المثلية في القوانين العربية: نفي النفي ليس إيجابًا

الأحد 09 آذار 2014

من لبنان التي تحتضن واحدًا من أنشط المشاهد المثلية العربية إن لم يكن أنشطها على الإطلاق، خرج قبل أيام خبر فسّرته عدد من وسائل الإعلام على أنه بارقة أمل لانحسار القمع القانوني للمثليين والمثليات وثنائيي وثنائيات الجنس والمتحولين والمتحولات جنسيًا. فقد حكم القضاء اللبناني لصالح متحولة جنسيًا، بعدما تم الادعاء عليها “بتهمة” ممارستها الجنس مع ذكور.

هذا الحكم فُهِم في العديد من وسائل الإعلام كدلالة على تحول في تفسير القضاء اللبناني للمادة 534 من قانون العقوبات التي تنص على أن  “كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة”، والتي استخدمت مرارًا لتجريم العلاقات المثلية باعتبارها تندرج في خانة ما يخالف “الطبيعة”.

لا شك أن هذا الحكم قد يفتح بابًا أمام أحكام مشابهة، إلا أن اعتباره توجهًا فعليًا لإلغاء تجريم العلاقات المثلية مضلل ويعيد التذكير بمشكلة تتكرر عند النظر في القوانين العربية في قضايا المثلية الجنسية.

فالحكم جاء في إطار السلطة التقديرية للقضاة في تفسير المادة 534، أي أن استثناء العلاقات المثلية مما تصفه المادة بـ”مجامعة خلاف الطبيعة” لا يزال مرهونًا بوعي القضاة، دون أن يكون هناك أي بوادر حقيقية لعملية تشريعية في هذا الإطار تغلق الباب أمام استخدام المادة لملاحقة المثليين.

لكن الأهم من ذلك، هو ما تعيد القضية طرحه بخصوص فهم القوانين العربية حول المثلية، وفهم انعدامها. فالركيزة التي استند عليها القاضي ناجي الدحداح في حكمه هذا هو أن المتحولة جنسيًا ولدت بأعضاء تناسلية مشوهة وغير مكتملة وسجلت ذكرًا ثم أجرت عمليات لاستئصال العضو الذكري وزراعة رحم اصطناعي. هذه الحقيقة دفعته لاستثنائها من نفوذ المادة 534 لكون جنسها غير واضح عند ولادتها بالتالي لا يمكن اعتبار علاقاتها مع الذكور علاقات مثلية.

تُعطى القوانين العربية فائدة الشك لغياب التجريم الصريح، على الرغم من رصيد سيء في كل ما يخص الحريات الشخصية يجعل هذه الفائدة غير مستحقة على الإطلاق.

ما حدث على مستوى ضيق في هذا الحكم هو ما يتكرر على مستوى أوسع حين لا تملأ الفراغات بما هو متوقع (أن هذا الحكم لم يكن ممكنًا لو كانت القضية متعلقة بمثلي أو مثلية لا بمتحولة جنسيًا)، بل تُعطى القوانين العربية فائدة الشك لغياب التجريم الصريح، على الرغم من رصيد سيء في كل ما يخص الحريات الشخصية يجعل هذه الفائدة غير مستحقة على الإطلاق.

فبينما يواجه كل من يمارس علاقة مثلية قمعًا مقوننًا عبر أحكام بالإعدام في كل من السعودية واليمن وموريتانيا والصومال وأحكام مختلفة بالسجن في 11 دولة أخرى، تفسّر عدة منظمات حقوقية غياب قوانين تجرّم المثلية صراحة في أربع بلدان عربية بينها الأردن على أنه قوننة للعلاقات المثلية.

في هذه الصفحة التي تقدم مسحًا بالقوانين المتعلقة بحقوق المثليين والمثليات وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيًا، يقدم موقع ويكيبيديا تفسيرًا ساذجًا لغياب التجريم على أنه يجعل العلاقات المثلية “قانونية”. أكثر من ذلك، حين يتعلق الأمر بقوانين تجرّم ما تسميه “لواطًا” بالتحديد، تستثني ويكيبيديا المثليات من المعادلة لتعتبر العلاقات الجنسية بين المثليات مسموحة.

بحسب هذا التفسير السطحي (الذي اعتمدت فيه ويكيبيديا على هذا التقرير كمصدر أساسي لمعظم المعلومات عن العالم العربي)، فإن العلاقات المثلية ليست فقط قانونية في الأردن (والعراق والبحرين والضفة الغربية وجيبوتي)، بل إن السن القانوني للجنس الرضائي متماثل في العلاقات المثلية والغيرية. بينما يُسمح بعلاقات المثليات في قطر والكويت وقطاع غزة حيث لا يجرّم سوى “اللواط”.

تُقدم المؤسسات الحقوقية (الغربية بالدرجة الأولى) المعنية بقضايا المثلية مثل هذه التقارير متناسية إلى حد مضحك حقيقة في منتهى البداهة: القوانين العربية بتعميم كبير تنصاع إجمالًا لمحرمات مجتمعاتها. وحين تعبر هذه المجتمعات يوميًا عن عدائها للجنس (وخوفها منه)، فإن هناك حالة واحدة فقط ينجو فيها الجنس قانونيًا: بعد أن يتزوج ذكر وأنثى من نفس الدين.

لعل في هذه الحقيقة البائسة ما يثير التفاؤل، فهي توحد صراعات العديدين وتعيد التأكيد على أن مشاكل المثليين والمثليات لا تبتعد كثيرًا عن مشاكل كل من يطالب بالحريات الشخصية والحق في الجسد في العالم العربي.

 

  • Takwa

    هناك حالة واحدة فقط ينجو فيها الجنس قانونيًا: بعد أن يتزوج ذكر وأنثى من نفس الدين

    This line should be put on a public square for people to reflect on.