إرادة الكتابة لبلقيس الكركي: الحياة كما ينبغي أن تكون

الأحد 29 حزيران 2014

محمد عمر

لن يكون ما سأكتب لاحقا قراءة في كتاب “إرادة الكتابة” للدكتورة بلقيس الكركي، الصادر مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، والممنوع بفتوى من دار الإفتاء. بل هو محاولة لعرض ما استطعت إليه سبيلا من استيعاب نص الكركي بعد ثلاث قراءات متتالية. أو ربما، تأويلي للنص طالما هو نص مفتوح على التأويل.

أعترف بداية أن نص الكركي عسير على القراءة، ربما ليس أقل عسرا من الكتابة التي هي موضوع الكتاب، أو ربما هي “الحجة” أو “الذريعة” التي اتخذتها المؤلفة لتكتب نصا يقع بين الفكر والأدب في السلطة والحقيقة والحرية. في الجملة أيضا “الكتابة إرادة خداع”، بحسب نيتشة.

استدراك:

إذا كان الكتاب عسيرا على القراءة، فهذا لا يعني أن ليس فيه متعة، بل على العكس تماما، فالكتاب أبعد من أن يكون سياحة ممتعة في الفكر والأدب وحسب، هو أيضا يمنحك “اللذة”، كما هي “الكتابة وسيلة لتحقيق الصورة والسلطة وغايتها اللذة”.

وأيضا، سواء أحببت الكتاب أو المؤلفة أو نفرت، فأنت بعد الكتاب لست قبله.

استدراك آخر:

يقول نيتشة: “أسوأ القراء هم أولئك الذين يتبعون طريقة الجنود النهابين: يأخذون ما قد يحتاجونه، ويلطخون الباقي ويشبكونه، ثم يرغون ويزبدون ضد الكل”.

“الرقيب” الذي أحال الكتاب إلى “دار الإفتاء”، و”المفتي” الذي أمر بالمنع كانا كجنود نيتشة النهابين، أخذوا، أو اجتزؤوا فقرات من السياق، يحتاجونها لتثبيت “سلطتهم” وأرغوا وأزبدوا حول “التجديف والكفر”.

وعليه فإن “الرقيب” الذي أحال الكتاب إلى “دار الإفتاء”، و”المفتي” الذي أمر بالمنع كانا كجنود نيتشة النهابين، أخذوا، أو اجتزؤوا فقرات من السياق، يحتاجونها لتثبيت “سلطتهم” وأرغوا وأزبدوا حول “التجديف والكفر”. لكن آخر ما تريده بلقيس الكركي أن يقرأ كتابها، أو أن تعرف “تحفتها” الفكرية ويُرغب بها لأنها ممنوعة، فليس لهذا كتبت بالتأكيد.

وأكاد أعتقد جازما أن الكركي لا تبالي أبدا بعدد النسخ المباعة، التي قد تروجها هذه الدعاية “المجانية”، فهي لا تسعى خلف أي قارىء، بل خلف قارىء “إله” متسلح “بعدّة” ثقافية رفيعة لا يبحث عما يحتاج، عاريا من كل حكم مسبق ومن أيديولوجيات الوصاية على العقل، واحتكار “الحقيقة” إن كان هناك حقيقة فعلا وليست مجرد تصورات و”أوهام نسينا أنها كذلك”، حسب تعبير نيتشة أيضا.

ثم ماذا؟

لندخل في النص:

الهاجس الأكبر: الصورة

“في البدء كانت الفوضى”، العالم غير مصمم مسبقا، عالم لعين فوضوي وفوق كل ذلك ممل ورتيب ومرتجل، لكنه ليس مسرحية الإنسان فيها البطل، فالعيب في النص وليس في البطل، فلقد رمي هذا الإنسان إلى العالم مشوهاً وناقصاً، وقد اخترع الإنسان القصص والأساطير والفن كترتيب للفوضى غير المحتملة للعالم. لكن لغياب النص فائدة فلولا الفوضى ولحظات التوتر لما احتجنا الفن.

ولقد خسر الإنسان حريته منذ سيق إلى هذا العالم عاريا أمام الغرباء، وتعلم الخجل من هذا العري. وعلى الإنسان أن يعيش في هذا العالم مكبلا بقيود الآخرين، شاء أم أبى، فلا وجود خارجه، فالوجود هو وجود في هذا العالم، إذ لا حياة في مكان آخر.

وطالما الأمر كذلك فالإنسان لا يمكن أن يكون عدميا، فالعدم مسؤولية “فردية” إذ ليس على الحياة أن تغدو شيئا آخر لأجل فرد مأزوم. عليه إذن أن يجد طريقة يحارب فيها وحده وجوده اليومي المرتجل بأن يؤلف لنفسه واحدا من نوع آخر.

لذلك تستبد بالإنسان حاجة مؤلمة للكتابة، هدفها تحقيق الوجود قبل الخلود. كتابة تحمي من الاعتداء. كتابة جيدة وليست ترتيب وإعادة ترتيب حسب الطلب لإرضاء الآخرين، كتابة لتصحيح الخطأ بما هو خطأ في معايير الآخرين.

إرادة الكتابةالكتابة صفة من صفات الألوهة – في البدء كانت الكلمة، وبالكتابة وحدها، وليس بأي شيء آخر، نستدرج محبة الاخرين، نحن “نكتب كي نُحب”. ففيها نحقق “الكمال الخاص”، الذي جوهره الخلق والابتكار، وليس “الكمال العمومي”، الذي هو الشكل واللباس والجمال وغيره، وهذا يفنى، ولا يمنحنا أي وجود حقيقي ومتفرد.

والكتابة هنا هي الكتابة الجيدة وحسب، التي تستطيع أن ترسم صورة بالغة الإتقان حيث لا تخطىء ولا تتردد في الأداء المتقن.

وليست كل كتابة هي كتابة، فهناك كتابة منطوقة، مثل التواجد على الفيسبوك الذي لا يمنحك الاختلاف، وحيث الكتابة كلام شفوي مكتوب لا يمنحك الكمال الخاص والذات المتفردة، فالكل متشابه “تعريف واحد نسخ بشرية متعددة، تولستوي واحد نسخ لا نهائية من الحرب والسلام”.

الكتابة على الفيسبوك قد تمنحك ترتيب ما لفوضى العالم لجعله أكثر احتمالا، لكنها لا تمنحك كمالك الخاص، وجودك أو خلودك النسبي والمطلق، الفيسبوك ليس أكثر من توزيع أسهم في “بورصة الشعبية الاجتماعية”، بحسب كونديرا.

الكتابة الجيدة هي ما يجعل العالم “أوضح أو أجمل”، فما الفرق بين أن يكتب سائق تاكسي كتابا يذيع صيته أو أن يكتب كونديرا رواية. الأول يمنحك متعة لحظية، ولا بأس، لكن الثاني جعل العالم أجمل. وأعمال الفلاسفة كونها إعادة ترتيب لفوضى العالم جعلته أوضح.

والكتابة الجيدة طريق للإنسان ليصنع لنفسه صورة، هي حقيقته الشخصية، إذ ليس هناك حقيقة خارجية، فهي مرهونة إذن بما يظهر منك، بما هو مرئي، مستقيم، ثابت، صاف، صلب كامل. صورة مصنوعة بـ”صدق” وإخلاص. فالكتابة طريق استقامة وإخلاص نحو صورة ثابتة قابلة لأن تكون حقيقة صلبة، والحقيقة هي دائما صورة. لكن هذه الصورة مشوهة في عيون الآخرين ومؤجلة عندك، طالما لم تبعث “الشيء” من العدم إلى الوجود بالكتابة التي تتحقق فيها حقيقتك الشخصية.

لا تكفي “المعرفة” بأن الكتابة سوف تفرض “ما أمكن من الانتظام والصور على الفوضى”، فالمعرفة يجب أن تعني الفعل والتخطيط لخدمة الحياة. السعي لمعرفة الحقيقة لا يعني إرادة الحقيقة.

فلا يكفي إذن أن تستبد بنا حاجة إلى الكتابة، لبلوغ الحقيقة-الصورة، بل نحتاج إلى إرادة الكتابة، إرادة المعرفة، إرادة القوة.

الكتابة، المعرفة، معرفة حقيقتنا الشخصية، ليست نفسها إرادة الكتابة، فهذه لا تتحقق إلا بالدخول في صراع جدلي مع إرادة قوة أخرى. قوة نقيضة مضادة، قوة مهيمنة على قوة مهيمن عليها.

والصراع مع “الآخرين الجحيم”، بوصفهم قوة مضادة، ربما أسهل من الصراع مع “الذات” أو مع “رقباء الذات”، فالأولون يمكن التعامل معهم بقليل من التخطيط والتكيف، وربما نحن نحتاجهم ونحتاج إلى ما تتيحه الحياة من مال وسقف وجدار لنوفر عزلة تحقيق الذات.

لكن ما هو أصعب من الصراع مع “الآخرين”، هو الصراع مع “آخرين آخرين” هم أيضا جحيم، مع رقباء الذات الذي يزينون لك الحياة الدنيا ولهوها، ويهددونك بالفشل أو يخيفونك منها، ومع رقباء آخرين يدفعونك إلى العدمية، رغم أن هذا الصراع يضعك في سجن داخله جحيم مستعر يحرقك أكثر كلما اقتربت من الحقيقة، لكن إرادة الكتابة تنتصر فيك لأنها الخلاص من جحيم لا حقيقة فيه ولا صورة، هو الآخرون.

لكن ماذا عن “الخطأ” أو “صورة الخطأ”؟ ماذا عن الأخطاء التي نرتكبها يوميا وتسبب لنا الألم، أو الخطأ في القرار، أو الخطأ في الكتابة، وهو أصعبها؟ الأخطاء اليومية هي في النهاية “ليست سوى انحراف عن نمط أو نظام يرتضيه الآخرون لك من أجلهم، مدّعين مصلحتك. تماما مثل منظومة “الأخلاق” السائدة التي شغلها الشاغل إشعارك بالذنب على أمر لم ترتكبه، حتى لو كان الخطيئة الأصلية.

الخطأ اليومي لا يصير خطأ، ومؤلما، طالما لم يظهر للآخرين، وهو خطأ في عالم “الارتجال”، حيث أيضا لا نص واضح في قواعد السلوك “ايثيكا” تستند اليها. الأخطاء اليومية في النهاية ليست اخطاء حقا بل محض تفاصيل عابرة.

الخطأ بحق نفسك وصورتك الخاصة، يسبب الألم بسبب رغبتك في الألوهة الكاملة، الرغبة في أن تكون مثاليا لا كمؤلف بل في الكمال العام والخاص، قد يدفعك إلى ارتكاب الاخطاء.

الخطأ في القرار، أسبابه غياب نص واحد تستند إليه، طالما أن الحياة فوضى وليست رواية صنعها راوٍ جيد، وليس لك حياة سابقة معيارية، وينتابك انفصام نحو الكمال العمومي والخاص أو انفصام في معاندة أو مسايرة العالم.

في الخطأ في القرار المصيري يتنازعك خياران لا ثالث لهما: إما تخاطر، وهي مخاطر تحتمل الخطأ والصواب. أو لا تخاطر فتتجنب المعارك وتقنع بإرضاء الآخرين.

على كل، قد تستطيع تحويل الخطا الى صواب، بقتل قيمة الخطأ فيه.

الخطأ في الكتابة هو الأصعب. تستطيع استدراك الأخطاء بالكتابة اذا كنت مؤلفا جيدا، لكن ماذا لو كان قرار الكتابة بحد ذاته خطأ؟ وإن الأمر كذلك تكون قد خسرت مرتين: صورتك وحياتك.

أما إن أصبت في الكتابة بمعنى أن تصير كاتبا عظيما فحينها تستطيع أن ترفض الصفات العمومية (الكمال العمومي) وتفرض القيمة التي لا تراها أنت خطأ. أو تستدرك الخطأ، أو حتى تحوّله كجزء مهم يخدمك صورتك.

لكن هل تستحق هذه الصورة ان تقضي حياتك في استدراك الخطأ؟ إذا كنت عظيما ستجعل شبح الخطأ أقل إرهابا.

وعلى أي حال، الخطأ هنا صورة، صورة الخطأ، الحقيقة الشخصية.

في الطريق إلى تحقيق الرغبة ومحو الأخطاء، يكون الإفصاح عن حقيقة ما يجول في الذاكرة خطرا، لانه، حتى لو تجمل بالصدق يحتمل ان يكون خطأ. الحقيقة مرتبطة بالسلطة، هي محض أداة بلاغية قابلة للإهمال أو الاستعمال، إذا اعترفت أمام الله بـ”حقيقة” أنك ارتكبت إثما فسوف يكافئك، ويغفر لك، لكن إذا اعترفت له بأنك لم تعد تطيقه، فسوف “يسخطك” لأنك حينها تكون هددت سلطته.

“الكلام بلا خوف”، أو “شجاعة الحقيقة”، بحسب تعبير ميشيل فوكو، “الباريسيا” Parrehsia (قول الحقيقة)، قول الحقيقة حول سوء شخصي صعب حتى للآلهة التي قد تؤثر الخداع وتستخدم سلطتها لأجله، مستعدة لقولها فقط عندما تخص الاخرين وإن كانت تؤذيهم، تماما كما يفعل البشر فيما يعرفون من أسرار.

الكتابة تشبه الباريسيا فقد تكون فعل حرية وتحديا للسلطة. هل منع كتاب الكركي لانه كذلك؟ في الكتابة قد تبوح بـ”حقائق” كثيرة لا تريد السلطة أن يراها الناس. “حقائق” أو ربما مجرد تصورات وأوهام نسينا أنها كذلك؟

الحقيقة أن الكتابة إدراك قيمة الذات. اعرف نفسك وغيّر قيمة نفسك. الحقيقة العارية التي تعرفها عن نفسك هي ما يجعلك تريد الكتابة لانك تريد تغييرها، حيث ستقوم بخيانتها بكل صدق وإخلاص من أجل حقيقتك الأخرى: صورتك.

جحيم الثنائيات

الانسان أولا وأخيرا تكوين بشري، ناقص ومشوّه مرمي في عالم رتيب من الفوضى. الكتابة تمنحه الوجود، قبل الخلود، تمنحه كثافة، كائن متكثف له معالم، حدود، هوية ووجود. فوق كل ذلك، فإن صار كاتبا “عظيما” فقد يحصل على الخلود النسبي والمطلق الممتد في الزمان والمكان.

“الإنسان ليس سوى مرحلة وسيطة، لا هدف له سوى الوصول إلى الإنسان الأعلى”، نيتشة.

باختصار وكما تكثف المؤلفة، الإنسان “تكوين بشري وأحلام إلهية”.

الذات الواعية لما تريد، إما الصعود وإما الصعود، مثل سيزيف الذي ظن أنه أذكى من الآلهة. أراد الصعود إلى الأعلى والبقاء هناك لكنه بقي متعبا ضجرا وحيدا بصورة لا تحتمل.

لكن ما الذي يجعلك مستعدا لدفع “ثمن” هذا الصعود نحو العالم الأعلى، حتى من “حريتك”؟

ربما هي الأفكار والكلمات التي أفسدت عليك حياتك وجعلتك مقسما بين الكتابة والحياة من جهة، والأدب والحياة من جهة أخرى.

“حرق واحتراق .. تلك هي حياتي”، نيتشة

أن تعيش لأجل الصورة – الحقيقة، تجتاحك حاجة مؤلمة للتأليف، أن تعيش إرادة الكتابة يعني أن تحرق وتحترق، أن تعيش حياة الكلاب، بحسب وصف فلوبير، كما تنقل الكاتبة.

لا هوادة مع تحقيق هذه “الغاية”، عليك ان تحيا كمحارب، لا مجال للخيانة ولا لتبريرها. ولا مجال لـ”السياسة” فمنطق السياسة يتعارض مع منطق الثائر. في السياسة تُقاد لا تقود. كل سياسة هي خيانة بمعنى ما، وهذا منطق على الثائر المحارب ان يرفضه.

لكن ماذا تريد؟ و”ما الذي أفعله حقا، لماذا أنا من يفعله”؟ و”ماذا علي أن أفعل؟”

ما الذي تفعله؟ تريد أن تكتب وتحيا معا، لكن هذا يسبب الألم ويزيده أيضا ألم النقصان، وألم الحقيقة.

هل تريد عيشة “الكلاب” أم حياة “زوربا”؟

الأدب الحياة

أليس في بلاد العجائب. هل تصنعنا الرواية، الشعر، الفن؟ نتعلم أو نحفظ الشعر لنتعلم الحياة.

إلى أي مدى تؤثر فينا قراءاتنا وتجعلنا مشتتين “منفصمين” بين حدائق الزهور التي يصنعها الفن والأدب وكل عالم الأفكار وبين ما نحن عليه في حياتنا الواقعية؟

كل ما تريد هو الكتابة؟ لكن ليس وحدها، كذلك.

بلقيس، مسمى على زوجة الشاعر نزار وليس على ملكة سبأ، لكنها، مع ذلك أو رغما عنه، لا تختار نهاية ملكة سبأ القرآنية بل التوراتية، شولميت، التمرد، العودة للجنوب، الاستقلالية. وهي أليس لكن في بلاد ليس فيها عجائب. لا يكفيها لا الماء ولا السراب. وكل ما تريد الكتابة.

حتمية الاختراع

وهم الوعي، هل “نعي” حقا ما نريد؟ هل نعرف أنفسنا حقا؟ هل اخترت الكتابة بحرية؟ أم هي التي اختارتني، طالما الوعي مشكوك في وجوده عاريا من السلطات الخفية؟

ماذا تعني الإرادة، او الإرادات الحرة، الرغبة، الرغبة الجوهرية والرغبة الآلية، الحاجة، الدافع، الشوق، وحتى الحقيقة؟ كيف تتحول الرغبة إلى حاجة وإلى شوق؟ كيف تتحول الرغبات والحنين إلى واقع؟ كل هذه أسئلة تفضي إلى دهاليز معقدة، وهمية ربما وحقيقية ربما.

وعلى كل، سواء كانت الدهاليز حقيقية أم مخترعة، فارادة الكتابة لا تتغير.

ثم لماذا؟ ألا نستطيع أن نفعل شيئا دون “لماذا”؟

سفر التكوين

أخيرا، ما “تريده” المؤلفة هو تأليف سفر تكوين_ها الخاص، هذا السفر هو الأداة التي ستحتال بها على الزمن الفوضوي. كتابة مهما خانت الحقيقة تصبح فيها الحياة بحيرة ساكنة يرى فيها نرسيس والآخرون وجهه الجميل. سفر تكوين فيه من الخرافة ما في سفر تكوين العهد القديم الذي صدقه كثيرون لقرون طويلة.

في البدء كانت الكلمة.. وفي المنتهى الصورة حيث هناك الحقيقة رغم كل اختراع.

هوامش من عندي

“من التشعب والتشتت، نساق فيها من مكان الى مكان عبر سلسلة من السطوح العاكسة كالمرايا المتقابلة”، ديك هيبدايج.

بعد قراءات متتالية للنص، وقفت حائرا. هل أصدق الكاتبة في كل ما كتبت؟ بمعنى هل هي فعلا أرادت ان يكون الكتاب عن الكتابة حقا؟ لكن أليست الكتابة عن الكتابة إفلاس، كما تقول مثلا؟ وهل حاجة أو رغبة الكاتبة في الكتابة تستحق حقا مؤلفا بكل هذا “الترف” الثقافي، بكل هذا النص الفكري، الفلسفي الأدبي؟

هل تحتاج رغبة الكاتبة لكل هذا “التبرير”، أو “لماذا”؟ ولماذا نحن القراء أساسا معنيين، أو تعتقد بأننا معنيون بهذه المعرفة؟

هل “خدعتنا” الكاتبة وأرادت من نصها أن يكون قابلا للتأويل إخلاصا لمقولة “موت المؤلف”؟ فهل حقا تحتاج حاجة المؤلفة للكتابة لكل هذه المفاهيم الفلسفية: الإرادة، الوعي، المعرفة، القوة، الرغبة، الجسد، الحب، الماهية والوجود، التشابه والاختلاف، الحقيقة، الصورة، الجينولوجيا، الاركيولوجيا، الوعي، اللاوعي…الخ؟

ألا تستطيع الكاتبة أن تكتب كتابا آخر حول “قضية”” ما وتدعنا نرسم لها صورة – حقيقة بدون أن تبذل كل هذا الجهد لمحاولة “إقناعنا” بحاجتها للكتابة؟

ربما نعم ، ربما لا، الكاتبة أساسا تترك نصها مفتوحا، لا تقطع ولا تجزم، تتشعب وتتشتت، لكنهما تشعب وتشتت مقصودان، فهي لا تسعى إلى أن تكون من أصحاب “النظريات الكبرى”.

ربما لا، ربما أرادت الكاتبة ان تكتب عن حاجتها للكتابة فقط وتركت للقارىء حرية أن يقرأ كي “يلتذ”، أي لمجرد اللذة في القراءة وهو حر أن يقرأ أو لا يقرأ الكتاب.

وربما أيضا أرادت ان “يكون لها دورها في الميدان لتكمل السباق”، بحسب تعبير نيتشة. بمعنى انها أرادت أن تكتب نصا يقع بين الفلسفة والأدب حول “قضايا العصر”: السلطة، الحقيقة والحرية.

من أسئلتي الشخصية، أين يمكن موقعة النص والكاتبة؟ هل يمكن القول أنها “بعد حداثية” حيث الحضور الكبير لفلسفة ما بعد الحداثة من نيتشة إلى فوكو ودولوز…؟ وحيث بنية النص وتشعبه وانفتاحه للتأويل والحفر في نصوص أدبية وفلسفية لمئات الفلاسفة والشعراء والروائيين، العرب والأجانب؟

هل حقا أرادت الكاتبة أن تصنع “صورة- حقيقة” لنفسها، كما أصرت في الكتاب، أم أرادت أن تكتب شيئا آخر؟ ألم أنسَ الكاتبة خلال قراءاتي للنص وبدات في التفكير بما تكتب وبما تطرح من افكار؟.

إلى ماذا يحال عنوان الكتاب، طالما نتحدث عن “ما بعد الحداثة”، إلى كتاب “إرادة القوة” لنيتشة أم كتاب “إرادة المعرفة” لفوكو؟ لكن الكاتبة لم تكتف بإعادة ما كتب، بل أضافت كثيرا، على الأقل في تحليل أو قراءة نصوص عربية أدبية وفلسفية. فأكملت دورها في السباق.

هل تفيد موقعة النص والكاتبة؟ ربما.

ثم لماذا علي أن “أحلل” النص، أو أن أحاول موقعته؟ ألا يكفي أنني قرأت كتابا شيقا، ممتعا، مفيدا، منحني لذة كبيرة في القراءة ودفعني إلى أسئلة وإلى مراجعة كتب ونصوص أخرى، وإلى التفكير مرة ومرات في مستويات النصوص خاصة، التي كتبت عنها وكنت قرأت بعضا منها؟

أي يكن من أمر، فكتاب “إرادة الكتابة”، أقل ما يمكن أن أقول أنه فعل بي هو أن أثار فيّ الدهشة، هذه الدهشة التي صار من الصعب أن تثار. ولولا الخشية من المبالغة لقلت “أنت لست بعدك”..