قانون منع الإرهاب في الأردن: خيار بين الأمن وحرية التعبير

الإثنين 12 أيار 2014

ترجمة دعاء علي

*نُشر هذا المقال باللغة الإنجليزية على حبر في 30 نيسان 2014.

قد لا تحتاج لارتكاب فعل يسبب “إضرارًا جديًا بالممتلكات أو الأشخاص” أو يمثل “تهديدًا للسلامة العامة” أو “الأمن الوطني”، أو “استخدام الأسلحة أو المتفجرات” لتعتبر إرهابيًا. كل ما تحتاجه قد يكون أن تعبر عن دعمك لما يمكن اعتباره جماعة إرهابية لتجد نفسك فجأة تقضي حكمًا بالسجن مع الأعمال الشاقة. لا، هذا ليس في كوريا الشمالية، بل في الأردن التي “نجت” من رياح الربيع العربي بسبب التحول الديمقراطي التي تبنته الدولة فيها.

في 21 نيسان 2014 وافق مجلس النواب على التعديلات الجديدة لقانون منع الإرهاب، ليقره مجلس الأعيان قبل أيام. ورغم أن القانون ما زال بحاجة مرسوم ملكي ليدخل حيز التنفيذ، فالأنماط التاريخية لهذه العملية والعقلية الأمنية في الأردن يؤكدان أن القانون سيمر. للتوضيح، ليس هذا المقال في صدد مناقشة الحاجة لإطار قانوني تحاكم على أساسه الأعمال الإرهابية، تحديدًا في بلد يحاول منع امتداد أوضاع جيرانه إليه. لكن الدولة الأردنية كانت ولا تزال ماهرة في كبت الحريات وكتم أي أصوات معارضة باسم الأمن. هذا المقال يفسر كيف أن هذا هو بالضبط ما يحاول قانون منع الإرهاب فعله.

التعريف الجديد لـ “الأعمال الإرهابية” في قانون منع الإرهاب المعدل يعرض نسبة أكبر من الأردنيين والأردنييات للمحاكمة بموجبه، نظرًا لبساطة الأعمال التي يعدّها القانون “أعمالًا إرهابية” مثل “أي عمل من شأنه إلحاق الضرر بالبيئة أو الإخلال بالنظام العام”. ويوسع القانون كذلك طيف الأماكن التي يمكن أن ترتكب فيها الأعمال أرهابية لتشمل الفضاء الرقمي. تنص التعديلات بوضوح على أن “الفعل الإرهابي” يشمل الآتي:

“استخدام نظام المعلومات أو الشبكة المعلوماتية أو أي وسيلة نشر أو إعلام أو إنشاء موقع إلكتروني لتسهيل القيام بأعمال إرهابية أو دعم لجماعة أو تنظيم أو جمعية تقوم بأعمال إرهابية أو الترويج لأفكارها أو تمويلها  أو القيام بأي عمل من شأنه تعريض الأردنيين أو ممتلكاتهم لخطر أعمال عدائية أو انتقامية تقع عليهم”.

هذه التعبيرات (جماعة إرهابية، يسوّق، يموّل) غير معرّفة في القانون وخاضعة دومًا لتفسيرات سياسية مختلفة. على سبيل المثال، هل يعني دعم الأردن للانقلاب العسكري في مصر تبنيه لقرار القضاء المصري باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية؟

تظهر في هذا التعريف انتهاكات حقيقية للحريات الأساسية. فهو أولًا يجزّء الحق الأساسي في حرية التعبير تبعًا لاختلاف المنصات التي تمارَس هذه الحرية عبرها. لم يعد الارتباط المباشر بـ”الجماعات الإرهابية” أو التورط في الأعمال الإرهابية مقياس الإدانة في هذا القانون، فقد أصبحت مجرد محاولة الإيحاء بدعم هذه الجماعات بالتلفظ أو الإشارات أو الرموز كافية لمبرر للمحاكمة. هذا لا ينطبق على دعم المنظمات الإرهابية فحسب، بل أيضًا على الجمعيات الخيرية والمنظمات التي “تسوّق أو تموّل” ما يزعم أنه جماعة “إرهابية”.

هذه التعبيرات (جماعة إرهابية، يسوّق، يموّل) غير معرّفة في القانون وخاضعة دومًا لتفسيرات سياسية مختلفة. على سبيل المثال، هل يعني دعم الأردن للانقلاب العسكري في مصر تبنيه لقرار القضاء المصري باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية؟ إذا طبقنا هذا التبني بأثر رجعي، فإن كل أصدقائك على فيسبوك ممن غيّروا صورهم الشخصية إلى صورة “أربعة أصابع على خلفية صفراء” تضامنًا مع ضحايا الفض العنيف لاعتصام ميدان رابعة العدوية في مصر قد يتم اعتبارهم إرهابيين. هذا ليس مثالًا نظريًا، فقد أدين خمسة أردنيين بـ”تعكير صفو العلاقات مع دول مجاورة” بسبب تعليق ملصقات رابعة على سيارة، أو توزيع هذه الملصقات، أو العثور على رسالة نصية تقول “السيسي أكثر إجرامًا من بشار”.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف؟ كيف يمكن على أرض الواقع اكتشاف هذا “الدعم” لجماعة إرهابية عبر أنظمة المعلومات؟ هل يعني ذلك أن الدولة ستوظف أدوات تسمح لها بالتلصص على صفحات الناس على فيسبوك وعلى بريدهم الإلكتروني واتصالاتهم لتتعقب التضامن أو الفضول حول جماعة ما عبر “الإعجاب” بصفحة ما على فيسبوك؟ أو هل ستتعقب المستخدمين الذين يعيدون إرسال تغريدات كتبها أعضاء داعش على تويتر؟ بحسب التعريف الجديد للعمل الإرهابي، مجرد تنظيم مظاهرة سيكون مؤهلًا للتصنيف كعمل إرهابي بصفته قد يسبب “الإخلال بالنظام العام”.

إضافة لذلك، بحسب النص الأصلي لقانون منع الإرهاب، فإن شك المدعي العام بأن شخصًا ما إرهابي يعطيه الضوء الأخضر لمراقبة اتصالاته وأفعاله (المادة 4). إدانة “الدعم” أو “التسويق” الرقمي لجماعة إرهابية تستلزم الرقابة كشرط أساسي لتحديد المشتبه بهم وذلك يحتاج نظامًا رقابيًا كاملًا لفرض “سيادة القانون”، ما يجعل الجميع مشتبهًا به ويصنف الأردن كدولة عدوة للإنترنت بحسب المعايير الدولية، ويعارض الحق الدستوري للمواطنين الأردنيين بسرية اتصالاتهم.

خرق صريح آخر لحرية التعبير يتمثل في اعتبار كل ما من شأنه أن يثير “فتنة” أو أن “يعكر صفو العلاقات مع دول صديقة” عملًا إرهابيًا. في وقت يغيب فيه التعريف الواضح “للفتنة” وتسيّس فيه تعريفات المصطلح، أليس من الممكن أن يعد إرهابيًا كل من نطق أو كتب رأيه حول كون الأردن وطنًا بديلًا على سبيل المثال؟ هل سيعد كذلك نشر فيديو “غير لائق” لشقيق حاكم قطر عملًا إرهابيًا بما أنه الناشر أدين بسخافة بـ”تعكير صفو العلاقات مع الحكومة القطرية”؟

لننتقل من تجزئة الحق الأساسي في التعبير إلى انعدام التناسب بين الانتهاك والعقوبة حين يتعلق الأمر بالتواجد الافتراضي. التعديلات الجديدة لا تعاقب كل من يدان بـ”دعم” و”تسويق” الجماعات الإرهابية فحسب، بل تزيد الطين بلّة بالحكم على المدانين بالأشغال الشاقة المؤبدة في السجن. تعدّ التعديلات كذلك تشويش شبكات الاتصالات أو أنظمة الحاسوب أو التسلل إلى الشبكات عملًا إرهابيًا يعاقب عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة دون تحديد هدف هذا التوزيع. هل سيعني ذلك أن تشويش الدولة لشبكات الاتصالات في مناطق معينة لشن حملات أمنية يعد كذلك عملًا إرهابيًا؟

هذه ليست الانتقاصات الوحيدة لحقوق المواطنين التي تفرضها التعديلات كثمن لحق المواطنين في الأمان، لكنني أريد هنا أن أشير إلى حجم هذه الانتقاصات من حرية التعبير التي يمكن بسهولة أن تطال أربعة ملايين أردني وأردني من مستخدمي الإنترنت. قد يظن البعض أن هناك مبالغة في توقّع سيناريوهات ينطبق عليها القانون، إلا أنه بالنظر للحالات المذكورة التي قمعت فيها حرية التعبير، وبالنظر لقدرة الدولة على حجب 300 موقع إلكتروني بناء على قانون المطبوعات والنشر، وأخيرًا بالنظر لمقترح حجب المحتوى الإباحي في مسودة قانون الاتصالات، يستطيع المرء بسهولة تلمس العقلية الأمنية الوصائية للدولة الأردنية في تعاملها مع المحتوى الرقمي.

في بلد ما زال يكرر عبر تصريحات رسمية سعيه لخلق بيئة خصبة لتقاطع مشاريع ومبادرات الإنترنت في المنطقة، لن تؤدي القوانين التي تدين التعبير والمحتوى الرقمي إلا لوأد هذا الحلم. فمن العاقل الذي سينشأ منصة اجتماعية ويسجلها في الأردن حين يمكن بسهولة أن يوصم بالإرهاب لمجرد توفيره وسيلة التعبير؟