الرفيق النسور وصندوق النقد الدولي و”بناء المستقبل”: في نقد الخطاب النقدي

الأحد 01 حزيران 2014

قبل أسبوعين، حلّ محافظو البنوك المركزية ووزراء المالية العرب ضيوفًا على صندوق النقد الدولي في عمّان، مستمعين لحديث عن مستقبل العالم العربي ودوله الربيعية. في حالة الأردن، كان الحوار كاشفًا بعمق لمنطق الحكومة في قرارتها الاقتصادية، ومضيئًا على التناقض بين هذه القرارت وانتقادات الحكومة لسياسات الصندوق.

عُقد مؤتمر “بناء المستقبل”، عالي المستوى، الذي نظمه صندوق النقد الدولي بالتعاون مع الحكومة الأردنية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي و الاجتماعي يومي 11 و12 أيار. بشعار “وظائف، نمو، مساواة”، يهدف حسب منظميه من الصندوق إلى مناقشة “استراتيجيات تحقيق النمو القوي والاحتوائي اللازم للحد من البطالة”.

حوار الفرسان لا الطرشان!

حضر رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور، في اليوم الثاني من المؤتمر، جلسة حوارية جمعته مع رئيسة صندوق النقد الدولي ووزيرة المالية الفرنسية السابقة، كريستين لاجارد، ورئيس صندوق الإنماء العربي، الكويتي عبد اللطيف الحمد. الانطباع السائد والذي ظهر على الكثير من الحضور وحتى على لاجارد نفسها في تلك الجلسة، بأن الأردن “نجح” في كسب ثقة صندوق النقد أو ثقة المجتمع الدولي، أو بفرض سياسيات “غير شعبية”، “صعبة” و “مهمة” (كرفع الدعم وتطبيق توصيات الصندوق) والسيطرة على تداعياتها الأمنية والحفاظ على الاستقرار السياسي النسبي.

تحدث رئيس الوزراء عن أن ذلك النجاح، برأيه، جاء أولًا لأنه أشرك الناس بتلك القرارات من خلال توضيح أسباب رفع الأسعار، وبسبب حزمة الإصلاحات السياسية التي اتخذتها الدولة الأردنية (ذات الخطاب المعروف: إصلاح ثلث الدستور، قوانين ناظمة للحريات، انتخابات نيابية). كان الرئيس يخاطب الحضور ووفود الدول العربية القادمة بأسلوب المعلم، ليظهر بوضوح أسباب و مكامن “النجاح” الأردني. ختم الرئيس مداخلته الأولى بنصيحة مهمة، وقال إنه بعد أن تشرك الناس وتتخذ الإصلاحات السياسية اللازمة و تكون نظيف اليد لا فاسد، اتخذ القرار الصعب (كرفع الدعم) “ولا تعد عن قرارك إبدا”.

جاء دور لاجارد التي قالت بأسلوب قوي وواضح، إن علينا إعادة “العافية” و”الصحة إلى المالية العامة”، وإن نسب الدين العام من الناتج القومي يجب أن تنخفض على المدى البعيد. صرحت أيضًا بأن بعض السياسات المدروسة لإعادة توزيع الثروة “calculated redistributive policies” لا تؤثر  سلبًا، بل قد تكون “مكملة للنمو”، و هو ما يمثل انتقالًا حذرًا لكن مهمًا في خطاب الصندوق ومواقفه.

النسور في مداخلته الثانية، صرح (في خطاب معروف آخر) بأن صندوق النقد “لنا جميعا” وهو يمثل “طبيبًا” تدعوه كدولة مستقلة ليعطيك “وصفة” prescription كوصفة الطبيب، لك إن “تقبلها أو ترفضها”. المهم في حديث النسور هو شكواه على الصندوق للحضور والإعلام. ففي نظره، يسيطر على الصندوق “الجهد المحاسبي” لا الاقتصادي العام، الذي لا يأخذ بعين الاعتبار الجوانب التنموية ومشكلة البطالة. يتسائل النسور “كيف تحل مشاكل التنمية والبطالة بدون إنفاق بغير عجز؟”، ويرى أن على الصندوق إضفاء “نكهة” اقتصادية بأهداف اجتماعية. كان انتقاد النسور مهماً وملفتاً لدى الحضور. ردت لاجارد، التي بدت عليها مظاهر الامتعاض، لتقول “نحن لسنا مجموعة محاسبين، فقط ننظر إلى الأرقام”، مصرحة بأن الصندوق سمح للحكومة بنقطة مئوية إضافية، نسبة للدين عام من الناتج القومي، بسبب أزمة اللاجئين التي تعتبر أزمة سياسية وإنسانية، لا مشكلة محاسبية.

غضب لاجارد في الإعلام الأردني

لماذا أغضب الرئيس لاغارد؟” كان عنوان مقالة رئيسة تحرير صحيفة الغد، جمانة غنيمات، التي تحدثت فيها عن “غضب” لاغارد و مسؤولي الصندوق من تصريحات النسور، ليعود النسور بعد جلسة الصباح و قبيل الغداء، “لترطيب الاجواء” كما قالت الغنيمات. الرئيس فعلاً عاد عن “آثار” مداخلته الصباحية، فبعد ممازحة الحضور قال “قد يكون حديثي في الصباح ذهب أبعد مما أردته” (my remarks went too far).

أما الكاتب الاقتصادي في صحيفة الرأي، فهد الفانك، فكتب أن “لا خلاف جوهري بين الجانبين” (النسور ولاجارد/الحكومة والصندوق)، والذي حصل في المؤتمر هو محاولة حكومية لموائمة أفكار مدرستين اقتصاديتين، مع أن الفانك وصف مداخلة النسور بأنها “سجلت نقطة سياسية”. لعلها فعلا كذلك، فالكاتب في صحيفة العرب اليوم، أسامة الرنتيسي أعلن دعمه لرئيس الوزراء وأسماه “الرفيق الدكتور”. أما الدكتور صبري الربيحات، فاتهم النسور بالحديث بشيء وتطبيق سياسات أخرى، وقال إن لاجارد والنسور لا يختلفان كثيرًا من حيث التطبيق.

صندوق الخبراء

وصل بعض الكتاب الرادكاليين في العالم إلى حد وصف خبراء الصندوق “بالقتلة الاقتصاديين المحترفين”، الذين كانوا عادة ما يعاملون معاملة العملاء السريين. يأتون من المطار إلى الفندق إلى اجتماعاتهم مع المسؤولين، مقدمين توصياتهم (أو إملاءاتهم) مقابل قروض للدولة المستضيفة، يسافرون بعدها تاركين خلفهم ما أطلق عليه الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، جوزيف ستيغلتس، أحداث شغب الصندوق The IMF Riot (انظر أيضًا: هبة تشرين). لكن بعيًدا عن أدبيات الحركة العالمية المناهضة للعولمة، ما يفسر غضب لاجارد، هو أن رئيس الوزراء الأردني المستضيف، المتلقي لقرض “سخي” من الصندوق، كاد بحديثه الصريح أن يفسد الحملة الاعلامية لتغيير صورة الصندوق في المنطقة العربية المتمثلة في هذا المؤتمر.

لا يخفى على أحد، من بينهم نفس الخبراء و المختصين في صندوق النقد والبنك الدولي (وأتباعهم من “المختصين” المحليين) بأن الشعوب العربية التي خرجت الى الميادين وأسقطت أنظمة و حكومات كانت تضع العدالة الاجتماعية و مشكلة الفساد في سلم شعارتها و أولوياتها. الصندوق -الذي كانت مؤشراته الاقتصادية و تقريراته لتونس بن علي و مصر مبارك، قبيل الإطاحة بهما بأشهر، وردية و ايجابية و مادحة- لا يمثل بالنسبة لجماهير الربيع العربي فرص العمل والمساواة و النمو “الاحتوائي” أو النمو العادل، بل قد يكون العكس تمامًا. إن توصيات صندوق النقد الدولي و “وصفاته” السابقة، و لو أنها ما زالت تجد المعجبين بها من بين وزراء المالية و غيرهم، قد أنتجت، بحسب الكثير من المحللين والسياسيين والناشطين، المسببات والدوافع الاقتصادية والاجتماعية الأساسية للثورات العربية. بل يرى الكثيرون أن الصندوق، كما كان في دول أمريكا اللاتينية تاريخيًا،  يدعم مادياً ويضفي شرعية على أنظمة دكتاتورية.

المحاسبة الاقتصادية

من المهم أن نسأل رئيس الوزراء كيف سينمو الاقتصاد الذي يجب أن يضاعف نسب نموه “الاحتوائي” في حين يُحدد ويُحكم الأنفاق الحكومي، أهم محركات النمو في اقتصاد ناشئ مثل الأردن، بـ”وصفات” صندوق النقد. حديث لاجارد، عن سماح الصندوق للأردن، بنقطة واحدة إضافية تتيح انفاقًا حكوميًا اضافيًا للتعويض عن أعباء استضافة اللاجئيين السوريين هو كلام متناقض يدفعنا إلى الكثير من الأسئلة: إذا كان الارتفاع في هذه النسبة خطرًا و/أو ممنوعًا مهما كان ذلك الارتفاع، فلماذا يسمح الصندوق به حتى وإن كان “لأسباب انسانية”؟ وكيف يقرر الصندوق أن النسبة الإضافية المسموحة هي 1%، لا 4% ولا 1.5% ولا 0.75%؟ لماذا لا يراعي صندوق النقد الأسباب الإنسانية الأخرى عند الآف الفقراء و العاطلين عن العمل الأردنيين؟ هؤلاء يحتاجون أولا لأرتفاع في الإنفاق الحكومي الرأسمالي و المشغل، ما سيرفع  نسبة الدين العام من الناتج القومي على المدى القصير، كما يحتاجون إلى تحسين الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية أيضًا.

الأسئلة الأهم التي على الحكومة و رئيس الوزراء الاجابة عليها، إن كان الصندوق (الطبيب) ووصفاته الطبية لا تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات التنموية وخصوصية الاقتصاد الأردني، فلماذا نذهب للصندوق أساسًا ونربط سياساتنا الاقتصادية بأيديولوجيا سياسية أقل ما يقال عنها أنها غير ملائمة لدولة نامية مثل الأردن بل قد تكون غير ملائمة لأي دولة؟ لماذا أخذ رئيس الوزراء بتلك التوصيات حرفيًا عندما رفع أسعار المحروقات وشنّ حملة إعلامية تصور حتمية رفع المحروقات؟ ثم لماذا يعود علينا “الرفيق” و يسجل نقاط سياسية ضد الصندوق إن كانت تلك السياسات غير مفروضة علينا أو عليه، بل نابعة من تلقاء حكومته؟ ألم يكن نجاح الأردن في إدارة “الرفعة” أساسًا من أجل أهداف محاسبية لا تنموية و اجتماعية؟ ما الذي تغير منذ تشرين 2012 الى اليوم ليعود النسور فكريًا عن قراراته التي قال إنه لن يعود عنها فعليًا “أبدا!!”؟!

لنطفئ الأنوار.. بأسلحتنا الغربية

تطرق المؤتمر للكثير من المحاور، لكن بدا واضحًا أن الصندوق يركز على “مشكلة” دعم الطاقة في العالم العربي، الذي يرفضه الصندوق و يرى فيه تشويها للاقتصاد، و يضيف عبئًا على موزانات دول المنطقة. حسب أرقام الصندوق، يقدر دعم الطاقة في دول الشرق الأوسط (مضافة إليها إيران) عام 2011 بـ234 مليار دولار. إصلاح دعم الطاقة يشكل أولوية لدى الصندوق و مطالبه، ويترجم ذلك أردنيا بعد رفع المحروقات، إلى دعم الكهرباء و دين شركة توزيع الكهرباء.

لا نجد، لا في المؤتمر ولا في أغلب أدبيات الصندوق وتوصياته، وعلى الأرجح لا في اجتماعاته مع المسؤولين العرب، أي ذكر للموازنات العسكرية في الشرق الأوسط (مضافة إليها إسرائيل) والتي تقدر حسب مركز ستوكولهوم لدراسات السلام العالمي  بـ150 مليار دولار لعام 2013. هل لأن الصندوق يأخذ بعين الاعتبار استقرار وأمن دول المنطقة (مع أن توصياته قد تؤدي إلى “شغب” و تظاهرات)؟ أم لأنه يستسهل إغضاب الشعوب بدلاً من إغضاب النخب (التي يتنفع بعضها جراء صفقات السلاح)؟ أم لأن تلك الصفقات و الإنفاق على السلاح-خصوصًا عند الدول العربية غير المصنعة للأسلحة، و إن كان على حساب أنفاق حكومي غير منتج- يشكل دخلاً مهمًا للدول الغربية المسيطرة على صناعة القرار داخل الصندوق، و يوظف الألاف من مواطنيها؟

تضخم أيديولوجي

يعترف الصندوق، في إصداراته حول رفع الدعم عن المحروقات في دول الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، بأنه قد ينتج عن ذلك الرفع تضخم في الاقتصاد و قد يتأثر “الفقراء” جراء ذلك، مع أن أغلب الدعم يذهب لطبقات متوسطة و عليا. بالرغم من ذلك، يصرّ الصندوق على رفع الدعم ناصحًا بدعم مالي مباشر “للفقراء” (تذكر: دعم المحروقات 70 دينار). لكن هل يقبل الصندوق التضخم التنموي الذي قد يتبعه إنفاق اضافي منتج، بدون الإصابة مع الخبراء العرب “ببارانويا التضخم“؟

لم تكن المنصة مكانًا حقيقيًا للحوار. رغم الاعتراف بتغيير في خطاب صندوق النقد، إلا أن المؤتمر بتوصياته أعاد تدوير الأفكار ذاتها التي جعلت من الصندوق في نظر شعوب المنطقة رمزًا من رموز الفقر والبطالة و التبعية الاقتصادية غير المجدية. عبر “غضب” لاجارد من آراء و ملاحظات رئيس الوزراء -التي من المفترض أن يأخذها مسؤولو صندوق النقد بكل رحابة صدر و يدونوها جيدًا- (ألم يكن ذلك الهدف المصرح من المؤتمر أصلًا؟) أثبت المنظمون على المؤتمر أن ما زال أمامهم الكثير ليستشعروا المتغيرات السياسية في المنطقة. أما الحكومة بقيادة “الرفيق الدكتور” عليها أن تثبت لنا في الشهر القادم استقلاليتها السياسية في إدارة الاقتصاد عندما “ينصح” الصندوق (الطبيب الذي لا يضغط) برفع إضافي لتعرفة الكهرباء أو بخصخصة شركة التوزيع.

إن أي تنازل حكومي أمام الصندوق لا يأخذ بعين الاعتبار أهمية دعم الكهرباء وأثر ذلك على الكثير من القطاعات الاقتصادية المنتجة وعلى رأسها قطاع الصناعات يضع كل حديث النسور في رفوف البطولات التي اعتاد على حبها الرفاق الكتّاب. و سيصابون باليوم التالي، جراء تناقض  أفكار/قرارات “الرفيق” الجديد/القديم، بالاكتئاب الشعبي.