الصفوف المجمّعة: اختصار التعليم في المدارس الحكومية

الثلاثاء 24 حزيران 2014

ضحى أبو سماقة وهديل شقير – معهد الإعلام الأردني

يقرع الجرس معلناً بدء الحصة الصفية في مدرسة الغُبيّة الأساسية جنوب عمّان، تبدأ معلمة العلوم سناء السلاق الحصة الصفية بتقسيم اللوح قسمين، واحد للصف الثالث وآخر للصف الرابع. تقف في منتصف الغرفة الصفية وتقول: “يلا يا رابع، حضروا الدرس، حتى أخلص من شرح درس صف ثالث”.

يبدأ طلاب الصف الرابع بتقليب أوراق الكتاب بحثاً عن الدرس، منهم من يقرأه، ومنهم من يسرح مع معلمته في درس قد مر عليه سابقاً، تمر عشر دقائق فتطلب من الصف الثالث حل مسألة رياضية، لتبدأ شرح درس للصف الرابع.

هذا حال يتكرر في 284 مدرسة حكومية من إجمالي 3545 مدرسة حسب إحصائية عام 2013. صفوف من مستويات مختلفة تُجمع في غرفة صفية واحدة. وتتركز تلك المدارس التي تشمل صفوفاً مجمعة، وفقاً لإحصائيات وزارة التربية والتعليم، في مناطق البادية الأردنية، إذ بلغ عددها 51 مدرسة في البادية الوسطى، و46 في البادية الشمالية، و12 في البادية الجنوبية.

في المدرسة ذاتها بصفوفها الضيقة القليلة ومقاعدها المكسرة وغياب المختبرات التعليمية وأجهزة الحاسوب، يعبّر الطالب أيهم القيسي (9 سنوات) باستغراب وذهول، عن رأيه في تواجده في صف يدرّس طلاباً أصغر منه سناً، ويقول: “مش عارف ليش حطونا مع بعض، بتخربط كثير لما تشرح المعلمة للصف الثالث”.

تبرر وزارة التربية والتعليم على لسان مدير إدارة التخطيط والبحث التربوي الدكتور محمد أبوغزلة سبب اللجوء إلى المدارس المجمعة، بقوله: “إنه خيارٌ تلجأ إليه الوزارة لقلة أعداد الطلاب، ولأنهم يسكنون في مناطق نائية بعيدة عن المدراس الكبيرة”.

وينتقد المشرف التربوي أحمد الرقب الاعتماد على الصفوف المجمعة في التدريس، قائلاً: “الطالب لا يأخذ حقه في الحصة الكاملة، يأخذ نصف حصة أو أقل، فالحصة المدرسية عبارة عن 45 دقيقة، وتقسم على صفين أو ثلاثة صفوف مجمعة حسب المدرسة”، فيما يرى أن إدارة الصفوف المجمعة تتطلب مهارة عالية من المعلم لكي يُعطى الطلاب حقهم التعليمي.

وذكّر الناشط الحقوقي الدكتور علي الدباس بالحقوق الأساسية للطفل، لافتاً إلى حقه في التعليم بوصفه جزءاَ من الحقوق الأساسية، التي نصت عليها اتفاقية حقوق الطفل. وبيّن أن المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، نصت على حق الجميع في التعليم خصوصاً في المرحلة الابتدائية وكونه إلزامياً ومجانياً. “ذلك يعني أن الدولة ملزمة بتوفير التعليم وفق إمكانياته” يقول الدباس،” وعليها أن تطور منها حتى تصل في تطبيق هذه الحقوق إلى أقصى مدى ممكن”.

طلاب لا يعرفون صفوفهم

نسي علي العجارمة (8 سنوات) في أي صف يدرس، ولكن ظروف المدرسة حكمت أن يكون في صف مجمع، فقال: “أنا بالصف الرابع”، وبعد ضحك زملائه، استدرك بخجل أنه في الصف الثالث. فيما عبّرت دعاء مصطفى (8 سنوات) عن شعورها قائلة: “المعلمة بتتعب وبنسمع اللي بتحكيه وما بحب أسمع شرح صف رابع لأنهم أكبر مني، حابة نكون مدرسة حلوة وكبيرة”.

ولمس أولياء الأمور تفاوتاً في المستوى التعليمي بين أبنائهم في الصفوف المجمعة وأولئك الذين يدرسون في صفوف اعتيادية، كما تقول أم عبدالله عن بنتيها في مدرسة قرب منطقة أم البساتين. “لدي ابنتين انخفض مستواهما التعليمي عند وجودهما في صفوف مجمعة”، متسائلةً: “كيف يستفيد الطلاب في هكذا ضغط يُفرض على المعلمة ضمن وقت ضيق؟”.

معلمون: الطالب لا يأخذ حقه

واتفقت المعلمة نور شبانات مع ما ذهبت إليه أم عبدالله، وقالت: “لصفوف المجمعة تحتاج إلى معلم صاحب مهارة عالية، ولهذا فضلت عدم تدريسها لأنني لا أملك المقدرة العالية على إدارة صفين في آن واحد، ومن واجبي عدم إضاعة أية ثانية على الصف”. وأضافت: “فضلت تدريس الصف الأول، على الرغم من أن تخصصي لغة عربية، على تدريس الصفوف المدمجة”.

وتجد المعلمة سناء السلاق، التي تدرس العلوم والرياضيات، أن أبرز الصعوبات التي تواجهها في الصفوف المجمّعة تكمن في تعليم الطلاب الذين يعانون من ضعف في التحصيل.

وبالنسبة للأسلوب والاستراتيجية التي يتبعها المعلم تقول معلمة اللغة الانجليزية رولا الفايز: “أعتمد أسلوب إشغال صف وإعطاء المعلومات للصف الآخر، ونحاول بأقصى جهد إكمال المنهاج مع انتهاء العام الدراسي”.

وفيما يتعلق بالأنشطة اللامنهجية التي تهدف إلى تعزيز قدرات الطلاب، قالت معلمة اللغة العربية والتربية الإسلامية عروبة الخطبا: “مشكلة الوقت تحرمنا من إعطاء الأنشطة اللامنهجية، لذا أحاول إهمالها، لأركز على القراءة والإملاء خاصة للصف الثالث، فوجودهم في صف مجمع اعتبره ظلماً لهم، فلديهم بطء في الاستيعاب، وهم في مرحلة تأسيسي”.

لم تختلف المديرة ميثاء القعدان مع ما ذكرته معلمات المدرسة ذاتها، وقالت “طالبنا وزارة التربية بغرف جديدة ووعدونا على الموازنة الجديدة في حال توفر الإمكانيات”. لكنها ذكرت أن النظام له جوانب أخرى. “برأيي هناك إيجابيات، خاصة في الصفوف الأساسية، فعندما يكون على سبيل المثال الصف الرابع ضعيفاً يستفيد من حصص الصف  الثالث، والأذكياء من الصف الثالث يستوعبون معلومات الصف الرابع، وهذا يزيد من قدرتهم على الاستيعاب والاطلاع”.

وأضافت أن المعلمات “تعودن على توزيع الوقت، كما أن التربية توفر دورات لكيفية تدريس الصف المجمع، وأن نجاح الصف المجمع يعتمد على وجود معلم متمرس وقادر على تجاوز العقبات اللوجستية وتحتاج بالدرجة الأولى إلى انتماء”.

أستاذ علم الاجتماع التربوي في جامعة البلقاء التطبيقية حسين الخزاعي خالف القعدان الرأي، إذ رأى أن تأثير هذا التنظيم نفسي واجتماعي وتعليمي وتربوي. “هذه الصفوف عديمة الفائدة، لأن فيها تشتيتاً لانتباه الطالب فكرياً وعلمياً وبصرياً، وجهداً ضائعاً على المعلم والطالب، وتضع الطالب في نفسية وأجواء من عدم الراحة والتوتر والقلق وحتى الخجل”.

ويقترح الخزاعي حلولاً بديلة عن هذا النظام من إمكانية اللجوء إلى الدوائر الحكومية وتبديل البرامج (نظام الفترات) والتي تضمن عدم التشتيت لا سيما في المراحل التأسيسية وفقاً للخزاعي.

وتفاجأ مدير برنامج التعليم للجميع في جمعية إنقاذ الطفل (Save The Children) ساطع القضاة، باستمرار اتباع هذا النظام التعليمي، وقال إن وظيفتهم في الجمعية هي خدمة الطلاب (6 – 12سنة)، من ناحية إيجاد البيئة الآمنة لهم تعليمياً بأقرب وأسهل الطرق، ولكن لا يكفي تأمين المدرسة، إنما هناك ضرورة في توفير بيئة صفية سليمة، ووجود هذه الصفوف يتنافى مع هذا المبدأ.

هذا وتُتبع عند البعض أسس ومعايير في تقييم معلم الصفوف المجمعة كما يفعل المشرف التربوي أحمد الرقب، فعند إشرافه على الحصة، يركز على كيفية تعامل المعلم مع طلاب الصف المجمع، ويتوجب على المعلم أن يكون عادلاً في توزيعه وطريقة شرحه بأسلوب يختلف عن المعلم في الصف الاعتيادي.

مضيفاَ: “أركز أيضاً على كيفية تجنب المعلم للنقاشات الإضافية ليؤدي المنهاج المطلوب، والذي يحرمه من التوسع في أحد المواضيع وإدارة الموقف الصفي بشكل متكامل، ويحاول قدر الإمكان أن يحقق حداً أدنى للأهداف المرجوة للحصة المدرسية”.

“ألا تستطيع الدولة إيجاد الحلول؟”

وعند التطرق للسياسات البديلة والحلول التي تعمل عليها وزارة التربية والتعليم، وضح مدير إدارة التخطيط  والبحث التربوي في وزارة التربية والتعليم د. محمد أبو غزلة أن “الوزارة تسعى إلى إعادة إحياء فكرة قديمة، وهي المدارس الشاملة أو المركزية، التي تقوم على أساس تجميع الطلبة من القرى التي يكون عدد الطلاب فيها من 10 – 15 طالباً، وتبنى في قرية متوسطة لعدد من القرى وتحتوي على كافة التجهيزات التعليمية، وأن إحياء هذه الفكرة يتزامن مع توعية إعلامية شاملة للأهالي للترويج لها وإقناعهم بها، وتفادي التراجع في نوعية التعليم”.

وتطرق أبو غزلة إلى البيئة الاجتماعية السائدة في المناطق النائية والتي تهيئ الطلاب لرفض فكرة الاندماج مع المناطق الأخرى، على الرغم من عدم وجود المرافق والتجهيزات والبيئة التدريسية السليمة فيها، وقال: “الطلاب من أبناء عائلة وعشيرة واحدة، لذلك نلاحظ انعدام التعلم من الأقران ولا يوجد أجواء تعلم تنافسي”. وأوضح أبو غزلة أن هذه الأسباب أدت إلى زيادة نسبة المدارس التي لم ينجح فيها طلاب في الثانوية العامة، كون الطلبة لا يختلطون بأقرانٍ من بيئات تعلم مختلفة.

أما الناشط الحقوقي علي الدباس فتساءل: “هل الحكومة الأردنية غير قادرة على توفير التعليم للطلاب كافة في صفوف حقيقية وليست صفوفاً مجمعة؟”. وأضف أن “الدولة التي استطاعت أن تستوعب إخواننا اللاجئين على مدار سنتين، قادرة على توفير صفوف إضافية بدلاً من الصفوف المجمعة”.

  • Jordanian

    لقد بدأ المقال رائعا، فأنا احترم الانتقاد البناء الذي من هدفه الاشارة الى مشكلة موجودة، لكن ما أعهده في حبر دوما هو دس السم في الدسم، فلا داعي لخلط الامور والقول : الحكومة التي تأوي اللاجئين لا تستطيع توفير تعليم افضل، لماذا لا نكن مجتمع ايجابي، لماذا لا نحاول المبادرة في ايجاد حلول، في كل مكان في العالم هناك مشاكل ولكن الشعب المنتج هو من يحاول ايجاد حلول. مثلا، لنلجا الى القطاع الخاص لحل المشكلة، لنلجأ الى الناس الذين يبحثون عن صدقة جارية، فبناء مدرسة مثل بناء مسجد، وهم كثر الذين يبنون المساجد لكن لا أحد يفكر في بناء مدرسة ويقدمها للحكومة، لنفكر في طرق للضغط من اجل انشاء مدرسة، لا تكونوا كالبط الذي لا يعرف غير الثرثرة….