تجميد قانون التراث الحضري، من يحمي بيوت عمّان التراثية من الهدم؟

الإثنين 14 تموز 2014

عندما تسير في شارع زهران، الواصل بين الدوارين الرابع والثالث، بمنازله التي لا يتعدى ارتفاعها ثلاثة طوابق، يأخذك الهدوء المخيم على المكان. معظم تلك المنازل تستخدمها اليوم جهات دبلوماسية كالسفارات والقنصليات، لتشكل مجتمعة برفقة أشجار السرو الممتدة على الطريق مشهدا جمالياً في واحدة من أعرق مناطق عمان.

تلزمك ثلاث دقائق فقط مشيا على الأقدام باتجاه العمق من ذلك المشهد لكي تصل شارع أبي فراس الحمداني، الواقع بين شارع زهران الرئيسي ومنطقة مركز الخالدي الطبي، لتفاجئك ثورة عمرانية تنفي عن المكان هدوءَه، وركام العديد من المنازل القديمة، إلى جانب منازل أخرى رفعت يافطة “للبيع أو الإيجار”.

مشاريع قرب منطقة الخالديالصعود الإسمنتي نحو السماء بارتفاعات تفوق ارتفاعات المنازل هناك، وبتصاميم لا تشبه تاريخ المنطقة، جاء على حساب منازل أنشئت في خمسينيات القرن الماضي، لصالح عيادات طبية تتناغم مع الوصف الجديد لتلك المنطقة بـ”المنطقة الطبية”.

سكان تلك المنطقة انقسموا حول اقتحام تلك المشاريع الإنشائية لمنطقتهم، كونها تقوم على ركام منازل يُنظر لها على أنها تراثية، فمنهم من ترك  ضجيج المكان المليء بمشاريع البناء وأزمات السير، ومنهم من تمسك بأصالة تلك المنطقة، رافضا بيع منزله لصالح المزيد من العيادات الطبية.

يصف حازم ملحس أحد سكان المنطقة ما يجري بالجريمة ضد التراث، مطالبا بوقف مسلسل هدم المنازل التراثية هناك لصالح المشاريع الاستثمارية التي تغير شكل المكان، ومطالبا بالحفاظ على “ما تبقى من أشلاء زهران” بحسبه.

ملحس لا يمانع إعادة ترميم المنازل القديمة هناك لصالح مشاريع جديدة، لكنه يستغرب بيعها لمستثمرين يسارعون بهدمها لإنشاء العمارات، متسائلا في الوقت ذاته عن دور السلطات الرسمية في حماية منازل قديمة ربما كانت تحمل تاريخا للعاصمة عمان.

يتقارب حزن ملحس مع ما شعرت  به المهندسة المعمارية دينا حدادين التي تقطن في نفس المنطقة، إذ تفاجأت ذات نهار بهدم منزل مجاور لمنزلها تصفه بالتراثي، كان هو الرابع الذي شهدت هدمه خلال أيام، دون رقابة تذكر على عمليات الهدم بحسب قولها.

إلا أن ملحس لا يتوقف فقط عند هدم المنازل التراثية، بل أيضا عند مقدرة المنطقة على تحمل العبء المروري والشكل المعماري الجديد وتغير البنية الاجتماعية المعهودة.

في الجهة المقابلة، لا ينظر جميع سكان المنطقة لتلك المنازل بذات العين، فالبعض ملّ من الازدحام المروري بسبب كثافة المجمعات الطبية، اضافة الى انزعاجهم من ضجيج البناء الذي لا يبدو له نهاية قريبة، ما استدعى العديد منهم لعرض منازلهم للبيع، والرحيل إلى مناطق أخرى.

بعيًدا عن مشاعر سكان المنطقة والمهتمين بالتراث العماني، كان يفترض بعمليات البيع والهدم أن تصطدم بعائق قانوني يمنع المس بالعديد منها، ويسمح بإعادة استخدام بعضها الآخر وفق شروط محددة إذا ما تم تصنيفها بالتراثية بحسب قانون التراث العمراني والحضري الصادر عام 2005.

مع إصدار القانون، انتظر المهتمون بالتراث الحضري اجراءات توقف الهدم، وتنظم عملية استخدام المنازل التراثية وترميمها، إضافة لإيجاد معايير محددة في تعريف الموقع الأثري.

” ما هو التراث”؟

يقول طبيب باع منزله في المنطقة لصالح مشروع عيادات طبية أنه لم يكن على دراية أن المنزل مصنف كموقع تراثي حتى اقترب موعد توقيع عقد البيع، عندها علم من المشتري أن المنزل منصف ضمن الفئة الثالثة من البيوت التراثية وهي فئة “ج”. وما كان من المشتري إلا اقتراح هدم المنزل لإتمام البيع، الأمر الذي وافق عليه الطبيب، بالأخص كونه تفاجأ بأن المنزل مصنف كمنزل تراثي بحسب قانون حماية التراث الحضري، حسب قوله.

بدأت عملية الهدم ومر أسبوع قبل أن تتدخل أمانه عمان الكبرى بحجة عدم وجود ترخيص بذلك، لكن سرعان ما نال المشتري إذن إتمام الهدم، دون أن يعلم الطبيب إذا ما تم دفع أية غرامات لأمانة عمان.

ويستغرب الطبيب تصنيف منزله العائد لستينيات القرن الماضي ضمن المنازل التراثية، مؤكدًا أن المنزل لا يحتوي على أية  تصاميم قديمة، وأنه فقط “منزل جميل بحجارته الملونة”، وذلك قبل أن يتحول “لملجأ للصوص ومكان لممارسة الرذيلة نتيجة هجره لسنوات طويلة”، بحسب قوله.

هذا يفتح الباب حول تعريف المواقع التراثية عمومًا، فقانون التراث الحضري لسنة 2005 يعرف المواقع التراثية بأنها “المبنى أو الموقع ذو القيمة التراثية من حيث نمط البناء أو علاقته بشخصيات تاريخية أو بأحداث وطنية أو قومية أو دينية هامة وأقيم بعد سنة 1950 ميلادية بما لا يتعارض مع قانون الآثار النافذ المفعول رقم (21) لسنة 1988.”

المعماري الرائد راسم بدران يعرّف المواقع التراثية بأنها تلك التي لها قيمة معمارية، سكنتها عائلات أثرت بالمدينة بمجالات مختلفة، أو أشرف على تصميمها معماريون مشهورون كجعفر طوقان وجورج خوري، أو أنها تملك قيمة مرتبطة بنشأة المدينة، أو أنها  تعطي عمان وجهًا معماريًا معاصرًا سيتحول لإرث وتاريخ للأجيال القادمة.

أما المعماري رامي الضاهر، المختص بالتراث والتجديد الحضري، يقول أن منازل منطقة زهران توصف بأنها تراثية لأنها تحتفظ بتصاميم فترة الحداثة المميزة جدًا بين الأربعينيات والستينيات، وسكنت معظمها عائلات غنية دون أن تضفي البذخ على تصميم المنزل.

قانون مجمّد، حماية للمصلحة العليا

خمسة قوانين في الأردن تُنظم بعض بنودها أصول حماية المباني التراثية، أكثرها تخصصًا قانون حماية التراث العمراني والحضري رقم 5 لسنة 2005، الهادف لحماية المواقع التراثية الأردنية، والذي يوضح المرجعيات والمسؤوليات والواجبات والحقوق في هذا الشأن. إلا أن هذا القانون ذا التسعة أعوام لا يزال لغاية اللحظة دون تعليمات أو أنظمة مقرة.

ينص القانون على تشكيل لجنة وطنية لحماية التراث العمراني والحضري برئاسة وزير السياحة وعضوية ممثلين عن أمانة عمّان ووزارات وجهات ذات علاقة، بحيث تشمل صلاحياتها اعتماد مواقع تراثية وإدراجها ضمن سجل تراث وطني، والعمل على توفير الأموال اللازمة لترميم المنازل ضمن صندوق التراث والإشراف عليه.

أمانة عمّان قامت بدراسة أولية عام ٢٠٠٦ لتصنيف المواقع التراثية وأعدّت سجلاً بالمباني التراثية في عمان إلا أنه لم يصدر لغاية الآن أي قرار رسمي من اللجنة باعتماده وإعلانه.

وزارة السياحة، بصفتها رئيسة اللجنة الوطنية للتراث الحضري، قامت بتشكيل لجنة فنية ووضعت المعايير اللازمة لتصينيف المنازل التراثية، بالإضافة لنماذج التقييم والتوثيق، لكنها اصطدمت بالمادة ٥-ج من القانون التي نصّت على أن على اللجنة “العمل على توفير الاموال اللازمة لاعمال الترميم واعادة الاعمار للمواقع التراثية وما حولها وتقديم التعويض العادل لاصحابها”.

لجأت وزارة السياحة إلى “تجميد القانون مرحليا من اجل المصلحة العليا”، وذلك لحين إيجاد حلول لقضية التعويضات 

هذا وضع عبئًا ثقيلًا على وزارة السياحة، ذلك أن تحديد المباني التراثية وإعلام أصحابها دون وجود قدرة مادية لدى الدولة بتعويض ملاّك تلك المنازل يشكل خطرًا على بقائها من جهة، كون القانون يمنع التصرف بها، ويفتح جبهة جديدة للدولة مع المطالبين بالتعويضات نتيجة فرق السعر الحاصل نتيجة تصنيف المواقع بأنها أثرية، لذا لجأت إلى “تجميد القانون مرحليا من اجل المصلحة العليا”، وذلك لحين إيجاد حلول لقضية التعويضات من خلال آليات أخرى كمبادلة العقار أو منح الحوافز بحسب سحر البراري التي شغلت منصب مديرة وحدة التراث العمراني والموارد السياحية عامي 2009-2010.

الطبيب الذي هدم منزله ينتقد عدم تبليغ أصحاب المنازل بأنها مصنفة تراثيًا، ويضيف أنه لو علم بأن منزله مصنف تراثيًا ولم يكن مقتنعًا بالتصنيف، كان سيفكر باللجوء للقضاء لنيل حقوقه، سواء كان ذلك التعويض أو البدل أو تغيير معايير التصنيف.

وتقول البراري بأن أبرز ثغرات القانون تكمن في غياب آليات في تنفيذه، فمثلًا نصت المادة 16 على مجموعة من الغرامات للمخالفين، والتي تتراوح من 100 دينار في حدها الأدنى لتصل إلى 5000 دينار في أقصى حد، تطبق الأخيرة إذا ما تم هدم موقع أثري أو جزء منه، وهو مبلغ “بسيط” بالنسبة لمستثمرين، مما يشجع على الهدم ودفع الغرامة.

أما صندوق التراث، الموكل له بحسب القانون شراء أي مواقع تراثية وترميمها، إضافة لدفع التعويضات لمالكي المواقع التراثية، لا يملك القدرة على تقديم المساعدات كون مصادر تمويله ضعيفه لغاية الآن بسبب عدم تفعيل المخالفات وآليات الجباية بحسب البراري.

التحفيزات التي يقدّمها القانون من أجل إعادة استغلال المواقع التراثية بشكل يحافظ على وجهها التراثي، مثل بعض الإعفاءات الضريبية وإعفاءات الرسوم، غير كافية أيضاً، بحسب أمين عام وزارة السياحة، عيسى قموة.

ويعتبر قموة أن إعطاء المستثمرين المزيد من الحوافز لإعادة استغلال الموقع التراثي قد يساهم بشكل كبير في الحد من عمليات هدم المنازل.

مخالفات بالجملة في الميدان

بحسب الدراسة  الشاملة للحفاظ على التراث العمراني والحضري التي قامت بها الأمانه  لتحديد المواقع التراثية، يوجد ما يزيد عن 1600 موقع تراثي، موّزعين على مناطق زهران، والعبدلي، ومنطقة المدينة، وبسمان، والنصر، وماركا، ورأس العين، واليرموك، حيث تتدرج حسب القيمة التراثية للموقع ، فمنها ما يمنع هدمه نهائيًا ومنها ما يسمح بهدمه بشرط  موافقة الجهة المسؤولة عن التراث العمراني في أمانة عمان ولجانه بما يتناسب والنسيج العمراني والحضري المحيط.

إلاّ أن عدم تفعيل القانون التراث الحضري وعدم الإعلان عن قائمة المواقع التراثية أدى إلى ارتكاب مخالفات صريحة من قبل أصحاب منازل مصنفة أنها تراثية، بعلمهم أو دون علمهم.

مصادر متطابقة أكدت أن الأمانة تلجأ في محاولتها لوقف بعض عمليات الهدم إلى قوانينها الداخلية التي تلزم الراغبين بهدم منازلهم بأخذ تراخيص الهدم أو البناء، وليس لقانون التراث.

الجهات المختصة بالأمانة لم تصدر أي إذن هدم لمنزل يحتم تصنيفه عدم هدمه منذ عام 2006، بحسب فراس الربضي، مدير قسم التراث الحضري في الأمانة، إلا أن جولة صغيرة في شارع فرعي بالقرب من مركز الخالدي الطبي، وهي من المناطق المصنفة تراثياً، كفيلة بكشف عدد المنازل المهدومة.

حديقة زهران ومركز فرح للأشعة .. نماذج إيجابية

في وسط مشهد هدم المنازل التراثية لحساب مشاريع جديدة، خرجت نماذج مختلفة تحافظ على هوية المنطقة، سواء بقصد أو دون قصد.

فمستشفى فرح الذي يمضي حالياً بمشاريعه التوسعية، أعاد استخدام أحد المنازل القديمة كمركز للأشعة دون هدمه.

المهندس زاهر بشناق من المكتب المعماري المصمم للمستشفى، يؤكد أن قرار الإبقاء على المبنى لم يكن لأسباب تتعلق بتصنيفه تراثيا، ذلك أنهم لا يعلمون لغاية الآن بوجود قانون مُقر يصنف المنازل تراثيا ويمنع هدمها.

ويوضح بشناق أن القرار جاء لرغبة مجلس الإدارة بإعادة استخدام المبنى القديم  ذي الأربعين عاما نظرا لمناسبة حجمه من جهه، وما سيضفيه تصميمه من أجواء مريحه للمرضى من جهة أخرى.

“الملفت أن التجربة حازت على ردود إيجابية كثيرة، من المرضى والمراجعين وأصحاب الخبرة” يقول بشناق، لكنه لا يستبعد هدم المبنى ضمن مشروع التوسعة الحالي.

حديقة زهرانحديقة زهران هي نموذج آخر. فبعد أن كادت تنجرف لصالح موقف سيارات، احتج سكان المنطقة ونجحوا في الحفاظ على حديقتهم.

تقول مها دهمش المقيمة بجانب الحديقة، بأنها عندما قدمت للمكان كانت تلك المساحة مهملة، ما دفعها لمحاولة تجميلها كونها جارة لها من ناحية، وسعيًا لتكوين مجتمع صغير يربطه الاهتمام بالبيئة ويشارك بالفعاليات المقامة بالحديقة.

وساهم عدد من سكان المنطقة، كل بخبرته، في إحيائها، فمنهم من تبرع بشبكات الري ومنهم بالأشتال والورود وآخرون بالإشراف، بحسب دهمش.

إلا أن تجربة  تلك الحديقة المحظوظة بجيرانها لا تعمم على كافة المساحات الخضراء بالمنطقة، فعلى مقربة منها ومن مستشفى الخالدي تقع حديقة أخرى لم تحظَ باهتمام سكان الحي، فباتت مساحة مهملة.

عدد كبير من المشاريع العمرانية في المنطقة الطبية بشارع زهران نهضت على حساب منازل تراثية لم يشفع لها تاريخها أو ما تحمل من ذكريات المدينة، أو حتى قانون يحميها. وعمليًا، بات من المستحيل إعادة ما كان في تلك المنطقة. لكن هل سيلحق ذات المصير بمئات البيوت التراثية الأخرى في مناطق اللويبدة وزهران وبسمان وغيرها في غياب تفعيل القانون؟