في خدمة من يختاره

الإثنين 09 حزيران 2014

في عيد الجلوس الملكي الخامس عشر ننظر إلى التاريخ القريب كما نذكره، ليس كما ستتبارى الأقلام في كتاباته تملقاً اليوم، وكما سيتم تدريسه مراجعاً لأبنائنا مستقبلاً.

ليس من الضروري تذكير مواليد السبعينات وقبلها بأن جلالة الملك عبدلله الثاني لم يكبر معنا في الأردن، وإنما مر عليها في زيارات سريعة تضمنت بعض النشاطات الصغيرة على أرض الوطن: رئاسة (فخرية) لإتحاد الكرة، قفز مظلي، مشاركة في سباق سيارات، كما لم يتم إعداده يوماً كخليفة للملك الراحل حيث ظهر ذلك جلياً ومنذ لحظة أداء القسم أمام مجلس النواب. فكيف ظهر جلالة الملك عبدالله الثاني في اللحظات الأخيرة من حياة الراحل الكبير كالحصان الأسود في السباق نحو عرش المملكة الهاشمية، وظفر به أمام عدة منافسين، كان اثنان منهم على الأقل يتمتعان بأفضلية نسبية (استعداداً وتحضيراً) على الفائز؟

 يروي الصحفي الحائز على جائزة البوليتزر رون سوسكيند في كتابه ذي واي أف ذي وورلد أسلوب العالم (2008) تفاصيل من لحظات نقل ولاية العهد والدور المحوري الذي لعبته شخصية أمريكية هامة في ذلك:

” بعد عدة مهمات في الشرق الأوسط أرسلت وكالة الاستخبارات الأمريكية (السي أي أيه) روب ريتشر إلى عمان ليستقر هناك مطلع الثمانينات. منذ البداية وبشكل غير متوقع طلب الملك حسين من ريتشر أن يمضي بعض الوقت مع ابنه عبدالله، شاب ذكي بدون التزامات كثيرة وصاحب فرصة محدودة في الوصول إلى العرش نظراً إلى أن أمه انجليزية. أقبل ريتشر على هذه المهمة بحيوية كبيرة فهو ينجح دوماً في التوفيق بين المشاريع المستقلة ومهمات العمل السرية. بحلول عام 1999 كان ريتشر، رجل البحرية السابق صاحب التفكير السريع والآكشن الأسرع، قد ساعد في قيادة ابن الملك إلى مرحلة الرجولة. ريتشر كان بالنسبة لعبدالله مثلما كان كارل روف (لجورج بوش).

تزامن هذا (تطور العلاقة) مع إصابة الملك حسين بسرطان الغدد اللمفاوية ووجود عدد من المرشحين لخلافته. السي أي أيه كانت مهتمة جداً بالموضوع، فالأردن ذو أهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة فهو من موقعه بين إسرائيل والعراق يمثل مدينة حدودية كبيرة كما أن له دور مهم كوسيط نزيه نادر في منطقة مليئة بالمشاكل. الأمير حسن شقيق الملك كان قد حمل منصب ولي العهد لفترة طويلة وكان متوقعاً أن يستلم العرش. أحد أبناء الحسين (الاخرين أيضاً) كان له فرصة.

لكن عبدالله، الحصان الأسود، كان إلى جانبه ميزة غير عادلة أعطته أفضلية اشتكى منها منافسوه: ريتشر، الرجل الذي يمتلك مهارات جعلت حتى زملاؤه في السي أي أيه يشعرون بأنهم لا يمكن أن ينافسوه. كانت النتيجة هي أن استدعى الحسين، الذي كانت قد تأكدت عدم إمكانية شفائه، ريتشر إلى منزله في ضواحي واشنطن وأخبره بأن عبدالله سيكون الملك القادم. في هذه الأثناء كانت زوجة الملك حسين نور قد أبقيت خارج الغرفة، وكذلك عبدالله الذي تم استدعاؤه إلى داخلها بعد ذلك بقليل. بحسب رواية ريتشر، الرواية التي تم تأكيدها من مصادر أخرى مطلعة على الأحداث، فإن ريتشر هو من نقل الخبر الى عبدالله بينما كان حسين ينظر اليهما ويهز برأسه موافقاً.

في تلك الليلة خرج ريتشر والملك القادم إلى مطعم وبار ناثانز في جورجتاون احتفالاً بنصر، كان في الواقع انتصاراً للرجلين. كانت تلك الليلة الاخيرة لعبدالله بدون مرافقين أو حرس، ليلته الأخيرة كرجل مدني وليس كملك المستقبل. عندما أعلن البارتندر عن موعد الإغلاق القريب، قال عبدالله لريتشر: “يجب أن اذهب إلى المنزل الآن لأرى زوجتي”.

لم يكن الملك قد توفى بعد لكن اوضاعه كانت تسوء بسرعة مما فتح الباب أمام شهر أو أكثر مليء بالمشاكل والصراع على السلطة. هذه المشاكل دعت حسين المحتضرللاتصال بمدير السي أي أيه في وقتها جورج تينت من سريره في مايو كلينك طالباً منه أن يكف يد ريتشر عن التدخل صارخاً “إذا لم توقف ريتشر فإننا سنواجه حرباً أهلية”. تينت بدوره اشتعل غضباً وراح يصرخ في الطابق السابع لمبنى السي أي أيه بأنه سيطرد ريتشر. وكان من الممكن أن يفعل ذلك لو كان لديه الوقت الكافي.

لكن حسين توفي في اليوم التالي وفي تلك اللحظة أصبح ريتشر واحد من الموظفين القلائل في الحكومات الأمريكية الذين لا يمكن الاستغناء عنهم، فهو الرجل الذي ساعد على صناعة ملك. لم يكن تينت راضياً عن هذه التطورات بينما اكتفى موظفو الوكالة الآخرون بهز رؤوسهم، فقد نجح ريتشر أن يناور بشكل أفضل من كل الوكالة مجتمعة. بعد أيام من وفاة الملك كان ريتشر على طاولة الإفطار عند هيلاري وبيل كلينتون يقدم لهم شرحاً مختصراً عن شخصية الملك الجديد وماذا يمكن أن يتوقعوا من الاردن مستقبلاً. خلال وقت قصير كان ريتشر يستفيد من تلك المكانة الخاصة لدى الحكومة الأمريكية لزيادة نفوذه في المنطقة بأكملها، وأصبح من الصعب الحكم إذا كان يفعل ذلك لمصلحة السي أي أيه أم لمصلحته الشخصية.

في السنوات التي تلت، يمكن القول أن الملك تلقى نصحاً ممتازاً جعله من المفضلين عند جورج بوش وفي نفس الوقت حافظ على رصيد واحترام بين المسلمين في منطقة تحمل مشاعر معادية للأمريكيين. ريتشر وعبدالله يثقان ببعضهما إلى أبعد الحدود، ويذهبان في رحلات معاً وهما الآباء الروحيين لابناء بعضهما البعض. هذا الوضع الخاص جعل ريتشر رجلًا قويًا (وصاحب تأثير). ترك هذا الرجل السي أي أيه والحكومة في صيف 2005″.

—-

بغض النظر عن استمرارية علاقة جلالة الملك الوثيقة مع روب ريتشر، التي أصبحت في مرحلة ما تزعج السي أي أيه ذاتها (مصادر في دائرة المخابرات المركزية في تحقيق استقصائي نشرته مجلة هاربرز عام 2006 قالت: علاقة الملك الأساسية هي دائما مع السي أي أيه، وليس مع السفير الاميركي. عبدالله ما زال يتصل مع ريتشر بانتظام وهو يظن أنه يتصل معنا. ما زال يعتقد أن ريتشر هو “المسؤول”)، وبغض النظر عن دور ريتشر (كمؤسس لشركة بلاك واتر الشهيرة)، بترتيب رحلة خاصة لجلالة الملك إلى مراكز تدريب بلاكوتر وقضاء الوقت مع مؤسسها إريك برنس، أحد أكثر الشخصيات غموضاً في العالم اليوم، تلك الزيارة التي ربما يكون قد نتج عنها مركز الملك عبدالله الثاني لتدريب العمليات الخاصة وغيره، هل تتوافق هذه الرواية مع توثيق جلالة الملك عبدالله تلك الأحداث في كتابه “فرصتنا الأخيرة”؟

lastbestchanceيذكر جلالة الملك عبدلله في كتابه الأحداث التالية (مترجمة من الكتاب):

-عندما وصل جلالة الملك الراحل إلى الولايات المتحدة في صيف ١٩٩٨، كان جلالة الملك عبدالله وزوجته إلى جانبه هناك، وكان من أول من سمع من والده عن عودة الخلايا السرطانية  في جلسة خاصة بينهما.

-عاد جلالة الملك عبدالله إلى عمان ذلك الصيف، وكان صيفاً حاراً ومتوتراً، وكان هواء عمان مليئاً بالإشاعات والنميمة. كانت تلك هي اللحظة التي صب فيها الأمير حسن الزيت على النار.

-اتصل جلالة الملك حسين بالملك عبدالله وسأل غاضباً عمّن كان ينشر الإشاعات بأن حالته الصحية تدهورت. أخبره الملك عبدالله أنه الأمير حسن.

-كانت هناك مجموعة من الناس، منهم قائد الحرس الخاص ورئيس التشريفات ومدير المخابرات يدفعون باتجاه تعيين سمو الأمير حمزة ولياً للعهد. لم يكن الأمير حمزة يدري بالتخطيط الدائر حوله. أحس الطرفان بالفرصة السانحة وأخذت كل من المجموعتين تتنافسان في الكواليس للترويج لمرشحها والتقليل من شأن الآخر. انتشرت الإشاعات في عمان.

-لم يقم الأمير حسن بزيارة الملك حسين في المستشفى وكانت حجة مناصريه أنه يقوم بدوره كنائب للملك بالمحافظة على الاستقرار في وقت مضطرب. لكن المشير الكعابنة أخبر الملك عبدالله لاحقاً  بأن الأمير حسن قام وقتها بالطلب من قائد الجيش بترقية بعض الضباط وإحالة آخرين على التقاعد، وعندما رفض الكعابنة ذلك، قال له الأمير حسن: “أنا القائد الأعلى الآن”. رفض الكعابنة ذلك بحزم. الأمور المتعلقة بالجيش تقع تحت سيطرة الملك حصرياً، وكان من غير المسبوق وغير الدستوري (!) أن يقوم ولي العهد بإصدار أوامر للجيش.

 -في خريف ١٩٩٨ قرر الملك حسين العودة إلى الأردن وكان الملك عبدالله قد سبقه إلى عمان للتحضير لوصوله. كانت الإشاعات ما زالت تنتشر في عمان بأن الملك قد قرر تغيير ولاية العهد. قام عدة أشخاص بالتلميح للملك عبدلله بشكل يحمل طابع التآمر بأنه مرشح.

-كانت الطريقة التي تعامل فيها الملك حسين العائد إلى عمان مع صف المستقبلين من أفراد العائلة والسياسيين وأعضاء الديوان الملكي درساً في القيادة. قبَل البعض، عانق البعض، صافح البعض، ومشى متعدياً البعض كأنه لم يرهم. أحد أعضاء العائلة حاول تقبيله أثناء المصافحة فدفعه بعيداً عنه.

-في صباح ٢٥ كانون الثاني (١٩٩٩) اتصل رئيس التشريفات بالملك عبدالله ليخبره بأن الملك حسين يرغب بأن يحضر هو وعمه إلى القصر في الرابعة من مساء ذلك اليوم.

دخل الملك عبدالله إلى الغرفة بينما كان الملك حسين والأمير حسن بانتظاره. أخبرهم الملك حسين بقراره بتغيير ولاية العهد وأن الملك عبدلله سيتولى المنصب. تعامل الأمير حسن مع الوضع بكياسة ووقار. خرج ثلاثتهم أمام عدسات الكاميرات التي كانت بالانتظار، وتصافحوا أمامها بينما أعلن الملك حسين الخبر للأمة.

– في اليوم التالي، نشر الملك حسين رسالة حادة الكلمات للأمير حسن انتقده فيها بحدة. صدمت نبرة الرسالة الكثير من الأردنيين، لكنهم كانوا يثقون بحكمة ورؤية حاكمهم بشكل مطلق.

-غادر الملك حسين الأردن في أواخر كانون الثاني، وكانت الأسابيع التي تلت مليئة بالتوتر (توفي الملك حسين في السابع من شباط). فعلاقات الملك عبدالله مع السياسيين الأردنيين القدامى والقطاع الخاص محدودة. كان رئيس الديوان ورئيس الوزراء قد تم تعيينهم من قبل الأمير حسن، وغيرهم من أصحاب المناصب القيادية مثل رئيس التشريفات وقائد الحرس الملكي مقربين من الملكة نور. قرر الملك عبدالله الاعتماد على رفاقه المقربين من الجيش والقوات الخاصة.

-وصل للملك عبدلله خبر بأن نشاط الأمير حسن في ازدياد، وأنه يجري اتصالات مع بعض قواعده بما فيها بعض السياسيين وشيوخ العشائر. طلب الملك عبدالله من الرجل الثاني بعده في العمليات الخاصة محمد ماجد بجمع بعض الضباط الأساسيين في منزله ذلك المساء، وأخبرهم بأن التصرف الحكيم يقضي بوضع بعض الوحدات في وضع التأهب تحسباً لأي تصرف غبي مهما كان مستبعداً. ضحك الضباط، مما أثار إزعاج الملك عبد الله المتعب، فأخبروه بأن تلك الإجراءات قد تم اتخاذها منذ أيام، وأنهم إضافة للعمليات الخاصة قاموا بالاتصال بلواء وفرقتين لوضعهم كاحتياط. نظر الملك عبد الله إلى قادة وحداته، ولأول مرة شعر بالثقة بأن كل شيء سيكون على ما يرام.

تتطابق الروايتان لتلك الأحداث الهامة من عمر الوطن في مواقف، وتختلف (وربما تتكامل) في مواقف أخرى، لكن بالمحصلة يجلس جلالة الملك عبدلله الثاني اليوم في أكثر الأوضاع راحةً وثقة منذ ١٥ عاماً. فها هو قد نجح اليوم بتجاوز المراحل الصعبة وتفادي تلك العقبات وما تلاها، محافظاً على كامل امتيازاته غير المشروطة، وعائداً بالأردن إلى الاستقرار في الوضع الهلامي الذي تآلف معه الأردنيين وقبلوه، موطداً دعائم عرش الهاشميين (تكتيكاً وترغيباً دون حاجة للترهيب) كحكام متفردين يديرون شؤون البلاد بحكم أوتوقراطي عائلي منتفع، وفق إجماع شعبي كبير، فاستحقت المملكة الأردنية اسمها هاشميةً هاشمية، شاء من شاء وأبى من أبى من أقلية هامشية.