فيس بوك قادر على التأثير على نتائج الانتخابات دون أن يكشفه أحد

الخميس 24 تموز 2014

المستقبل المخيف لتزوير الانتخابات الرقمي وكيفية منعه

جوناثان زيتارين*، ترجمة تقوى مساعدة (نشر هذا المقال باللغة الانجليزية في مجلة ذا نيو ريببليك)

خضع مستخدمو “فيس بوك” الأمريكيون في الثاني من شهر نوفمبر سنة 2010 إلى تجربة طموحة في مجال الهندسة المجتمعية، لمعرفة إن كان بإمكان شبكة اجتماعية أن تدفع بأشخاص ممن يتقاعسون عادةً عن الإدلاء بأصواتهم، إلى المشاركة في الانتخابات الأمريكية النصفية التي جرت في ذلك اليوم.

وكانت الاجابة: نعم.

كان دَفْع المتفرجين إلى غرف الاقتراع  أمراً بسيطاً، إذ تطلّب الأمر رسماً غرافيكياً يحتوي على وصلة للبحث عن مراكز الاقتراع، كما احتوى الرسم على زر تقوم بالضغط عليه لتعلن أنك قمت بالإدلاء بصوتك، وتظهر فيه صور ستة من أصدقائك على فيس بوك يوضحون أنهم قاموا بالإدلاء بأصواتهم كذلك.

وبالتعاون مع “فيس بوك” تمكن العلماء السياسيون الذين صمموا التجربة  من وضع هذا الرسم الغرافيكي في الصفحة الرئيسية لعشرات الملايين من مستخدمي “فيس بوك”. (ظهرت رسالة عامة لمجموعات أخرى من مستخدمي “فيس بوك” تدعوهم إلى المشاركة في الانتخابات، بينما لم تستلم مجموعات أخرى أي تذكير).

وفي حركة تحليل بيانات ممتازة، قام الباحثون لاحقاً بالتأكد من أسماء الأشخاص الخاضعين للتجربة، ومن الأيام التي أدلوا فيها بأصواتهم فعلياً في كل أنحاء البلاد، لقياس الأثر الفعلي الذي حققه هذا التشجيع على نسبة المقترعين.

وبشكل عام، فإن المستخدمين الذين تم إبلاغهم عن إدلاء أصدقائهم بأصواتهم كانوا ميّالين بنسبة 39% إلى الادلاء بأصواتهم مقارنة ببقية المستخدمين الموجودين في مجموعة البحث، وبدا أن أي قرار بالاقتراع كان يؤثر على أصدقائهم المقربين على “فيس بوك”، حتى أولئك الذين لم يستقبلوا الرسالة الأصلية.

الرسم الغرافيكي على “فيس بوك” دفع بشكل مباشر بستين ألف ناخب إلى الادلاء بأصواتهم، وبفضل تأثير المستخدمين على بعضهم، فقد أدلى 340 ألف ناخب إضافيون بأصواتهم في ذلك اليوم.

ولقد أدت هذه الزيادة الطفيفة في نسبة الاقتراع إلى حشد الكثير من الأصوات الجديدة، وخلص الباحثون إلى أن الرسم الغرافيكي على “فيس بوك” دفع بشكل مباشر بستين ألف ناخب إلى الادلاء بأصواتهم، وبفضل تأثير المستخدمين على بعضهم، فقد أدلى 340 ألف ناخب إضافيون بأصواتهم في ذلك اليوم.

وكما أشار الباحثون، فقد فاز جورج بوش في الانتخابات في فلوريدا، وبالتالي فاز بالرئاسة بـ 537 صوتاً، أقل بواحد بالعشرة بالمئة عن عدد الأصوات التي تم الإدلاء بها في الولاية.

الآن، افترض معنا أن هنالك معركة انتخابية حامية ستخاض في المستقبل، وافترض أن “مارك زوكربيرغ” يفضّل مرشحاً لا يروق لك، سيقوم بنشر دعوة للانتخاب في الصفحات الرئيسية لعشرات الملايين من المستخدمين النشطين لـ”فيس بوك” ، ولكن على خلاف تجربةِ سنةِ 2010، فلن يتم اختيار المستخدمين الذين لن يستلموا الدعوة للانتخاب بشكل عشوائي.

بل سيستفيد “زوكربيرغ” من حقيقة أن الصفحات التي يتابعها المستخدمون بالضغط على زر “أعجبني” تعكس وجهات نظرهم السياسية واتجاهاتهم الحزبية، بل إن هذه الصفحات تعكس الميول أفضل بكثير من إعلان المستخدمين المباشر لاتجاهاتهم على صفحاتهم الشخصية.

وباستخدام هذه المعلومات، فسيمتنع “زاك” الافتراضي عن نشر الدعوة للانتخابات في الصفحات الرئيسية للمستخدمين الذين لا يشاركونه التوجه السياسي، بالتالي فإن مثل هذه الدسائس قادرة على قلب نتيجة انتخاباتنا الافتراضية هذه، فهل يتوجب على القانون أن يقيّد مثل هذه الممارسات؟

المثال المتخيل الذي ذكرناه هنا هو مثال على التزوير الرقمي للانتخابات.(1)

كل أنواع العوامل تسهم في ما يُظهره  “فيس بوك” و”تويتر” في الصفحة الرئيسية الخاصة بكل مستخدم، ونتائج البحث التي يظهرها كل من “غوغل” و”بينغ”، ونتوقع من هؤلاء الوسطاء أن يوفروا قنوات مفتوحة للمحتوى الذي يرغب الآخرون في نشره، وأن المتغيرات في خوارزمياتها سيساعد في إظهار المعلومات التي نرى أنها أكثر أهمية. (ونتوقع في هذا السياق،أن يتم تمييز الروابط المدعومة من المعلنين لتسهيل التفريق بينها وبين الروابط العادي.)

تزوير الانتخابات الرقمي يحدث عندما يوزع موقعٌ ما المعلومات بطريقة تخدم أجندته الأيديولوجية، ويمكن لهذا أن يحدث في أي خدمة إلكترونية تُشخْصِن المحتوى الذي يراه المستخدم أو تتدخل في ترتيبه، وقد بات التأثير على هذا المحتوى متزايد.

الواقع أن أياً من هذه الشركات لا تعدنا باستخدام خوارزمياتها بحياد

هنالك الكثير من الأسباب التي تدفعنا لاعتبار تزوير الانتخابات الرقمي سلوكاً خطراً، لا ينبغي لأي شركة عاقلة أن تجربه، ولكن الواقع أن أياً من هذه الشركات لا تعدنا باستخدام خوارزمياتها بحياد، بغض النظر عمّا يعنيه هذا في السياق العملي، وبعض هذه الشركات أبدت رغبتها في تمكين مواقعها المدهشة لمحاولة التأثير على السياسات.

ففي كانون الثاني 2012 على سبيل المثال، حجبت “غوغل” الرسم الذي يُنشر عادةً على صفحتها الرئيسية احتجاجاً على مشروع قانون وقف القرصنة على الانترنت (المتعارف عليه باسم SOPA) الذي قال معارضوه (وأنا من بينهم) أنه يسهل الرقابة.

وتم حينها ربط شعار غوغل المعدّل بمنشور رسمي في مدونة ألحت على مستخدمي جوجل بتقديم عريضة للكونغرس، وتم في النهاية تأجيل مشروع قانون SOPA، كما أرادت “غوغل” وكثيرون سواها.

إذا أرادت شبكة اجتماعية أو محرك بحث أن يمضوا قدماً للتأثير على نتيجة انتخابات لصالح جهة يفضلونها، فلا بد أنهم يملكون الوسائل اللازمة لذلك.

فما المانع إذن من حصول هذا التأثير؟ الضمانة الأهم تكمن في التهديد من أن يقوم عدد مهم من المستخدمين المستائين من استغلال ثقتهم للتوجه إلى مواقع أخرى مما يضر بأرباح الشركة وسمعتها.

وفي الوقت الذي قد يكون فيه الغوغل دودل (2)  الترويجي أو أي تعديل أيديولوجي لأي صفحة رئيسية امراً واضحاً، إلا أن التأثير على الصفحات الرئيسية الخاصة بكل مستخدم في مواقع التواصل وعلى نتائج البحث هو أمر لا يمكن ضبطه، إذ يمكن التلاعب بها بمهارة ودون المخاطرة بردة فعل عنيفة من المستخدمين.

وفي المثال الذي طرحناه، لا بد أن الأشخاص الذين يملكون أسباباً كافية للشكوى هم بالضرورة الأشخاص الذين لن يتلقوا الدعوة للإدلاء بأصواتهم، وقد لا يعرفون بوجودها مطلقاً، ليس هذا فحسب، بل إن سياسات الإفصاح الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث تورد سلفاً أن للشركات الحق في التعديل على صفحاتها الرئيسية وعلى نتائج البحث كما يحلو لها، ويمكن تبرير أي محاولة للتأثير على نسبة الاقتراع نظراً لأنها مشمولة في الاتفاقيات الموجودة سلفاً وبالتالي فإنها لا تتطلب أي إشعارٍ خاص للمستخدمين.

يمكن تبرير أي محاولة للتأثير على نسبة الاقتراع نظراً لأنها مشمولة في الاتفاقيات الموجودة سلفاً وبالتالي فإنها لا تتطلب أي إشعارٍ خاص للمستخدمين.

وفي الوقت نفسه فإن إقرار قوانين لمنع تزوير الانتخابات الرقمي هو أمر طائش، فالناس قد يكونون بحاجة الفوائد المتأتيّة من عملية انتخابية ديمقراطية. ويملك محضِّرو المحتوى في الولايات الأمريكية حقاً مكفولاً في الدستور الأمريكي، يعطيهم الحق في نشر محتواهم وتقديمه بالطريقة التي يرونها مناسبة.

فالتدخّل في المعلومات التي تقدمها شركةٌ ما، خاصة إن لم تكن صحة المعلومات موضع نقاش، ما هو إلا بحثٌ عن المشاكل. (وهذه واحدة من الأمور التي أخطأت فيها محكمة العدل الأوروبية عندما فتحت المجال للناس لحذف نتائج محركات البحث التي تحتوي أسماءهم، مقرّةً ما سُمّي بــ “الحق في النسيان”).

هنالك حل أفضل: وهو حث شركة الانترنت المؤتمنة على بيانات وإعدادات شخصية لتتصرف على أنها “ائتمانيات للمعلومات”. ومن رواد هذه الفكرة “جاك بالكين” من كلية الحقوق في جامعة “ييل” الذي يرى أن هنالك مثال سابق على هذه الفكرة متمثل في المحامين والأطباء الذين يحصلون على معلومات حساسة عن موكليهم ومرضاهم،و لا يُسمح لهم أن يستخدموا هذه المعلومات لغايات أخرى.

ويتساءل “بالكين”: “هل يتوجب علينا أن نتعامل مع بعض شركات الانترنت بنفس الطريقة، نظراً لأهميتها في حياة الناس، ودرجة الثقة التي يعلقها الناس بشكل حتمي على هذه الشركات؟”.

وبناءً على الوضع الحالي فإن شركات الانترنت ملتزمة ببساطة بسياسات الخصوصية التي وضعوها بأنفسهم بغض النظر عن رداءتها.

إلا أنه سيتوجب على “ائتمانيات المعلومات” بأن تقوم بالمزيد، فعلى سبيل المثال، سيتوجب عليهم أن يحفظوا تلقائياً آثار التعديل على المعلومات، والتي تبين متى تمت مشاركة البيانات الشخصية لمستخدميهم مع شركة أخرى، أو تم استخدامها بشكل آخر.  (ومن المثير للاهتمام، أنه من الممكن هنا استخدام نفس سجل تتبُّع حركات الأموال الذي استخدمته شركة “بيتكوين” (Bitcion) في نظام “الكريبتو كيرينسي ” (Crypto currency).

وسيوفرون طريقة لمستخدميهم تمكنهم من رؤية نتائج البحث وصفحات آخر الأخبارعلى مواقع التواصل الاجتماعية دون تأثير أكوام المعلومات الشخصية المتوفرة عنهم.

وهنا يأتي الجزء الأهم، اذ ستبتعد ائتمانيات المعلومات عن استخدام خوارزمياتها موائمة لتشخيص للمعلومات مستمدة من ايديولوجيات خاصة بها.

قد يكون هذا النظام اختيارياً، بنفس الطريقة التي يمكن فيها لرجال الأعمال الذين يقترحون شراء الأسهم والسندات المالية أن يختاروا مهنتهم إما كمستشارين استثماريين أو كمضاربين، فالمستشارون ملزمون بألا يقدموا مصالحهم على مصالح عملائهم، بينما لا يلتزم المضاربون بذلك،  حتى عندما يعملون تحت مسميات مختلفة كــ “موجه مالي” أو “مستشار مالي” أو “ممثل مسجّل”. (إن كان هنالك من يساعدك على الاعتناء ببيوض عشك، فقد تسأله بشكل مباشر إن كان مؤتمناً أم لا، وبإمكانك أن تنسحب مباشرة إذا أجابك بــ “لا”)

فإذا تم إقناع وسطاء العالم مثل فيس بوك وجوجل على تبني مهمات “ائتمانيات المعلومات”، ستكون مهامهم محصورة بشكل كافٍ، وذات معنى كافٍ لمن يعتمد عليها.

ولتحفيز الشركات، فيمكن أن تعرض الحكومة إعفاءات ضريبية أو حصانات قانونية للشركات المستعدة لتوفير مثل هذه الخدمات لمستخدميها.

ربما تختلف محتويات صفحتي الرئيسية ونتائج البحث لدي عما هي عندك، بناءً على اتجاهاتنا السياسية، ولكن السبب وراء هذا هو أن خوارزميات البحث يحاول أن يعطيني ما أريد -بنفس الطريقة التي يقوم بها مستشار الاستثمار بترجيح أسهم معينة للمتهور والسندات لمن هو رزين- وليس لأن محرك البحث أو الشبكة الاجتماعية تحاول خفية أن تختار الفائزين في الانتخابات.

لقد أثارت تكنولوجيا جديدة قلق الأمريكيين قبل أربعين سنة، إذ خافوا من أن تتلاعب بهم وأن تؤثر عليهم، ففي سنة 1974 ووسط حالة ذعر من احتمالية بث رسائل لاشعورية عبر اعلانات التلفاز، قامت هيئة الاتصالات الفيدرالية بمنع مثل هذه الاعلانات بشكل قاطع.

كان هنالك أساس للتحرك، فقد تحملت جهات البث تاريخياً عبء النزاهة مقابل ان يسمح لهم باستخدام أمواج البث العامة، وينبغي أن تحمل وسيلة الاتصال الأكثر انتشاراً الآن مثل نفس العبء لحماية الجمهور.

وفي الوقت الذي تشكّل فيه آراءنا وسلوكياتنا عمليات مبهمة يحركها الذكاء الاصطناعي، فإنه ينبغي أن نقصي أسوأ السيناريوهات دون أن نقع في مغبة التضييق على حرية التعبير.

ويمكن للوسطاء الالكترونيين أن يحافظوا على خلطتهم السرية، التي حتماً ستفيد بعض مصادر المحتوى بينما ستضر بمصادر أخرى، ولكن يجب أن تسلّم بأن بعض هذه المكونات سامّة ويجب أن تبقى بعيدة تماماً عن اللعبة بأكملها.

—-

*جوناثان زيتارين بروفيسور في القانون وعلم الحاسوب في جامعة هارفارد، ومؤلف كتاب “مستقبل الإنترنت – و”كيف نوقفه”.

(1) التزوير الرقمي للانتخابات: المصطلح الانجليزي الأصلي هو الــ gerrymandering ويعني التأثير على نتيجة الانتخابات من خلال التأثير على تقسيم الدوائر الانتخابية، وسنشير إليه في هذا المقال باستخدام “التزوير الرقمي للانتخابات”.

(2) غوغل دوودل: هو نسخة فنية من شعار غوغل، يتم تقديمها احتفاءً بأحداث أو مناسبات أو أعياد، بعضها تظهر في الصفحة الرئيسية لغوغل في كل العالم، وبعضها يقدّم بشكل خاص لدول محددة بناء على المناسبات والأحداث فيها.