السيسي رجلنا

الخميس 29 أيار 2014

بقلم شيرين صيقلي

*نشر هذا المقال بالإنجليزية على موقعي مدى مصر وجدلية في 26 أيار الحالي.

على مدار اليومين المقبلين سينزل بعض المصريين إلى الشوارع في تعبير انتخابي فارغ عن الإرادة الوطنية. سوف “يختارون” بين حاكم مصر الحالي ورئيسها المقبل، المشير السابق عبد الفتاح السيسي، ومنافسه غير المقنع، حمدين صباحي. بعضهم سينزل إلى الشوارع ليصوّت لما “بُشّر” به: السيسي ولا أحد غيره. وفي ظل التدمير المتواصل والعنيف لأي مشهد سياسي، سيعتكف البعض الآخر في منازلهم.

مهما اختاروا أن يفعلوا في اليومين القادمين، فإن غالبية المصريين قد اختبروا نوعاً جديداً من عبادة الشخصية خلال العام الماضي. بالنسبة للبعض كان هذا كرنفالاً يعد بتحقيق شعار يميني صعب المنال هو “الأمن” و”الاستقرار”. أما بالنسبة للبعض الآخر فإن ما شهدوه كان مستوى متدنيًا من الهجوم البصري والسمعي.

الكتّاب والمغنّون وإعلاميوالدعاية رفعوا السيسي عاليًا وقدّموه على أنه حبيب مصر ذو الكاريزما الساحرة. في العام الماضي، تدفق أتباعه العاشقون وراءه بوصفه “الراجل” الحقيقي الذي أطاح بذئب الإخوان المسلمين السيء. مقتل مئات المصريين وجرح الآلاف على أيدي قوات الأمن في ميداني رابعة العدوية والنهضة في أغسطس ٢٠١٣ لم يزعزع مكانته الرجولية، بل عززها في العديد من الدوائر. في نهاية المطاف، الإسلاميون كانوا “إرهابيين”، وكان من شأن ‪  تلك الوصمة المشؤومة أن تصبح أداة بالغة الأهمية لاستبعاد جماعة الإخوان المسلمين من كل ما هو “مصري” ومن الإطار الأساسي للمواطنة. ولعل هذا يفسر مرور حكم الإعدام الجماعي على ١٢١٢شخص بدون الكثير من الغضب الشعبي.

في أغسطس ٢٠١٣ وبعد تفرقة اعتصام رابعة، أصرّ عدد من شخصيات النظام القديم ومجموعة كبيرة من الليبراليين إضافة إلى العديد من الأدباء والمثقفين أن هذا التفريق الدموي كان انتقالاً ضرورياً للسلطة. فعل السيسي ما توجّب فعله و”تسلم الأيادي“.

لقد كان هذا “عرساً أحمر” من نوع ما، وكل عرس يحتاج عريسًا. ضيف الشرف كان رجلنا السيسي. بصوته المنخفض ومن خلال نظاراته الداكنة يلعب السيسي عدّة أدوار في نفس الوقت: مفسّر الأحلام، والنبي الموعود، والمخلّص. إنه اليد المنتصرة التي تقود. إنه الرجل الذي يمتلك عاطفة لا حدود لها تجاه شعب مصر. إنه الأب، والزوج، والابن. هو عبد الناصر، وهو السادات. إنه رجل الماضي ورجل المستقبل في آن واحد. إنه “بلدي” لكن ليّن. إنه قوي. إنه متديّن. إنه رجل الرجال.

لكنه أيضاً رجل النساء. على المرء أن يعاني من فقدان مؤقت للذاكرة حتّى يصدّق هذا الجانب من شخصيته. في آذار ٢٠١١ كان السيسي ملك فحوص العذرية.  يبدو وكأنه البارحة اليوم الذي دافع فيه السيسي عن منطقه الدائري المتوحش في أن امتهان أجساد النساء هو الطريقة الوحيدة لحماية الجيش من تهمة امتهان أجساد النساء.

لكن السيسي وطاقمه أثبتوا قدرة كبيرة على التعافي. تضمّنت أول مقابلة تلفزيونية معه حديثًا مطوّلاً عبّر فيه السيسي عن “ذهوله” بدرجة “الوعي” الذي تتمتّع به النساء المصريات،  معتمدًا على أرشيف كبير من الصور والكلمات التي تصوّر مصرعلى أنها امرأة. طلبة التاريخ لن يجدوا أي جديد في هذا. صورة “مصر كامرأة” طالما كانت القوة الدافعة في البحث عن الازدهار الوطني ومتطلبّاته الإنتاجية والإنجابية في القرن الماضي على الأقل. يبني السيسي على هذا التقليد من خلال تشكيل المرأة المثالية بالنسبة له. إنها مقتصدة لكن أنيقة. “توفر الكهرباء من خلال المرور على غرف المنزل وإطفاء الأنوار“. محبّة لكن حازمة. هادئة، رقيقة، عقلانية. هي في أفضل حالاتها حين تكون في البيت، فهذا دورها كمدبّرة منزل. ولهذا توّجه إليها السيسي على غرار الكثيرين ممن سبقوه، ليحشد قدرتها على “الحفاظ على بيتنا الأكبر – مصر” من أجل تعريف وتقييد المرأة والرجل والأمة.

هذا التقييد لم يمنع مجموعة من “الممثلات عن النساء” من أن يهتفن “إنت الأب. إنت الأخ. اخترناك. واحنا وراك” في اجتماعهن مع الزعيم. وفي طيّات هذا الإعجاب ناشد السيسي النساء أن يقمن بالتصويت خصوصاً مع أزواجهن وعائلاتهن لأنهم كما وصفهم “تحت سيطرتكن“.

لكن ليس من المفترض أن تقدّر النساء رجلنا فحسب، بل من المفترض أن يرغبن به. إنه، كما يقال لنا مراراً، “وسيم”. بعض النساء تأثرن كثيراً بسلوكه الشهم وانطلقن بالغناء “بنحبك يا سيسي“. أجاب السيسي “أرجو أن استحق هذا الحب“.

وعلى الرغم من تعثّر كاريزما السيسي في بعض الأحيان، إلا أنها ولّدت مقارنة مع المؤدي الأكثر لمعاناً وغرابة، معمر القذافي، الذي أصبح مايكل جاكسون الدكتاتوريين العرب بفضل ذوقه في الملابس ومرافقيه في السفر. وفي صميم عروض السيسي الأقل إبداعاً نجد مظاهر لمُثُل رجولية مشابهة.

إن التأكيد المتكرر على “وسامة” السيسي، بغض النظر عن كون هذا التقييم ذاتياً ومضللاً، يأتي في مقارنة مباشرة مع الرئيس السابق محمد مرسي: الحول في عينه، ميله لارتداء بذلات أصغر درجة من حجمه ولامعة أكثر مما ينبغي، وحظّه السيء  في أن لحظات التهيؤ وتحضير النفس تلك تم التقاطها على الكاميرا. على نقيض أداء مرسي المتلعثم، نحن الآن في خضّم مسرحية مكثّفة تعتمد بشكل أساسي على تمثيل الحنكة.

هناك العديد من الاختلافات بين هذين التمثيلين المتناقضين للرجولة: مرسي والسيسي. لكن هناك خط واحد مشترك بينهما وهو أن كليهما اعتمد على الشخصية والهوية بديلاً عن السياسة. كلاهما ركّز على تعريف فئة المصري باعتبارها إقصائية وذات شكل واحد. وتحت حكم كليهما تمت إزاحة القضايا الجوهرية حول وحشيّة الدولة والظلم الاقتصادي إلى الهامش.

ولكن حتى في ظل المحاولات الدؤوبة لاستبدال السياسة بالهوية، هنالك أشخاص شجعان يتحدّون ويشكّلون ما يعنيه أن تكون امرأة، ما يعنيه أن تكون رجلاً، وما يعنيه أن تكون حراً. نحن نتعلم من النساء اللواتي قاتلن ضد سلطة الدولة في تعريف أجسامهن واختراق حدودها. نحن نتعلم من عدد لا يحصى من الناس الذين فقدوا أجزاءً من أجسادهم أو فقدوا حياتهم في النضال ضد وحشية الدولة. ونحن نتعلم من أكاديميين، اتهموا زورا بالخيانة، ومن طلاب حكم عليهم بالسجن لمدة خمس سنوات بسبب مشاركتهم في احتجاجات. ونتعلم أيضاً من الصحفيين والنشطاء والمدونين الذين يعانون من الحبس الانفرادي والاعتقال المطول بينما يجوعون ويكتبون و يفكرون من أجل الحرية.

العام الماضي سبب نوعاً من التراجع والانسحاب. لفترة، تقدم الثوريون إلى واجهة المشهد وفككوه. اختبروا تشكيل الأنماط والأفكار والمعنى والسلطة. هؤلاء الأشخاص، كما وصفتهم لينا عطاالله في مقال يوم ٣٠ حزيران ٢٠١٣، “عادوا إلى الهوامش“. وأولئك الذين يصرّون على أهمية الاستقرار والأمن يأملون أن يبقى هؤلاء الثوريون هناك. لكن في خضم هذا الضباب، يحطّم رسامو الكاريكاتير ومنتجو الفيديو والمخرجون والكوميديون و الفنانون صنم الشخصية المعبودة.

قد تكون الهوامش المكان الوحيد الذي يمكن فيه أن تستمر المعركة من أجل السياسة. هذه المبادرات من الهوامش، مثل حملة تويتر “انتخبوا العرص”، هي التي تكسر السلطة وعبادة الشخصية ومزاعم تعريف ما هو ومن هو المصري. وهذه القوة اللاسعة للفكاهة هي التي تخفف عنّا بعض الشيء وسط الضباب.