جنسية أمي حق “طبيعي” لي

السبت 08 آذار 2014

(نشرت هذه المادة على مدونة Cinnamon Zone بتاريخ ٤ آذار ٢٠١٤)

أتذكر بوضوح حديثاً دار بيني وبين سيدة مغربية قبل فترة، وأتذكر بوضوح ما شعرت به وهي تتحدث عن تفكيرها في العودة إلى المغرب مع أولادها الذين لم يزوروا المغرب قط ولكن يمكنهم الحصول على الجنسية المغربية بكل بساطة لمجرد أنّ أمهم مغربية. وأتذكر بوضوح أنني لم أشعر بالغيرة من دولة تعامل بناتها كمواطنات كاملات بقدر ما شعرت بالغيظ من أنّ تلك الفكرة البديهية نفسها ما زالت قضية تثير الجدل حيث أعيش، وتتطلب حملات حقوقية واعتصامات ومحاولات بائسة لإقناع مجموعة من المسؤولين بأنّ منح الرجل حق إعطاء جنسيته لأبنائه بغض النظر عن جنسية أمهم يقضي بالضرورة والمنطق منح الحق ذاته للمرأة التي لا تقل مواطنة ولا أردنية عنه.

ولعل المفارقة في الأمر إصرار المعارضين لمنح هذا الحق على خطورة إقرار ه خوفاً من دخول عناصر غريبة إلى نسيج المجتمع الأردني أو بالمعنى الدارج “أن يكون العريس داخل على طمع”، ذلك أنّ كل مواطن أردني على الأرجح خلال مرحلة ما من حياته عرف شخصاً ما شد الرحال إلى أمريكا باحثاً عن “بنت حلال” تؤمن له جرين كارد أو جواز سفر كندي – هذا إن لم يكن هو ذلك الشخص نفسه- لكن بالطبع يحق للأردني ما لا يحق لغيره، أو بالأحرى يحق للرجل الأردني ما لا يحق لغيره.

لكن في الحقيقة ليس هذا هو السبب الوحيد، أو على الأقل هذا ما استنتجته من التصريح “المذهل” الذي قرأته قبل أيام لأحد المسؤولين حيث يتساءل: “كيف يمكن لعاقل المطالبة بإعطاء الكوري المتزوج من أردنية حق الترشح للبرلمان؟”. مجرد قراءة هذا التصريح جعلتني أدرك أنّ المشكلة أعمق مما نتصور، المشكلة متجذرة المشكلة متجذرة في عقل الرجل العربي القبلي الذي يأبى إلا أن “ينزل ابنة عمه عن ظهر الفرس”، أو بمعنى آخر يرفض أن يزاحمه ىأحد فيما “يملك” كون المرأة ما زالت تعد من الممتلكات لدى البعض من رجالنا، سواءً كان ذلك على مستوى الوعي أو اللاوعي. كيف يمكن أن نسمح للكوري الغريب بالزواج من أردنية والدخول إلى القبيلة واستباحة مضاربها بل وقد يتجرأ ويطالب بأن يصبح عضواً في مجلس الأجواد أيضاً؟ بل وكيف تجرؤ امرأة من القبيلة أصلاً أن تفضل شخصاً من خارجها على أحد أبناء عمومتها؟ وطبعاً أبناؤها الذين ستنجبهم سيكونون ابناء الدخيل، الغريب، وهم بالتالي غرباء، فلا والله لا جنسية لهم ولو “طلعت عيونهم وعيون أمهم”.

ولو إني شخصياً أشك في أنّ المسؤول المذكور آنفاً كان يقصد الإخوة الكوريين بكلامه، إلا أنني سأجاريه وأفترض جدلاً أننا نتحدث عن أردنية متزوجة من كوري يرغب في الترشح للبرلمان الأردني، أو يرغب ابنه الكوري شكلاً وبحكم أصل الأب فقط لا غير بالترشح لمجلس الحكماء والعظماء المذكور. أولاً، أنا ليس عندي أي إحصائيات لكن بصراحة على المستوى الشخصي وخلال تسعة وعشرين عاماً على وجه الأرض لم أعرف امرأة أردنية متزوجة من رجل كوري، وإن وجد هذا الشخص فلا أعرف ما هي نسبة احتمال ترشحه لمجلس النواب. لكن ما علينا، فلنفترض جدلاً أن كل تلك الشروط اجتمعت في رجل كوري واحد. شخصياً، أعتقد أنني سأصوت له، وسأدعم وجوده في البرلمان لعدة أسباب منها:

أولا: المرشح الكوري لن يشتري ذمم الناخبين وأصواتهم بالمناسف والدنانير

 ثانياً: في حال وصوله إلى البرلمان، النائب الكوري لن يستغل منصبه لتوظيف أقاربه الكوريين في الوظائف والمناصب الحكومية

ثالثاً: على الأغلب أنّ النائب الكوري لن يشهر سلاحاً تحت قبة البرلمان

رابعاً: النائب الكوري يمكن انتقاد أدائه ومحاسبته بأريحية كونه لا يستند إلى “عزوة” قد تحول الموضوع إلى ثأر ومسألة شخصية (مقطوع من شجرة)

لكن إن نسينا الافتراضات الجدلية وعدنا إلى الواقع سنجد أن المرأة الأردنية حين تطالب بمنح جنسيتها لأبنائها فهي على الأرجح لا تفكر في أن تراهم يوماً نواباً في البرلمان أو أعضاءً في الحكومة (أيّ أم قد تتمنى لابنها مثل هذا المصير؟) المرأة الأردنية حين تطالب بحق منح جنسيتها لأبنائها هي في الواقع تطالب بحقها في المساواة بالرجل الذي أسهمت بقدره في بناء هذا البلد، تطالب باعتبارها مواطناً كاملاً بغض النظر عمن تختار الارتباط به وعدم جعل ذلك مجالاً للانتقاص من مواطنتها أو التشكيك فيها أسوة بالرجل. هي تطالب بحق أبنائها في أن يكبروا ببلد يعترف بهم، ذلك البلد الذي علمتهم أن يحبوه قبل أن يدركوا أنه يصنفهم كغرباء عنه. إنها تطالب بحقهم في أن هوية ثابتة واضحة، انتماء لبلد ربما لم يعرفوا غيره، تطالب بحقهم في أن يكونوا أردنيين على المستوى الرسمي، طالما هم أردنيون على جميع المستويات الأخرى.