خارج الهامش: عن الصحة الجنسية للنساء العربيات

الأحد 20 نيسان 2014

أن تتحدث عن الصحة النفسية للنساء يعني أن تتجاوز بالضرورة تصورهن ككائنات أحاديات الأبعاد لتنظر إلى تركيبهن النفسي المعقد. وأن تتحدث عن الصحة الجنسية للنساء يعني أن تعترف بموقع الجنس في سايكولوجيا النساء، أن تعترف برغباتهن وبممارساتهن وبكل ما سُلّم بأنه ليس واردًا في حياتهن.

الحديث عن هذه الحقيقة البشرية البسيطة حول موقع الجنس في حياة المرأة وأبعاده النفسية والصحية يشبه في “حساسيته” تفكيك قنبلة. لهذا السبب، اتخذ مركز جامعة كولومبيا الشرق أوسطي للأبحاث في عمان تعبير “كسر المحرم” عنوانًا لجلسة حول صحة النساء الجنسية ضمن ندوة حول الصحة النفسية للنساء في العالم العربي، استضافها الأسبوع الماضي.

ثلاث باحثات من لبنان وتونس والبحرين قدمن دراساتهن حول صحة المرأة الجنسية من ثلاثة مناظير مختلفة، شكلت في مجموعها صورة لواقع الصحة النفسية والجنسية للنساء العربيات المسكوت عنه بوصفه أمرًا ثانويًا غير طارئ بالضرورة، أو في أحسن الأحوال ملحقًا بصحة “الأسرة” التي يبدو أنها الإطار الوحيد الذي يعطي صحة وسلامة المرأة النفسية والجنسية معنى وقيمة.

وليس أدل على ذلك من تغطية الصحافة الأردنية للندوة. فالصحف اليومية الثلاث الرأي والدستور والغد نقلت عن وكالة الأنباء الرسمية (بترا) خبرًا أشارت فيه إلى الندوة بعنوان خاطئ هو “الصحة النفسية ومدى تأثيرها على الأسرة”، بدلًا من عنوان “الصحة النفسية للنساء في المنطقة العربية” الذي اعُتمد للندوة. فضلًا عن أن الخبر اقتصر على أجزاء من كلمة وزيرة التنمية ريم أبو حسان التي افتتحت الندوة، مهملًا كامل ما دار فيها من نقاش.

مقاومة الشفاء

MentalHealthSymposiumإلهام عطالله، أول طبيبة متخصصة في الطب الجنسي في البحرين قدمت خلال الندوة نتائج دراسة أجرتها مع مرضاها في عيادة الأمراض التناسلية الأولى في البحرين التي تديرها.

لعل أبسط نتائج الدراسة هو أحد أهمها. فخلال السنة الأولى من عمل العيادة، 36 بالمئة فقط من المرضى كانوا نساءً، ما أشار بحسب عطالله إلى أن مجرد الاعتراف بمعاناة بعض النساء من اضطرابات جنسية تحتاج المعالجة ما زال غير متحقق. فوق ذلك، تقول عطالله إن فكرة المشورة الطبية الجنسية كسبيل للتعافي كانت أمرًا غير مقبول حتى لو كان البديل الوحيد استمرار المشكلة.

بحسب الدراسة، فإن الاختلال الجنسي الأنثوي (FSD) الذي غالباً ما يتمثل في ضعف الشهوة أو الاستثارة الجنسية لدى النساء كان أكثر التشخيصات تكررًا في عيادة الأمراض التناسلية في البحرين، بنسب إصابة تتراوح بين 25% و63% للأشكال المختلفة من هذا الاضطراب. إلى جانب ذلك، كان اضطراب الرغبة الجنسية المفرطة، والتشنج المهبلي، واضطراب الهوية الجنسية من بين التشخصيات التي سجلها طاقم العيادة بين المريضات.

وتقول عطالله إن واحدة من الاستراتيجيات التي تتبعها العيادة لرفع الوعي بهذا الاضطرابات وتحسين نوعية الرعاية الصحية المقدمة بشأنها هي تدريب من يقدمون هذه الرعاية، الذين في العديد من الحالات لا يكونون أنفسهم على علم كاف بها.

لا مكان للجنسانية في الحيز العام

عن التقاطع بين البيولوجي والاجتماعي، قدمت الباحثة والطبيبة النفسية التونسية أحلام بلحاج دراسة فريدة حول السلوك الجنسي للنساء في تونس التي ما زال قانون العقوبات فيها يعد الجنس أمرًا محصورًا في إطار الزواج.

“بعد الثورة باتت حرية التعبير في تونس أمرًا لا تراجع عنه، وأصبحت المطالبة بالعديد من الحقوق واضحة، إلا أن مسائل الجنسانية ظلت مستثناة”، تقول بلحاج حول انعدام النقاش المفتوح بشأن السلوك والصحة الجنسيين للتونسيات. ورغم أن نسبة رفض تعبئة استبانة الدراسة بلغت 2.8% فقط من المستبينات، إلا أن نسبة عالية من البقية أتممن الاستبانة بصعوبة بعد نقاش مع الباحثة.

بطبيعة الحال، استهدفت الدراسة لموضوعها النساء النشيطات جنسيًا. من هؤلاء، 96% كنّ متزوجات، ولعل هذا ما يجعل العديد من النتائج اللاحقة أكثر إثارة للاهتمام والقلق أحيانًا، لما لها من دلالات حول ضعف فهم النساء لجنسانياتهن وتصالحهن معها حتى داخل إطار الزواج. على سبيل المثال، من بين مجموع المستبينات في الدراسة، أكثر من 71% لم يعرفن تركيب الأعضاء التناسلية الأنثوية.

في سؤال متعدد الأجوبة حول غايات النساء المشاركات في الدراسة من ممارستهن الجنس، قرابة 62% أجبن بأنهن يمارسنه بدافع الواجب، بينما أجابت 38% منهم بهدف المتعة، و21% لإنجاب الأطفال. هذه النتائج جاءت متسقة مع إجابة أكثر من نصفهن بأنهن لا يشاركن أزواجهن أو شركائهن بنشاط في الممارسة الجنسية.

ورغم أن 62% منهن أجبن بأنهن راضيات عن ممارساتهن الجنسية، إلا أن نصفهن أجبن في الوقت ذاته بأنهن نادرًا ما يصلن للنشوة الجنسية أو لا يصلنها مطلقًا، لتجيب 67% منهن بأنهن يتظاهرن بالوصول للنشوة.

مقابل هذه النتائج حول الممارسة ذاتها، جاءت النتائج المتعلقة بالنظرة تجاه العذرية بلا مفاجآت. فقرابة 88% من المستبينات رأين في الحفاظ على العذرية واجبًا اجتماعيًا أو دينيًا، ووجدتها 7% منهن شرًا لا بد منه، بينما أجابت 4% بأن العذرية تشكيل ذكوري أو وصمة يجب تجاوزها.

رياح جديدة

أما في لبنان، أظهر بحث أشرفت عليه أستاذة علم النفس في الجامعة الأمريكية في بيروت، بريجيت خوري، مؤشرات تحول في تصورات الشباب نحو العذرية والجنسانية عمومًا. ففي دراسة حول الصحة التناسلية للشباب العربي، أجاب أكثر من نصف المبحوثين الذين كان معظمهم طلاب جامعات بأنهم لا يرون في العذرية مسألة ذات قيمة، بينما أفادت 45% من المبحوثات بأنهن نشيطات جنسيًا.

لكن، مع نسبة 80% من المشاركين في الدراسة من لبنان، يصعب تعميم نتائج الدراسة على الشباب العربي، وهو ما أكدته خوري لحبر. “المنصات التي وضعت عليها الاستبانة للشباب قد تكون ساهمت في هذه النتائج”، تقول خوري مشيرة إلى أن بعض المنتديات الإلكترونية التي عممت فيها الاستبانة مثل موقع “نسوية” و”Trans Hits” كانت متحمسة للدراسة لتوافق موضوعها مع اتجاهها. إلا أن خوري أكدت أيضًا أن النسبة الأكبر من المبحوثين حُوّلوا إلى الاستبانة عبر صفحات الجامعات اللبنانية على الفيسبوك، وهو ما دفعها للقول بأن النتائج تعبر “الشباب اللبناني الجامعي” فحسب.

بالحد الأدنى، تقول خوري أن نتائج الدراسة عبرت عن ميل مختلف للشباب اللبناني عن الجيل الذي سبقه في قضايا الجنس والجنسانية. “الشباب إجمالًا في لبنان متقبل بدرجة كبيرة للمثلية الجنسية. إنها ليست مشكلة كبيرة لهم إن كان أصدقاؤهم مثليين، رغم أن هناك قانونًا ضد المثلية في لبنان. هذا الأمر يبعث على الأمل”.

إلا أن نقل هذا الميل من أروقة الجامعات إلى مستوى صناعة السياسات المتعلقة بالصحة الجنسية في لبنان ما زالا بعيد المنال. فالأكاديميا بحسب خوري “في مكان والتطبيق في مكان آخر، والأبحاث عندنا لا تقود إلى خلق سياسات للأسف”. لكن الحديث عن الصحة والحقوق الجنسية هي الخطوة الأولى بحسب خوري للدفع بهذا الاتجاه.