هوامش: نحو تفكيك ثنائية المركز والهامش في القضايا المثلية

الأحد 23 آذار 2014
AlQaws

بقلم شهد عيساوي، احد الناشطين من كادر هوامش.

أطلقت مجموعة “القوس للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني” في يناير من هذا العام اللقاء الأول لمشروع “هوامش: ملتقى حول قضايا التعددية الجنسية والجندرية”، كمساحة مفتوحة للآراء والتوجهات والأفكار التي تهدف إلى بلورة خطاب جنساني جديد، يعمل ويتطور من خلال السياق الاجتماعي والسياسي، ولا يتقوقع في الحيز المثلي فقط.

و”القوس” بتعريف القائمين عليها هي مجموعة من الناشطات والناشطين من المِثْليّات، والمِثْليّين، وثنائيّي الميول الجنسيّة، ومتحوّلي النوع الاجتماعيّ، والمتسائلين وأشخاص يعيشون توجّهات جنسيّة وجندريّة مختلفة، تهدف الى خلخلة أنظمة القمع الجنسيّ والجندريّ، وأدوات السيطرة على الجسد والجنسانيّة، من النظام الأبويّ والرأسماليّ إلى الاستعماريّ، وإعادة تشكيل علاقات القوّة الناتجة عنها للمساهمة في خلق مجتمع يحوي توجُّهات جنسيّة وجندريّة متنوّعة.

يهدف ملتقى “هوامش”، كما وصفه المنظمون، إلى “تعبئة الجزء الخالي في الخطاب السائد في التنظيم المثلي والكويري المحلي بشكل خاص، والنشاط الجنساني الأوسع بشكل عام، وذلك محاولةً لخلخلته وتوسيع نطاقه”، في سعي منهم لاستعماله “حّيزًا لتفكيك ثُنائية الهامش والمركز”، مشددين على أنهم لا يعتبرون الهامش “مساحة ضيقة تعمل بعيدًا عن نواة المركز، بل (هوامش) ناتجة تراكميًّا من حالات تهميش لمواضيع عديدة – ومنها مواضيع الجنسانية – والتي تُمارس على نطاق المركز بمجمله”. ويحاول الملتقى طرح مواضيع تعتبر عادة مواضيع “داخلية” للحراك المثلي والكويري، وإعادة صياغتها في إطار فكري وتنظيمي أوسع يهمّ فئات مختلفة من الحراكات السياسية والاجتماعية.

تعمل الحركة المثليّة والكويريّة الفلسطينية في ظل هَيمنات تتقاطع في بعضها مع حركات مثلية عربية أخرى وتفترق عنها في البعض الآخر: هيمَنَة النظام الأبوي الذُكوري، والتحريمات على الجنسانيّة؛ الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي، وسياسات التجزِئة والفصل العُنصري؛ بالإضافة الى هيمَنَة التجربة الغربيّة في النضال المثلي والكويري

فبعد اللقاء الأول الذي طرح موضوع “الخطاب الحقوقي في النشاط المثلي والجنساني المحلي” في فلسطين المحتلة (وناقش إيجابيات هذا الخطاب ومحدودياته، ودور الأحزاب، والأهم من ذلك مشاكله البنيوية في سياقنا الاستعماري)، جاء نقاش هوامش الثاني قبل ثلاثة أسابيع كمحاولة لتفكيك اللغة والمفاهيم البنيوية الأساسية للحراكات والخطابات المثلية، بطرحه موضوع “الحركة المثلية والكويرية الفلسطينية في ظل هيمنة التجربة الغربية”.

تعمل الحركة المثليّة والكويريّة الفلسطينية في ظل هَيمنات تتقاطع في بعضها مع حركات مثلية عربية أخرى وتفترق عنها في البعض الآخر: هيمَنَة النظام الأبوي الذُكوري، والتحريمات على الجنسانيّة؛ الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي، وسياسات التجزِئة والفصل العُنصري؛ بالإضافة الى هيمَنَة التجربة الغربيّة في النضال المثلي والكويري. اقتصَرَت محاولات تفكيك هيمنة التجربة المثليّة الغربيّة على مناقشة مدى ملائمة هذه النماذج لواقعنا الإجتماعي والسياسي. وبالرغم من أهميّة هذه المُحاولات إلا أنها تُبعدنا عن التحليل الأعمق الذي يَنظر إلى هذه التجربة في سياقها التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. بشكل أساسي، تُهمل هذه المحاولات النظر إلى تسويق التجربة المثلية الغربية كتجربة عالمية مُشترَكة، وفَرْض استراتيجياتها ومفاهيمها على مجموعات غير غربيّة كصورة أخرى من صور الإستعمار الثقافي.

تنعكس علاقات القوة هذه بمحاولة زَج التجارب المَحليّة المُختلفة وتأطيرها في الرُباعيّة المُقدسّة: رِهاب المثليّة، العَيش في العلن، الظُهور والفَخر. هذه الرباعية تستتبع فرض مفاهيم ثنائية في كل من عناصرها: الفخر/العار، العلنية/السرية، الظهور/الخباء، رهاب المثلية (الهوموفوبيا)/التقبل.

لقد فتح ملتقى هوامش نقاشًا حول مفاهيم “رهاب المثلية” و”العيش في العلن” ومدى ملائمتها لسياقنا المثلي المحلي، بطرح أسئلة هل وكيف يؤثّر اتّباع هذه الاستراتيجيات على فهمنا لأجسادنا وتَجاربنا وهويّاتنا الجنسيّة؟ هل هنالك مساحة لاستعادة وخَلق نماذج للجندر والجنسانيّة ذات صلة أكبر بنا وبعائِلاتنا ومُجتمعنا؟ بالإضافة إلى ذلك، ومن فهمنا للجنسانيّة كمفهوم مُغرَق في دلالات وتواريخ عينيّة غربيّة، هل استخدامنا لمَفاهيم مُستوّردة من التجربة الغربيّة، هو تخاذُل مع هذه الهيّمنة ومساهمة بتعزيزها؟

إعادة التفكير في مفهوم “العيش في العلن” كان واحدًا من أهم محاور النقاش، برؤيته كاستراتيجية تنظيمية جماعية وليس كمسار شخصي إجباري تُرفق به عند تنفيذه معانٍ ودلالات سياسية. أدى ذلك للتأكيد على أهمية خروج مواضيع “التعددية الجنسية والجندرية” للعلن، وضرورة ظهور هذه المضامين (والمجموعات التي تعمل على هذه المواضيع) في الحيز العام بشكل مستديم وبناء، كاستراتيجية تغيير أكثر موائمة لسياقنا الثقافي والبنى الاجتماعية الأساسية التي يتركب منها.

ويأتي هذا الطرح عوضًا عن المفهوم المتبع في الغرب الذي يفسر خروج “الأفراد” للعلن كممارسة فردية إجبارية في مسار التغيير المراد، الشخصي والسياسي، متجاهلاَ الفروقات بين الأفراد والمجتمعات التي لا تسمح تركيبتها باحتواء هذه الاختيارات أو لا تعّرفها في الأساس كعلامة فارقة لـ”صحة” أفرادها النفسية أو لا تحسبها كركيزة أساسية للتغيير. إعادة التفكير في هذا المفهوم تساهم في تأطيره كموضوع جماعي، اجتماعي وسياسي، يتطلب مسؤولية جماعية لتغيير البُنى الاجتماعية القائمة. كذلك، يساهم هذا التعريف الجديد في عدم إقصاء “التعددية الجنسية والجندرية” عن باقي أشكال القمع الجنسي والجندري في مجتمعنا.

النقاش حول موضوع “الهيمنة الغربية” استدعى حديث بعض الحاضرين عن وجود حالة سائدة من رفض كل تجربة تبلورت واتخذت في الغرب كاستراتيجية عمل بذريعة الاستعمار والهيمنة الثقافية. في المقابل، ذهب الحوار نحو مناقشة إيجابيات وسلبيات هذه التجارب، والتنويه إلى خطورة تبني هذه الاستراتيجيات بشكل جامح و”أعمى”، بما يمنع مجموعات محلية عديدة معنية بهذه المواضيع من استكشاف استراتيجيات مستوحاة من تجارب ميدانية، بدلًا من زجّ هذه التجارب وتفسيراتها في استراتيجيات مستوردة من سياق آخر.

الاعتراض على هذه المفاهيم لم يكن فقط نتيجة الإيمان بعدم ملائمتها وقدرتها على التغيير المجتمعي الذي نصبو إليه، كونها وليدة زمان ومكان معينين، وإنما بُني هذا الرفض من خلال تجربة فعلية أظهرت معانٍ جديدة لاستراتيجيات الظهور والعيش في العلن، وأثبتت أن التغيير قد يحدث عبر طرق أخرى قد تكون أكثر استدامة على المدى البعيد. على سبيل المثال، أدى “رفض” المفاهيم الغربية إلى توسيع النضال المثلي والكويري الفلسطيني ليتحدى جذور القمع الجنسي والجندري، بدلًا من ربطه في الأساس مع استراتيجيات رد الفعل ومنها مناهضة الهوموفوبيا.

بالنهاية، عبّر المشاركون/ات عن مدى أهمية ربط هذا الحوار الفكري والتحليلي مع نماذج واستراتيجيات عمل عينية ومحددة تتلائم مع خصوصية مجتمعنا، بحيث تم التطرق، بعين ناقدة بناءة، إلى بعض مشاريع القوس مثل المشروع الموسيقي “غنّي عن التعريف”  والحفلات الكويرية الفلسطينية ومدى قدرتها على لتكوين بديل يتلائم وينبثق من السياق المحلي. من المهم التشديد على أن ملتقى هوامش هو ليس مساحة لإعطاء أجوبة حاسمة وإنما بالأساس مساحة للتساؤل التي نطمح عن طريقها لتفكيك قضايا عديدة طرحت وستطرح من خلال النقاش ولربما هذه خصوصية المرحلة الأولى للمشروع.

(اللقاء الثالث لـ”هوامش” تحت عنوان “توظيف الموّروث الثقافي العربي في النشاط المثلي والكويري: محاولات يائسة أم ضرورة للحراك؟”، سيعقد يوم الثلاثاء 1 نيسان. للاستفسار عن الموعد والموقع ومعلومات إضافية عن “هوامش”، بالإمكان التواصل مع القوس على: [email protected] ، أو من خلال صفحتهم على “الفيسبوك“)