كاملو الإنجاز: رياضيون ذوو إعاقة يتفوقون رغم التهميش

الأربعاء 28 أيار 2014

مَن مِن الأردنيين والأردنيات تابع بحماسة أخبار مشاركة رياضيي بلدهم من ذوي الإعاقة في مسابقات عربية ودولية كما تحمسوا على غيرهم من الرياضيين؟ هؤلاء الرياضيون، وفقًا لشهاداتهم، يعانون تهميشًا مضاعفًا. ففوق استثنائهم من العديد من النشاطات وإبعادهم عن الحيز العام عبر عدم تأهيله بما يسهّل تحركهم، يُعاملون في مجالهم الرياضي كملحق ثانوي لا يحظى بدعم كافٍ، لا كمحترفين يحققون إنجازات على مستويات دولية.

هذه الإنجازات توالت في السنوات الأخيرة، وكان بينها أرقام قياسية ومراتب أولى في بطولات مراكز عالمية. لكنها لم تكن مقنعة كفاية على ما يبدو لتحظى بتغطية إعلامية لائقة، والأهم بدعم رسمي وخاص يساعد عمليًا على استمرار تفوقهم.

معتز الجنيدي، مها البرغوثي، وعامر العبادي هم ثلاثة رياضيين حققوا إنجازات دولية في رياضاتهم. حبر قابلهم وتتبعهم خلال تدريباتهم لينقل تفاصيل مسيراتهم الرياضية الشاقة.

معتز الجنيدي

قبل سبعة أسابيع، رفع معتز الجنيدي 229 كيلو غرامًا من الحديد الصلب في دبي جعلته بطل العالم في رفع الأثقال في فئة 88 كيلوغرامًا. هذا الوزن كان رقمًا قياسيًا عالميًا كذلك، وهي ليست أول مرة يكسر فيها الجنيدي رقمًا قياسيًا في بطولته.

اليوم يدرس الجنيدي عروضًا للتدريب في كل من السعودية والسودان والولايات المتحدة. فهو رغم كونه مسجلًا كموظف في وزارة الصناعة والتجارة ومتفرغ للرياضة، إلا أنه يقول إنه لا يجد دعمًا ماديًا كافيًا يساعده على تقديم كل ما عنده. “تريد أن تتفرغ تمامًا لكنك لا تحصل سوى على 70 دينارًا بدل مواصلات”.

يتحدث الجنيدي بانفعال عن ضعف التغطية الإعلامية الأردنية لرياضات ذوي الإعاقة، معتبرًا أنها تعكس عدم أخذ الإعلام ومن ورائه المجتمع لهؤلاء الرياضيين على محمل الجد، باعتبار أنهم ينخرطون في الرياضة “ترفيهًا” عن أنفسهم لا أكثر.

لكن مشقة التدريب توحي بغير ذلك. “هل من الترفيه في شيء أن أرفع 230 كيلو غرامًا؟” يسأل الجنيدي. “أنا لم أعد أستطيع أن أتخيل حياتي دون رياضة”.

معتز الجنيدي يتكئ على عارضة حديدية في صالة التدريب الخاصة برفع الأثقال. يقول الجنيدي أن معدات التدريب قديمة وبعضها صدئ ويفوق عمره 20 عامًا. “حركة البارات (العوارض الحديدية بين الأثقال) يجب أن تكون سلسة، أي حركة غير مقصودة قد تؤدي إلى شد عضلي يمنع اللاعب من التدريب أسابيع وأشهر”.

ينقل الجنيدي الأثقال على كرسيه إلى العوارض لتساعده زميلة في تركيبها.

قبل فوزه في بطولة العالم في دبي عن وزن 88 كغم، فاز الجنيدي ببطولة العالم  عن وزن تحت 75 كغم، كما سبق ونال برونزية أولمبياد بكين وفضية بطولة العالم، وذهبية بطولة آسيا، وهو بطل الأردن في رفع الأثقال لجميع الأوزان ولرياضات ذوي الإعاقة وغيرهم.

الجنيدي ينتقل إلى كرسي الرفع استعدادًا للتدريب اليومي.

يتدرب الجنيدي ساعة يوميًا خلال فترة الإعداد العام التي هي المرحلة الأولى في الاستعداد للمشاركة في بطولة.

تدريبات الجنيدي ستكون في تصاعد وصولًا إلى أيلول المقبل، حيث سيشارك في آسياد كوريا 2014.

 

مها البرغوثي

حين بدأت مها البرغوثي مسيرتها الرياضية، لم تكن تفكر بطاولة التنس التي أصبحت بطلة أولمبية فيها، بل بدأت بسباقات الكراسي المتحركة 100 متر و200 متر. بعد سنوات قليلة على تلك البداية، سجّلت البرغوثي رقمًا قياسيًا عالميًا في بطولة العالم في ألمانيا عام 1996.

لكن السباقات لم تكن المكان المناسب للبرغوثي التي اتجهت لتنس الطاولة لاحقًا، خاصة وأن السباق كان يحتاج كراسي متحركة خاصة تجدد باستمرار، وكانت تكلفة كل منها قرابة 5000 دولار، ما لم تستطع البرغوثي تحمله دون دعم رسمي في ذلك.

“الرياضة كانت وسيلة للفت النظر”، تقول البرغوثي. فحين نالت ذهبية أولمبياد سيدني عام 2000 حظيت باهتمام إعلامي كبير كان وسيلة لتسليط الضوء على قضايا ذوي الإعاقة بشكل عام. لكنها مع ذلك تشعر بأن التعامل الرسمي مع إنجازات الرياضيين ذوي الإعاقة يعطي انطباعًا بأن “إنجازهم ناقص”، رغم أن الأردن “انشهرت في الرياضة عن طريق الرياضيين المعوقين أكثر من غيرهم” بحسبها.

“الأساس هو المجهود الشخصي”، تقول البرغوثي التي ترى أن دعم عائلتها كان الأساس في مسيرتها، لا الدعم الحكومي. لكنها في ذاتها الوقت تعذر الاتحاد الأردني لرياضة المعوقين قائلة إن “العبء عليه كبير”، كونه يشرف على لاعبين في عدة رياضات ولديهم إعاقات مختلفة.

مدرب البرغوثي يساعدها في تثبيت المضرب في يدها بوساطة رباط نظرًا لضعف تحكم عضلتها فيه.

بين الفئات من 1 إلى خمسة التي يصنف وفقًا اللاعبون ذوو الإعاقة الحركية، تصنف البرغوثي في فئة 1 وهي الفئة ذات الصعوبة الحركية الأعلى، لكنها تنافس لاعبات من الفئة الثانية ممن يمارسن توازنًا جسميًا أفضل وتحكمًا أكبر بالعضلات.

تعمل البرغوثي بدوام كامل ولا تستطيع التفرغ للرياضة. تقول إن الرياضة علّمتها الصبر وإن “من لا يحب الرياضة لن يصمد فيها”.

خفّت وتيرة مشاركات البرغوثي في الفترة الأخيرة لكنها ما زالت متمسكة بنمط حياتها الرياضي. “طالما أستطيع أن أقدم شيئًا سأظل ألعب”.

 

عامر العبادي

بعد الحادث الذي أدى إلى بتر ساقيه في معصرة زيتون، تحول عامر العبادي من رياضة كرة القدم التي كان يمارسها قبل الحادث إلى ألعاب القوى بتشجيع من والده. سنوات قليلة وبدأ العبادي يشارك في دورات دولية في مسابقات رمي الكرة الحديدية ورمي القرص.

حقق العبادي مركزًا رابعًا في كل من أولمبياد أثينا 2004 وبكين 2008. لكن البطولات بالنسبة له أكثر من طريق للمجد الرياضي. “مصدر دخلي هو البطولات” يقول العبادي المتفرغ للرياضة لكن مصدر دخل ثابت ودون دعم من الاتحاد الأردني لرياضة المعوقين.

“منذ عام 1999 حتى اليوم والاتحاد يبحث لي عن عمل. آخر طلب عمل قدمته رُفض خلال يومين”. حتى التغذية الخاصة التي يحتاجها الرياضيون يوفرونها بشكل شخصي بحسب العبادي. لكن قدرة الاتحاد على الدعم محدودة أصلًا وفقًا له. “لا يوجد دخل خاص للاتحاد أساسًا. ما يتلقاه هو ما يصرفه”.

العبادي يتجه لتدريبه اليومي على الكرسي المتحرك.

يبدأ العبادي تدريبه بتمارين الإحماء بعد أن ثبت نفسه على كرسي الرمي بواسطة الأشرطة خاصة.

يمشي العبادي بشكل شبه طبيعي على ساقين اصطناعيتين، ويخلعهما قبل التدريب حتى تكون قوته عند الرمي مرتكزة على الجذع فقط.

يقول العبادي أن سوء حال الملعب الذي يتدرب مع زملائه فيه يؤثر على أدائه، إذ أن المسافات على التراب تبدو أبعد مما هي عليه على العشب، ما يؤثر على تقدير اللاعب للمسافة قبل وخلال وبعد الرمي.

“حين خرجت من المستشفى بعد الحادث كنت مصرًا على أن أمشي في أقرب وقت. وبعد 4 جلسات فقط للعلاج الطبيعي خرجت من المستشفى على ساقي”.

يسير العبادي في جدول تدريب محدد حتى يصل إلى البطولة المقبلة في ذروة أدائه. المحطة القادمة: بطولة تونس لألعاب القوى.