دوت شبكة، وماذا بعد؟

الثلاثاء 18 آذار 2014

بقلم ريم المصري

أقضي أكثر من ثماني ساعات يومياً بين متصفحات الانترنت ومحركات البحث ما بين العمل والاستخدام الشخصي. قد يؤهلني هذا أن أصنف كمستخدمة انترنت نشطة، لهذا السبب فوجئت عندما علمت أن هنالك اثني عشر ألف نطاق (عنوان موقع) مسجل بالأحرف العربية، لم أضطر يوماً لاستخدام أي منها، ولم أكتشف وجود هذه النطاقات إلا بعد قراءتي لخبر إطلاق هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة “آيكان” لنطاق  دوت شبكة (.شبكة).

هنا أتساءل، بعد ثلاث سنوات من اطلاق الآيكان للنطاقات بالأحرف العربية، إلى أي مدى يجب أن نحتفي بخبر إطلاق نطاق “دوت شبكة” في بداية شهر شباط من هذه السنة؟

خلفية عن النطاقات:

قد يكون من المجدي أولا تفسير النطاقات وأنواعها المختلفة حسب تعريفات منظمة الايكان. فالنطاق هو أي عنوان نصي لموقع الكتروني مثل “www.google.com” أو “www.aljazeera.jo“، يتم إطلاقه وتسجيله من قبل جهة واحدة في العالم وهي منظمة الأيكان. أول النطاقات التي أطلقتها آيكان هي النطاقات التي تنتهي بجذر عام مثل edu. أو com.، وتعرف ب”نطاقات المستوى الأعلى العامة”، أو “(generic Top Level Domains (gTLD”. لم تتوفر هذه النطاقات العامة إلا بالأحرف اللاتينية، مما كان أحد أسباب انتقادات المجتمع الدولي لأيكان. وبسبب عدم قدرة هذه النطاقات على تلبية احتياجات أسماء جميع المواقع الالكترونية في العالم، اطلقت ايكان في عام ٢٠١٠ النطاقات التي تنتهي بجذر الدول (النطاقات العليا في ترميز الدول أو country Code Top  Level Domain) بأحرف غير لاتينية منها العربية. الاعتراف الأكبر باللغات غير اللاتينية في عالم النطاقات قدّم في شباط ٢٠١٤ عندما أعلنت الآيكان عن إطلاق نطاقات المستوى الأعلى بالأحرف الغير لاتينية، منها الصينية، السيريليّة والعربية (وهو دوت شبكة).

يمكنا التحدث لاحقاً عن حاجتنا الى مفردات عربية أقل غرابة وألمًا لوصف النطاقات “نطاقات المستوى الأعلى العامة” أو ” نطاقات الأعلى في ترميز الدول”  في مقال آخر، ولكي لا يضيع مضمون المقال في ترجمات معقدة،  سأشير إلى:

– “النطاقات العليا في ترميز الدول” ب”نطاقات الدولة”  مثل “EG.” أو “.مصر”

– “نطاقات المستوى الأعلى العام” ب”النطاقات العامة”  مثل “.شبكة”.

فرحة إثبات الوجود

قد يكون السبب الأول للاحتفاء هو المزيد من الاعتراف بمستخدمي الإنترنت العرب وكسر السيطرة اللغوية على أسماء النطاقات في شبكة من المفترض أن تكون عالمية وتعامل جميع مستخدميها على قدم من المساواة. المتحمسون على دوت شبكة (التي يستخدم مسجلها نطاق لاتيني www.dotshabaka.net  وعربي اسماء.شبكة//:http)، يباركون التقدم التقني في تلبية حاجة النفس الطبيعية في ممارسة الهوية اللغوية على الشبكة بعد أن كانت نطاقاتها العليا تتحدّث بالأحرف الاتينية فقط.

سواء كانت “نطاقات الدولة” العربية مثل (.الأردن) أو “النطاقات العليا” مثل (.شبكة)، ستتمكن المواقع المستهدفة للجمهور العربي من التخلص من كوكتيل الأحرف اللاتينية. فالتزاحم الكبير على أسماء نطاقات دوت كوم تجعلك مضطراً أن تضيف ما ليس له علاقة بالاسم، لتجد اسم نطاق أقرب لعلامتك التجارية.

ولكن ماذا بعد فرحة اثبات الوجود؟ وما النقلة التي ستحدثها النطاقات العربية العليا لتجربتنا على الانترنت كمستخدمين عرب؟

قد يكون من المجدي الاطلاع على حال “نطاقات الدولة” بالأحرف العربية لنرى حماس المستخدمين والمواقع الاكترونية الذي رافق اطلاق هذه النطاقات.

وضع النطاقات الدولة الحالي

منذ إطلاقها في ٢٠١٠ بلغت نسبة “نطاقات الدول” في المنطقة العربية 0.6٪ من مجموع النطاقات العليا في ترميز الدولة في العالم، على الرغم من أن المستخدمين العرب يشكلون ٧٪ من مستخدمي الإنترنت في العالم. أكثر من سبب حال دون انتشار نطاقات الدول، أولها عدم رؤية القطاع الخاص والحكومي للجدوى المادية من الاستثمار بتسجيل نطاقات الدول  مثل (jo.) أو (.أردن) . فالخطوة الأولى للحصول على هذه النطاقات هي تقدم مسجلين معتمدين بطلب لمنظمة ICANN دون أي رسوم. حتى يوجد فقط خمس مسجلين معتمدين لدى ICANN في المنطقة العربية: مسجل في كل من الأردن والكويت والمغرب، وأربع من الإمارات.

مجموع المواقع الأردنية المسجلة تحت جذري .جو و.الأردن هو فقط ٤٠٠٠

بعد حصول المسجّل على الموافقة على نطاق الدولة، عليه العمل على تشجيع المواقع المحلية على تبني هذه النطاقات وجعلها مجدية للاستثمار. نجد مثلاً أن ٣٣٪ من نطاقات الدولة في الوطن العربي ( ٣٠٧,٠٠٠ نطاق)  تتبع جذر الامارات (.الامارات) و (ae.)، مما يعكس سياسة تسجيل منفتحة بدون تعقيدات بالمقارنة بالمسجلين الآخرين. المثال على الجانب الآخر هو jo. أو .الأردن، فمجموع المواقع الأردنية المسجلة تحت هذين الجذرين هو فقط ٤،٥٠٠. وعند النظر الى الشروط التي يضعها المسجل الحصري لهذا النطاق، المركز الوطني لتكنولوجيا المعلومات، نرى أولًا أن رسوم تسجيل “.الأردن” أعلى بكثير من تكلفة تسجيل com. وهي 100 دينار (١٤١ دولار أمريكي) لأول سنة، و٢٥ دينار (٣٥ دولار) رسوم تجديد اشتراك.(1)

حتى وإن رضيت بالرسوم المرتفعة وقررت الاستثمار في هذا النطاق، ما زال على اسم نطاقك أن يتخطى شروط التسجيل، التي تم تعديلها بما يوائم “خصوصية” الأردن، وفقاً للمركز الوطني لتكنولوجيا المعلومات. نجد أن الخصوصية الوحيدة الأردنية في هذه الشروط هي ما اعتدنا عليه من استخدام مصطلحات فضفاضة لإحكام السيطرة الحكومية، فيمنع تسجيل “الأسماء التي تمس بأمن واستقرار المملكة الأردنية الهاشمية” و”الأسماء المخالفة للأعراف والعادات والتقاليد الأردنية السائدة”. أما إن كنت حزباً سياسيًا، فعليك تقديم الموافقة على حزبك من مجلس الوزراء مع الطلب. وكأن المسجل يقول لك: إن لم تكن شركة تجارية كبيرة، لا تحاول التسجيل.

icann_N-01

الوجود العربي الرقمي يبدأ بالأدوات

لا يمكن التنبؤ بمدى إقبال المواقع الالكترونية على التسجيل في دوت شبكة، ولكن قد نبدأ ببناء تصور عند النظر الى حال “نطاقات الدول كمؤشر. فبعد ثلاث سنوات من إطلاق نطاقات الدول بالعربية شكلت نطاقات “دوت دولة” في المنطقة العربية ٣.٥٪ فقط من مجموع نطاقات الدول سواء بالأحرف الاتينية أوالعربية (١٢,٤٠٠ موقع من ٣٩٧,٠٠٠) مما يعني أن اهتمام المواقع العربية بتسجيل نطاق الدولة بالاتينية  ما زال أكبر منه بكثيرمن نطاق الدولة بالعربية.

المسجل الروسي عمل على حل مشاكل اللغة السريلية في المتصفحات، وعلى دعوة متصفحات البحث الى تحسين فهرسة النطاقات السيريلية.

تختلف التجربة العربية عن التجربة الروسية في تبنّي النطاقات غير اللاتينية. فقد تم تسجيل٢٥٠,٠٠٠ نطاق في الساعة الأولى بعد اطلاق النطاقات التي تنتهي بجذر روسيا بالأحرف السيريالية، و ثلاث أضعاف ذلك الرقم في اليوم الثالث في نهاية ٢٠١٠. تظهر نفس الدراسة أن المسجل الروسي عمل على حل مشاكل اللغة السريلية في المتصفحات، وعلى دعوة متصفحات البحث الى تحسين فهرسة النطاقات السيريلية. خاطب المسجل أيضا مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر لتطوير برامجها للتعرف على مواقع محتوها سيريلي. كل هذا ساهم في أن يتم تسجيل  ٧٥٠,٠٠٠ نطاق سيرسالي في نهاية ٢٠١٢.

لماذا لم تتبنى المواقع العربية نطاقات الدولة العربية؟

بحسب تقرير استراتيجية العمل في المنطقة العربية لمنظمة  ICANN  أول أسباب ضعف الإقبال على نطاقات الدولة في المنطقة بشكل عام هو ارتفاع تكلفة تقديم الطلب لتسجيل نطاقات جديدة. ثانيها عدم تواجد آلية لحل النزاع حول أسماء النطاقات العربية، وثالثها ضعف رؤية النطاقات العربية كسوق مدر للأموال. جميع هذه الأسباب تركز على آلية وبيئة االتسجيل وهي اسباب مهمة، ولكنها لا تأخذ بعين الاعتبار بيئة الانترنت العربي. اختبار صغير على موقع اليكسا يكشف أن جوجل وفيسبوك ويوتيوب من أكثر ثلاثة مواقع زيارة في كل الدول العربية، وليس أي موقع ذو نطاق عربي.

سواء كنا مستخدمين متحدثين أم غير متحدثين بلغة ذات أحرف لاتينية، كم منا يقوم الآن بتسجيل أو طباعة العنوان الكامل للمواقع الالكترونية في المتصفح، خصوصاً بعد أن طورت المتصفحات من خانة العنوان لجعلها خانة بحث مربوطة على محرك مثل جوجل. فإذا طبعت 7iber.org  يأخذك المتصفح الى نفس الموقع، وإذا طبعت 7iber أو حبر فقط، يظهر لك المتصفح نتائج من جوجل تحتوي إحداها على الموقع. صحيح أن أشهر خمس متصفحات تدعم اللغات غيراللاتينية،  ولكن ما يزال على المستخدم العربي أن يبحث، وبالانجليزية، على تحديث (ad-on) لمتصفحه ليمكنه من دعم النطاقات العربية. ناهيك عن أن معظم متصفحات الانترنت على الأجهزة الخلوية لا تدعم النطاقات العربية. أيضا، خرجت دراسة بنتيجة أن ٩٢٪ من المواقع الاكترونية لا تزال لا تدعم النطاقات غير اللاتينية، فيظهر النص العربي في اسم النطاق ولكن عند نقله الى صفحة أخرى أو مشاركته على المواقع الاجتماعية يتحول الى أحرف غير مفهومة.

قد تكون أولى خطوات تعزيز الوجود العربي على الانترنت وتفكيك مركزية الشبكة هي الاستثمار بأدوات وخدمات ما قبل النطاقات والمحتوى، مثل محركات بحث ذات فهرسة متطورة للمحتوى العربي، تخدم الهواتف الخلوية. فعلى الرغم من ضخامة محرك جوجل واحتكاره للبحث إلا أنه لا يستطيع حتى الآن أن يجد النطاقات العربية المسجلة (جرب مثلا البحث عن “أسماء.شبكة”، النطاق العربي لموقع مسجل دوت شبكة).

نعم دوت شبكة هي خطوة ايجابية، ولكنها لن تعني الكثير للمواقع، الا اذا وجد المستخدم ما يسهل تبنيها. وقتها سيكون من المنطقي أن يقوم موقع محلي يروج لمنتوجات محلية مثل الجميد الأردني مثلاً بتسجيل نطاق آخره دوت الأردن، دوت شبكة، أو حتى دوت كرك ليسهل على المستخدم العربي إيجاده.

الصورة في الأعلى من موقع shutterstock

(1) للمزيد من المعلومات أنظر الى هذا الرابط  وهذا الرابط.