ثلثا الأردنيين يمولون تلفزيون لا يشاهدونه

الخميس 17 نيسان 2014

تمكنت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردني هذا العام من انتزاع قرابة 26 مليون دينار لتسجل أعلى موازنة لها وبأعلى نسبة ارتفاع، مقارنة بالسنوات الخمس السابقة التي تراوحت فيها موازنة المؤسسة بين 16-21 مليون دينار.

اللافت أن ارتفاع نسبة الدعم الحكومي للمؤسسة هذا العام بزيادة عن العام الماضي بين عامي 2013 و2014 وصلت إلى 2%، في حين أن نسبة زيادة إيرادات الموازنة العامة لعام 2014 مقارنة بعام 2013 تقدر بـ1%. فهل أظهر أداء المؤسسة تحسنا من ناحية إدارتها للدعم المالي وجودة إنتاجها ورضى جمهورها عنها، يبرر زيادة الدعم الحكومي؟

نظريا، تعتمد موافقة الحكومة وإقرار البرلمان للموزانة السنوية التي تطلبها المؤسسة على الخطة الاستراتيجية المرفقة مع الموازنة، بالإضافة إلى حدود الموازنة العامة للحكومة والأوضاع الاقتصادية في البلد.

عمليا، فإن الخطة المرفقة مع موازنة 2014 هي ذاتها الخطة التي وضعتها المؤسسة لنفسها في عام 2008 وكان آخر تحديث لها في عام 2011 وتغطي الفترة الزمنية من 2011-2015. وبذلك لم يجر تحديث مؤشرات قياس الأداء، وتحديدا نسب مشاهدة التلفزيون الأردني، ولم تعدل الأهداف لتواكب التغيرات في احتياجات مشاهدي التلفزيون الأردني والمستجدات في قطاع التلفزة في الأردن.

تظهر التغيرات في نسب مشاهدة الأردنيين للقنوات التلفزيونية المحلية، في مسوح شركة ابسوس ستات الأردن للدراسات والأبحاث التسويقية لعامي 2012 و2013، والمنشورة في مواقع صحيفة الدستور، سرايا، الحقيقة الدولية، خبرني، زاد الأردن.

01-01

الملاحظة الأولى تسجل على التضارب بين “نسب مشاهدة المواطن الأردني للتلفزيون الأردني مقارنة مع المحطات الأخرى”، كما وردت في خطة الموازنة، 65% في عامي 2011 و2012، و67% في 2013، و75% في 2014، وبين النسب التي صرح بها مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، رمضان الرواشدة، استنادا إلى مسوح ابسوس الخاصة بالتلفزيون الأردني، وفيها أن نسبة المشاهدة في 48% في رمضان 2012 و42% في عام 2011، علما أن نسب المشاهدة في رمضان هي الأعلى على مدار العام.

نسبة مشاهدة التلفزيون الأردني خلال العامين الأخيرين تزيد قليلا عن ثلث دافعي رسوم التلفزيون، أي أن الثلثين المتبقيين يدفعون لتمويل التلفزيون ولا يشاهدونه. كما أن موازنة المؤسسة تزيد عما تحصله الخزينة العامة من الضريبة الشهرية للتلفزيون والمفروضة على فاتورة كهرباء كل منزل أو شركة، وبذلك تزيد على 14 مليون دينار سنويا، حيث أن عدد الأسر الأردنية وصل إلى 1,173,000، وفقا لتقرير دائرة الاحصاءات العامة لعام 2012.

وإن كانت نسبة مشاهدة التلفزيون الأردني ثابتة إلا أن تأثيرها على الجمهور يقل تدريجيا بزيادة جمهور الفضائيات المحلية الأخرى. فيظهر تلفزيون الحقيقة الدولية كمنافس على الشأن المحلي، السياسي والإخباري، على مدار العام. وفي رمضان يرتفع جمهور قناة رؤيا ليزاحم التلفزيون الأردني على ذروة المشاهدة وجني الإعلانات. وهنا تجدر المقارنة بين موازنة رؤيا السنوية التي لا تتجاوز المليون ونصف المليون مقابل 32 مليون للتلفزيون الأردني.

وبظهور محطات تلفزة محلية تقدم نشرات إخبارية محلية وبرامج حوارية سياسية واقتصادية واجتماعية، لم يعد التلفزيون الأردني متفردا بالشأن المحلي. قبل دخول فضائيات أردنية مثل الحقيقة الدولية، رؤيا جوسات، في المنافسة على المشاهدين في الأردن، لم يكن من الصعوبة التنافس مع الفضائيات العربية التي لا تلبي حاجة المواطن الأردني في معرفة شؤونه المحلية.

دعم متزايد وأداء ثابت

قد يكون حفاظ التلفزيون الأردني على المرتبة الأولى في نسبة المشاهدة، لغاية الآن، مبررا للحكومة في استمرار دعمها. لكن ذلك لا يعفيها من مراقبة أداء مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في إدارة الدعم المتزايد سنويا.

نتتبع لاحقا موازنات مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية لستة أعوام (2009-2014) كما جاءت في قانون موازنة الوحدات الحكومية لعامي 2013 و2014.

03-01

 من الأرقام أعلاه يمكن استخلاص أن الإيرادات الذاتية للمؤسسة تغطي 20% من إجمالي نفقاتها في حين تغطي الموازنة العامة النسبة الأكبر (80%). وهي نسبة ثابتة خلال السنوات الست، فقيمة إجمالي النفقات تزيد بزيادة قيمتي الإيرادات الذاتية والدعم الحكومي. وبالتالي لم تظهر المؤسسة تحسنا في أدائها من ناحية اعتمادها على الدعم الحكومة.

ثبات نسبة الإيرادات الذاتية للمؤسسة يتناقض كذلك مع نسبة ارتفاع دعم النفقات الرأسمالية بين موازنتي 2013 و2014، (38%) وهي الأعلى بين إيرادات المؤسسة. ففي حين حصلت المؤسسة على قرابة 11 مليون دينار كدعم لنفقات رأسمالية يفترض أن تستثمر في مشاريع تجلب عوائد ترفع من نسبة إيرادات المؤسسة الذاتية، تعد المؤسسة بـ 6,5 مليون دينار فقط كعوائد تساهم في تغطية نفقاتها.

خطة المؤسسة تنتهي بانتهاء العام القادم. لكن لم نشهد لغاية الآن تطويرا في التلفزيون يستحق 40 مليون دينار هي مجموع الدعم الحكومي للنفقات الرأسمالية المقدم للمؤسسة خلال السنوات الأربع (2011-2014). والسبب يتضح عند النظر إلى البنود المدرجة تحت النفقات الرأسمالية، وهي مزيج من مشاريع تطوير وأجور موظفين وأجور بث، كان الأولى إدراجها تحت النفقات الجارية، مثل بث القناة الفضائية الى اوروبا وامريكا واستراليا وبث القناة الفضائية على القمرين عربسات ونايل سات، بكلفة سنوية تقارب المليوني دينار، وبند أجور تحت مشروعي إدارة برنامج التلفزيون وادارة برنامج الاذاعة، مليونين سنويا، بالإضافة إلى عربات النقل الخارجي التي يرصد لها سنويا مليون دينار.

تغول كلف الأجور في النفقات الجارية يظهر في جميع موازنات السنوات الست 2014 ، وتتضمن الرواتب، المكافآت، العلاوات، مساهمات الضمان الاجتماعي، التقاعد والتعويضات. وتتراوح بين 11 – 13 مليون دينار، وبنسب 60% – 73% من مجموع النفقات الجارية.

02-01

وفي الأثناء، تتعالى شكاوى مدراء مؤسسة الإذاعة والتلفزيون المتعاقبين، من الترهل ونقص الكفاءات. آخرها كانت تصريحات المدير العام الحالي، رمضان رواشدة، عن أن المؤسسة “تعاني من الترهل حيث يوجد نحو 1800 موظف وتفتقر الى كفاءات فنية في عدة مجالات”.

والمؤسسة، كبقية المؤسسات الحكومية، من دخلها فهو آمن من الإقالة، بغض النظر عن الكفاءة، الجهد، أو حتى التواجد في مكان العمل. فمن العاملين في المؤسسة من يعترفون، ولكن ليس للنشر، عن أنهم لا يصلون المؤسسة سوى لاستلام أجورهم في نهاية الشهر، ومنهم من يعمل يوم أو يومين أسبوعيا في حين يتقاضى أجر موظف بدوام كامل.

والحل كما تراه إدارات المؤسسة، المطالبة بمزيد من الدعم الحكومي. وبالفعل تستجيب غالبية الحكومات من دون مراجعة ومحاسبة المسؤولين في المؤسسة عن إدارة المال العام.

قد تكون موازنة التلفزيون الأردني أقل من موازنات قنوات أخرى غير محلية، وهو ما يبرر الضعف الفني من صفاء الشاشة والديكورات والكاميرات وغيرها، لكنه لا يبرر ضعف مضمون البرامج ومعديها. وإن كانت جهود تدريب وتأهيل الكادر الإعلامي لم تجد لماذا لا تستغل مخصصات بعض بنود الموازنة للاستعانة بكفاءات من خارج المؤسسة.

فمثلا، في الموازنة بند الموظفين بعقود ويرصد لهم 430 ألف دينار، تضاف إلى بند نفقات أخرى متنوعة (المساهمات، البعثات العلمية والدورات التدريبية، مكافأت لغير الموظفين) ويخصص لها 270 ألف، والمجموع 700 ألف دينار سنويا يمكن لإدارة المؤسسة توظيفها لرفد التلفزيون بالكفاءات اللازمة. مبلغ يمكن أن يكفي لتشغيل 80 صحفي ومعد/مقدم برامج، متوسط أجورهم 730 دينار شهريا. ويتحقق بذلك أحد أهداف تطوير المؤسسة وهو زيادة نسبة الصحفيين مقارنة بالإداريين والفنيين، والذين لا تتجاوز نسبتهم لغاية الآن 30% وفقا لخطة الموازنة.

وبالإمكان أيضا دمج غرفتي أخبار التلفزيون والإذاعة وفرق إعداد وتقديم البرامج، أو على الأقل المراسلين الميدانيين. بحيث يقوم نفس المراسل بتقديم رسالة تلفزيونية وإذاعية في نشرتي الأخبار، وقد يقوم نفس المحرر بتحرير نشرتين. ونظام (media convergence) مطبق دوليا في المؤسسات أو الشبكات الإعلامية التي تبث عبر أكثر من وسيلة إعلامية، مثل تلفزيون وإذاعة وموقع إلكتروني البي بي سي أو مثيلاتها في دول أخرى.

لكن الكفاءة البشرية ليست العامل الوحيد في تحديد جودة مضمون برامج التلفزيون الأردني. فلو توفر 80 إعلامي كفؤ هل سيتمكنون من العمل في تلفزيون وُجد لينطق باسم الحكومة ويجمل صورتها. والآلية لتحقيق الهدف تأمين المواقع الحساسة في التلفزيون كمدراء ومحرري قسم الأخبار بالدرجة الأولى ويليها قسم البرامج حيث هامش الاستقلالية عن الحكومة يرتفع قليلا، وإن شكليا.

من تماثلي إلى رقمي

من أهم مشاريع تطوير التلفزيون الأردني تحول القناة الأرضية من نظام البث التماثلي إلى البث الرقمي، والذي رُصد له في الخطة 7,3 ملايين لن تغطي كامل كلفته التي قد تصل إلى أكثر من 20 مليون دينار، هي كلفة تغيير كامل معدات التلفزيون. ولتخفيض الكلفة يمكن اشتراك أكثر من محطة في نفس الشبكة. لكن التلفزيون الأردني هو المحطة الأرضية الوحيدة في الأردن لغاية الآن.

عملية التحول إلى الرقمي توفر للتلفزيون قوة في البث وتوفير في الطاقة. كما يمكن استقبال الاشارة عند الحركة في المركبات والحافلات اضافة الى استقبالها عبر اجهزة المحمول، كما وتتيح امكانية ارسال واستقبال البيانات والخدمات التفاعلية، بالإضافة الى الجودة العالية في الصورة والتي تصل الى نظام HD.

وإمكانية استخدام أكثر من قناة للتردد ذاته، يمنح استغلالا أمثلا لطيف الترددات. وبذلك لن يكون التلفزيون الأردني المستفيد الوحيد من مشروع نظام البث الرقمي، بل مشروعا وطنيا يؤمن وفرة في الترددات يمكن استخدامها في قطاعات اخرى. فلما لا تتشارك الحكومة مع القنوات الفضائية الخاصة لتتحول جميعها إلى البث الرقمي وتنعم بميزات النظام الجديد وبكلفة أقل؟

والبديل عن ذلك أن تتحمل الكلفة خزينة الدولة العاجزة، ما يعني المزيد من رفع الضرائب ورفع الدعم الذي يتحمله المواطن. وللبت في ذلك أمام الأردن مهلة حتى عام 2015، تماشيا مع خطة التحول من البث التماثلي إلى الرقمي، التي وضعها الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية لأعضائه، ومنهم الأردن. وبعد انتهاء المهلة لن يكون بمقدور وزارة الاتصالات حماية المحطات الارضية المحلية وتردداتها على الشبكة والتشويشات التي تتعرض لها.

وفي حال أنجز التلفزيون الأردني مشروعه الرقمي فالنتيجة ستكون شاشة أوضح، تردد أقوى وبرامج أكثر. لكنه لن يضمن تحسنا في مضمون برامج التلفزيون الأردني.

دعاية حكومية غير متقنة

للحكم على مضمون برامج التلفزيون الأردني فإن خطة المؤسسة وأهدافها هي المعيار. وتستند على “الرؤية” التي تهدف إلى “تقديم اعلام وطن هادف يكرس حرية التعبير والرأي الاخر ضمن اجواء قائمة على الاستقلالية والحرية المسؤولة والتعبير عن الوطن بكافة فئاته واطيافه وعكس ارادته وتطلعاته اضافة الى ممارسة الاداء الاعلامي بصورة تستند الى الاحتراف المهني والتميز والمسؤولية”.

وبالعودة إلى نشرات الأخبار الرئيسية التي تبث في الساعة الثامنة من مساء كل يوم، التي تشكل أعلى نسبة مشاهدة بين برامج التلفزيون، يظهر الاختلاف بين المكتوب والواقع. ثلاث نشرات رصدت في أيام (14، 16، 17 شباط)، تزامنت مع فترة كتابة التقرير، لم تف بما وعدت به “الخطة”.

تلتزم نشرات أخبار التلفزيون الأردني بترتيب الأخبار حسب مناصب الأشخاص وليس على أساس أهمية الخبر وصلته بالجمهور. فتصدر نشرة أخبار 16 شباط تقرير مدته 8 دقائق بعنوان عريض “جلالة الملك والرئيس الأمريكي يعقدان مؤتمر قمة”، لحدث مهم، لكنه لا ينقل سوى تصريحات بروتوكولية لا تكشف شيئا عن مضمون الزيارة، وتعاد في اليوم التالي في تقرير أطول.

تلاه تقرير مدته 11 دقيقة بعنوان “النسور: الاردن استطاع ان يحقق انجازات مبهرة”، خصصت 8 منه لكلمة رئيس الوزراء خلال حفل اللقاء السنوي للجمعية الاردنية الالمانية للأعمال، والتي لم يتجاوز مضمونها عما جاء في عنوان التقرير. وثالثا جاء التقرير الأهم والأقصر والذي كثف إلى اختزل كافة اجتماعات لجان وقرارات مجلسي الأعيان والنواب في أسبوع.

ويتكرر مثال ترتيب الأخبار المستند على أهمية الأشخاص وليس تأثيرها على الجمهور، في تقارير النصف الثاني من النشرة. فجاء أولا “احتفالات عشائر بني صخر في الموقر بعيد ميلاد الملك”، تلاه “تخريج ووداع سرايا الشرطة المشاركة في حفظ السلام في مديرية درك المهام الخاصة”، وحل أخيرا تقرير عن “قضاء المريغة في معان يعاني من مشاكل في البنية التحتية ونقص الخدمات“.

ولكي لا تعلو التوقعات من التقرير الأخير يجدر التنويه إلى أنه لم يحمل الحكومة أي مسؤولية عن المشاكل المشار لها في التقرير، وختم معد التقرير، متحدثا باسم المواطنين، أنهم “طالبوا الشركات الخاصة في المنطقة بالقيام بدورها تجاه المجتمع المحلي بإيجاد فرص عمل وإقامة المشاريع الإنتاجية ودعم مؤسسات المجتمع المحلي”، وأنهى بسؤال مفتوح أمام المجهول: “هل نرى في القريب العاجل حلولا جذرية لهذه المشاكل؟”. وفي نشرة اليوم التالي قدم نفس المعد تقريرا دعائيا عن جولة وزير الصحة في المراكز الصحية في البادية الجنوبية (الحسينية، المحمدية والمريغة).

من أصل ساعة هي مدة نشرة أخبار 17 شباط عُرض تقرير مدته 20 دقيقة عن اختتام زيارة الملك للولايات المتحدة والمكسيك. قد تكون الزيارة بالغة الأهمية لكن التقرير الطويل جدا، وكأنه برنامج خاص، لم ينقل أي معلومة جديدة، فالتقرير مكون من مقاطع إنشائية دعائية طويلة على لسان معدة التقرير وتسجيلات من تصريحات بروتوكولية للملك والرئيس أوباما. وعن زيارة المكسيك خصصت 6 دقائق صامتة تماما سوى موسيقى السلامين الملكي الأردني والوطني المكسيكي.

وفي النشرة تقرير آخر مدته 7 دقائق وآخر مدته 3 دقائق، ففي النشرة لا يوجد معيار لطول التقارير. التقرير الطويل عن “فعاليات أردنية تعبر عن غضبها من مقترحات في الكنيست لنزع الرعاية الأردنية عن المقدسات”، بدا متعددا من ناحية صوت معارض وصوتين مواليين وآراء مواطنين، لكنه في الحقيقة لم يقدم سوى رأي واحد يشيد بدور الهاشميين التاريخي في حماية المقدسات.

وفي النصف الثاني من النشرة عرضت أخبار سريعة وتقارير قصيرة نسبيا (3 دقائق كما في القنوات الأخرى)، دعائية عن نشاطات الحكومة ووزرائها. آخرها كان الأكثر تناقضا مع “رؤية” مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، حيث أعده وقدمه نقيب في مديرية الأمن العام عن مشروع تطوير قدرات التعامل مع الجرائم الالكترونية. فكيف تكون الاستقلالية في نشرة أخبار يغطي فيها الحدث صانع الحدث نفسه.

وخلافا للتلفزيونات الأخرى، الخاصة والعامة، ليس في نشرات أخبار التلفزيون الأردني مقابلات مباشرة على الهواء، فالنشرة بالكامل معدة مسبقا لإحكام الرقابة على كل ما يقال فيها، بما في ذلك تصريحات الوزراء والمسؤولين. المقابلات الحية مسموح بها فقط في برنامج “ستون دقيقة” الذي يمكن اعتباره مساحة حرة لرؤساء وأعضاء الحكومات، مجالس الأعيان والهيئات الملكية والحكومية. ففي جمعتين متتاليتين (7 و14 شباط) استضاف البرنامج رئيس وزراء أسبقين، طاهر المصري ومعروف البخيت، للحديث عن نفس الموضوع (دور الأردن في القضية الفلسطينية)، وضعت له مقدمة البرنامج عناوين عريضة وتركت لضيفها في كل حلقة الحديث مع مقاطعات محدودة للتأكيد على ما يقوله.

مجرد أمثلة لسياسة تحريرية تُرسخ تغطية إخبارية غير مستقلة وضعيفة مهنيا وتُلزم باختيارات لا “تعبر عن إدارة وتطلعات فئات الوطن”، ولا تتميز عن بقية وسائل الإعلام التي تنقل حرفيا ما تنشره وكالة الأنباء الرسمية “بترا”.

قانون يتعارض مع بث الخدمة العامة

لو ظهر مدير دونكيشوتي لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون، كما حدث مرة أو اثنتين، لن تدوم محاولات التغيير في ظل القانون الحالي للمؤسسة الذي ينص على أن مجلس إدارة المؤسسة يضع الخطط اللازمة لتمكين المؤسسة من تنفيذ أعمالها، بما فيها الخطة العامة لبرامج المؤسسة ودوراتها البرامجية، بما يتفق مع السياسة الإعلامية المقررة والخطط الوطنية الإعلامية للدولة.

ووفقا للقانون فإن المؤسسة جزء من هيكلية الحكومة، ويديرها مجلس إدارة مكون من تسعة أعضاء، يعينون بقرار من مجلس الوزراء، بل ويمكن أن يرأسه وزير. ويعتبر العاملون في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، من إعلاميين، فنيين وإداريين، موظفين حكوميين من الفئة الأولى أو بعقود وذلك وفقا لنظام يصدر لهذه الغاية.

وموازنة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون يقرها مجلس الوزراء. وأحد مصادر تمويلها الموازنة العامة للدولة. كما تحتاج المؤسسة لموافقة مجلس الوزراء على الهبات والمساعدات التي تقدم إليها. وبذلك يفقد التلفزيون استقلاليته عن الحكومة، خلافا للنماذج المختلفة لبث الخدمة العامة التي تكتسب استقلاليتها إما ماليا، إداريا، تحريريا، أو جميعها معا. فمثلا نموذج هيئة البث البريطانية تعتمد في تمويلها على تحصيل رسوم مباشرة ممن يشاهدون المحطة فقط، أي أن من لا يشاهدها لا يدفع وبالتالي يعتمد بقاء المحطة على رضى الجمهور عنها، وليس على رضى الحكومات.