز

*ظهرت هذه المراجعة على موقع “الأدب العربي (باللغة الإنجليزية)” في 22 كانون الثاني\يناير.

“حجيزي” وهو الشخصية الرئيسية في “منافي الرب”، رواية أشرف الخمايسي التي وصلت القائمة الطويلة لجائزة “البوكر” العربية،لا يخاف الموت بل يخاف الدفن.  تبدأ الرواية بحلم يراه حجيزي يخبره فيه راهب بأنه تبقى له ثلاثة أيام فقط للحياة، مما يزعج بطلنا كثيرا.  ليس الدفن تحديدا هو ما يذعر حجيزي بل الفناء، كما لا يقل خوفه من احتمال أن يُترك في الخارج لتأكل جثّته الكلاب والنسور، بل هو بلا شك يشعر بالخوف ذاته مهما كان نوع التحطم الجسدي الذي قد يصيبه.  إن حجيزي، الذي لا يقل عمره عن المئة عام، يريد فقط أن يعيش في قريته مع عائلته ومجموعة من أعز أصدقائه. و عندما يتأمل كيف يمكنه البقاء بعد وفاته، يفكّر  بأنه ربما قد يستطيع أن يُترك جسده مسنوداً على حائط البيت، فإذا لم يستطع أن يعيش حيّاً فلا بد أن يعيش م ميتاً.

منافى الربحاول الفيلسوف لوكريتيوس تحرير الناس من خوفهم من الموت بالقول بإن ذرات الجسد تعود إلى الكون عندما يتلاشى الوعي، ولكنه لم يفهم أن هذا الشيء بحدّ ذاته ما يخيف الناس. يسمع حجيزي أن المسيح أُقيم بعد وفاته، وأن الحياة ما بعد الموت موعودة للمسيحيين، فيزور مجموعة من الرهبان، ولكنهم لم يستطيعوا أن يبددو خوفه: يسألهم حجيزي لماذا مقبرة أسيوط مليئة بالمسيحيين بالرغم من أنهم قادرون على القيام بعد الموت؟ فحجيزي ليس من النوع الذي يعتبر الموت جزءاً من الحياة، وإنما الحقيقة بالنسبة له بالعكس تماماً.

بالرغم من هذا كلّه،الكلام عن الموت يعني الكلام عن الحياة، فرواية الخمايسي المتعددة الطبقات تسمح للشخصيات العديدة بالإسهاب في تفسير حياتهم وشرحها.  تدور أحداث الرواية في قرية “الوعرة” الصغيرة التي هي نفسها تعاني الموت، من البئر الذي يتجفف من جهة أو من خطط الحكومة لبناء طريق سيغير حياة القرية من جهة أخرى.  تتبادل وتتداخل الأزمنة والحكايات tنسمع قصصا من العديد من الشخصيات: رفيقي حجيزي “غنيمة” و”سعدون”، وزوجته “سريرة”، وابنه وأحفاده والراهب العجوز “يوأنس” و غيرهم.  هناك جو أثيري مبني من خلال لمسات من الواقعية السحرية، وقصص متكررة من وجهات نظر متعددة، وحقيقة أن اثنين من الشخصيات الرئيسية قد ماتا قبل حلم حجيزي بقليل.  كل هذا نادراً ما يُربك القارئ ولكن التقدم البطيء قد يحبط القارئ الذي يفضّل أسلوبا سرديا أكثر حيويةً.

فإن أكبر مزية للرواية تقع في هذا البطء وفي وجهات النظر المتعددة، فهناك وقت كاف ليعبّر  فيه الممثلون عن شخصياتهم والأحداث التي يجدون أنفسهم بها: قصة عن عصفور محبوس في عربة قطار مع إنجليزي وخادمه المصري، وأخرى عن موت زوجة وابن سعدون في حريق بيت يرويها راهب كاره للنساء، وأخرى ينحت فيها حفيد حجيزي صنماً لعاشقته الشابة.

الرواية تعالج مواضيع كالديانة والحب والجنس والزواج والموت والحرب والمال، فتسمح للشخصيات بالاسترسال في الكلام،. ومن أشد متعي الخاصة في الكتاب كانت حكايات “غنيمة” المُطنَبة والمزخرفة. ومع الوقت يصبح واضحاً أن حجيزي قليلاً ما استمتع بحياته رغم خوفه من الموت، إذ أنه رجل ليس لديه أي حبٍ للاستطلاع، لدرجة أنه لم يكترث لرؤية البحر بعينيه في المرة الوحيدة التي زاره فيها، بالرغم من أنه كان قريبا منه لدرجة استطاع أن يشم ريحته ويسمع صوت الأمواج.  على الرغم من وجود شخصيات ذكورية مفصّلة جيداً، لكانت الصورة التي ترسمها الرواية أوضح لو أظهرت اهتماما أكبر بالشخصيات الأنثوية (مع أنها لم تكن غائبة كليا).

إن الكتاب على عكس ن الكثير من الكتب التي ترشّحت للبوكر العربية لا يذكر حالات أو أحداث سياسية، فموقع الرواية هو قرية خيالية وليس من الممكن تحديد تاريخ أي حدث من أحداث الرواية إلا بإشارات هامشية جداً، كالستين عام التي مضت من العلمين، فالأحداث الغامضة والتاريخية الكثيرة تساهم في خلق جو اللازَمان الذي يعم السرد.

إن كتاب أشرف الخمايسي يستحق مكانه على قائمة البوكر الطويلة، إذ أن نثر الرواية الرقيق وسيلة ممتازة تقديم القصص المقدسة والمدنسة التي توجد ضمن السرد.  كانت النهاي للأسف الجزء المثير للخيبةً سردياً،  ولكن لرواية يهمها الموت،قد يكون هذا مناسباً.

للمزيد من المراجعات للكتب التي وصلت القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) أنقر(ي) هنا.

لقراءة مقابلة مع الكاتب أشرف الخمايسي أجراها رافائيل ماكورماك أنقر(ي) هنا.