نحو نقد الخطاب النسوي العربي

الإثنين 10 آذار 2014

لا تملك أي حركة اجتماعية تدفع للتغيير رفاهية الانفصال عن واقعها. ولعل التحركات النسوية العربية، أو بعبارة أدق الإرهاصات ذات الطابع النسوي التي ظهرت في بعض الدول العربية بوضوح في السنين الأخيرة، أفضل مثال على الاتصال العضوي بين تحركات تحررية مختلفة، ولعل ردات الفعل الذكورية العنيفة على هذه المبادرات النسوية على مستوى المجتمع (كتلويث سمعة الناشطات خاصة من خلال إشاعات ذات أبعاد جنسية) والنظام السياسي (كفحوص العذرية في مصر كوسيلة لإخضاع الجسد الأنثوي الخارج إلى المجال العام ولتقليص الناشطة لمجرد جسد) أبلغ تعبير عن الضرورة الملحة لمركزة قضية  المرأة والأقليات الجنسية في أي نضال تحرري أياً كان هدفه. لا نبالغ، إذاً، حين نصر على أن أي تحرك يدعي أنه تحرري لا ينصب هذا النوع من العدالة الاجتماعية منصباً مركزياً قولاً وفعلاً هو تحرك لا يلوي على التحرر الفعلي وإنما على إعادة إنتاج النظام الأبوي في صورة أخرى.

نجد تغريباً ملحوظاً في اللغة والمضمون يبعد هذا الخطاب عن مدارك الكثيرين ويتزامن مع غياب شبه كلي لأي محاولات للتعريب والتوضيح

لكن بعيداً عن نقد حركات التحرر في الدول العربية، علينا بدايةً نقد الخطاب النسوي العربي ذاته و نقد بعض معالم ابتعاده عن بيئته المحلية. ففي صميم هذا الخطاب نجد تغريباً ملحوظاً في اللغة والمضمون يبعد هذا الخطاب عن مدارك الكثيرين ويتزامن مع غياب شبه كلي لأي محاولات للتعريب والتوضيح. مثالاً على ذلك، تستخدم كلمة “الجندر” ومشتقاتها بأريحية في الكتابات النسوية والمقابلات الإعلامية دون الأخذ بعين الاعتبار أنها قد لا تكون مألوفة للكثيرين، بل وقد تطرق أسماعهم ككلمة غريبة (وهي كذلك حيث لم تحقق درجة من الألفة ككلمات أخرى تم تبنيها من الإنجليزية) تفرض معاني التدخل الأجنبي في أمور مجتمعاتهم (وهي ليست كذلك). يستلزم هذا التغريب اللغوي تعريباً بالضرورة، وقد يحصل هذا التعريب أحياناً فيستخدم مصطلح “النوع الاجتماعي” بدلاً من “الجندر” لكنه نادراً ما يرفق بتوضيح لمعناه وتجلياته في الأنظمة الاجتماعية العربية فيظل المعنى بعيداً عن الحياة المعاشة للمتلقين والمتلقيات1.

قد لا يبدو موضوع التغريب اللغوي محورياً لأنه لا يقتصر على الخطاب النسوي بل يعكس حالة عامة من الاستيراد المعرفي والثقافي السلبي في الدول العربية، لكنه يحمل تبعات إضافية في غاية الأهمية في مضمار العمل النسوي خاصة وأن القوى الذكورية في المجتمعات العربية، دينية كانت أم اجتماعية أم سياسية، دأبت على اتهام الفكر النسوي العربي والناشطات النسويات بالعمالة في أسوأ الحالات وبالتقليد في أفضلها. من هنا لا بد أن يعتمد الخطاب النسوي العربي، خاصة ذلك الموجه إلى المجتمع ككل من خلال الإعلام، على الوضوح اللغوي وعلى الإيضاح المتكرر للمفردات والمصطلحات النسوية. ومن هذا المنطلق، لنا أن نتساءل عن وزن وجدوى النقاشات والتحليلات المنصبة حول وضع المرأة في الدوائر الأكاديمية وفي دوائر النشاط الاجتماعي إذا ما دارت باللغة الإنجليزية، لنا أن نتساءل عن وزنها وجدواها على أرض الواقع2.

كذلك تبرز الحاجة لتعريب مضمون الخطاب النسوي العربي، وأعني  بتعريب المضمون التركيز على القضايا المحلية التي تهم المرأة العربية ومن منظور ينطلق من فرادة الأنظمة الاجتماعية العربية والتحديات التي تواجهها المرأة. فعلى الرغم من وجود بعض أوجه التشابه بين الأنظمة الأبوية  في كل المجتمعات إلا أن الأنظمة الأبوية العربية تمتاز، كما توضح سعاد جوزيف3، بصبغتها الدينية وبتركيزها على التراتبية العمرية وعلى صلات القربى في تكوينها. لكننا وبفعل النمط الاستيرادي والاستهلاكي الذي يميز جهدنا المعرفي والثقافي4  قلما نجد محاولات جادة لتعريب التحليلات والتقارير النسوية التي تصدر عن المنظمات المعنية بحقوق المرأة. وكذلك قد لا نجد هذه الجهود في الكتابات الأكاديمية النسوية التي تسقط كثير منها النظريات النسوية الغربية (أي تلك المنتجة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية) على الواقع العربي ولا تسعى لتأطير أو نقد هذا الإسقاط5. ولا تتساوى الدعوة لتعريب مضمون الخطاب النسوي العربي مع القول بانعدام الجدوى من استعارة وتعديل أطراف من النظريات النسوية الغربية، أو مع الإصرار على أن لا يتخطى الخطاب النسوي حدود “العادات والتقاليد” الاجتماعية والدينية التي تتحمل مسؤولية غياب الكثير من حقوق المرأة العربية.

إذا كانت الدعوة لتعريب الخطاب النسوي العربي لغة ومضموناً محوريةً لزرعه كخطاب تحرري أصيل وعضوي، علينا أيضاً أن نعي أن هذا الخطاب بتركيزه الأكبر على المرأة العربية وبصبغته العروبية يقصي في معظم الأحيان قضايا نساء الأقليات الإثنية (كالنساء النوبيات في مصر والأمازيغيات في شمال إفريقيا) والأقليات الإثنو-اقتصادية (كنساء شرق آسيا العاملات في البيوت) في المجتمعات العربية واللواتي يواجهن طبقات معقدة من التمييز والتهميش. لذا لا بد من توسيع هذا الخطاب ليشمل هؤلاء النساء أو ليتضامن مع قضاياهن على أقل تقدير (تبرز “نسوية” لبنان كمثال ناجح على تطبيق هذا التضامن). هذا ومن الأفضل أن يتحرر الخطاب النسوي من فكرة “العروبة” ذاتها كعامل وحدوي أو أن تعتبر ذات تبعات سياسية وتصنيفية ينبغي التعامل معها بحساسية6.

إلّا أن النقد لا يعني غياب بعض المبادرات النسوية التي توظف خطاباً تحررياً يعي أهمية التعريب والشمولية من مثل “نسوية” في لبنان و”انتفاضة المرأة في العالم العربي“، وهي حملة نسوية بدأت في عام 2011 تقوم بالعديد من الأنشطة في مختلف الدول العربية وتمثل طيفاً جديداً من النضال النسوي المعاصر في العالم العربي. وقد يدعي البعض أن الالتفات لنقد الخطاب النسوي العربي في خضم التغيرات الرجعية التي تعصف بعديد من الدول العربية شيء من الترف الفكري، إلا أن ذلك لا يكون صحيحاً إلا إذا سلمنا بثانوية نضال المرأة التحرري أولاً، وبكماله وترفّعه عن النقد ثانياً. ولأنه ليس هذا ولا ذاك، يظل النقد الذاتي أنجع وسيلة للاستدراك من أجل خطاب نسوي مفهوم ومحلي وغير اقصائي يمهد الطريق نحو العدالة الاجتماعية.

——

1 “الجندر” أو النوع الاجتماعي مصطلح يركز على  تأثير التنشئة الاجتماعية على تكوين دور الأفراد ومكانهم ونظرتهم لأنفسهم في المجتمع. ظهر هذا المصطلح للتفرقة بين الجنس البيولوجي (ذكر أو أنثى غالباً) والتبعات الاجتماعية المترتبة عليه (تنشئة الأطفال بطريقة مختلفة حسب جنسهم مثالاً). وهناك نقاش أكاديمي نسوي حول ما إذا كانت هذه التفرقة بين التصنيفين مفيدة حقاً.

2 ولا أستثني نفسي هنا، كأكاديمية نسوية تكتب باللغة الإنجليزية.

3 سعاد جوزيف بروفيسورة علم الإنسان ودراسات المرأة في جامعة كاليفورنيا، ديفيس، في الولايات المتحدة الأمريكية وصاحبة سجل حافل بالكتب والمقالات المحكمة حول المرأة والعائلة والمواطنة في العالم العربي. أستعير هنا من نصها “النظام الأبوي والتنمية في العالم العربي” Patriarchy and Development in the Arab World المنشور عام ١٩٩٦ بالإنجليزية.

4 ومن المفارقات هنا أننا لا نجد ترجمات عربية لمعظم النتاج النظري النسوي الغربي، ولا حتى للدراسات والمساهمات حول وضع المرأة في العالم العربي ذاته، وهو نقص فادح في المكتبة العربية.

5 لا يقتصر هذا الإسقاط النظري على الخطاب والفكر النسوي بل يعم في العلوم الاجتماعية ككل.

6 حول توسيع الخطاب النسوي: قلما يتناول الخطاب النسوي العربي حقوق الأقليات الجنسية على الرغم من التشابه (والاختلاف) بين الطرفين، فاقتضى التنويه.