نحو حراك أردني أكثر تأثيراً

الخميس 31 تموز 2014

بقلم محمد فياض الفاعوري

المشهد الأول (الجمعة 14\3\2014، الساعة الثانية بعد الظهر خارج مسجد الكالوتي):

في اعتصام دعت إليه مجموعة من الأحزاب والتيّارات والشخصيّات الإسلاميّة واليساريّة، اجتمع حوالي 250 إلى 300 متظاهر في ساحة مسجد الكالوتي بالرابيّة، والتي تبعد حوالي كيلومترين عن سفارة الكيان الصهيوني (وهي أقرب مسافة يمكن أن تتسامح معها القوى الأمنيّة أحياناً) للتنديد بجريمة مقتل القاضي الأردني الشهيد رائد زعيتر. تخلل التظاهرة هتافات تطالب بطرد السفير الإسرائيلي، وإلغاء اتفاقية وادي عربة، وتندد بصمت الحكومة الأردنيّة المطبق عن الموضوع وتخاذل رد فعلها. كان ملفتاً التواجد الأمني الكثيف جداً في المنطقة، والذي لم يحدث منذ هبة تشرين عام 2012. رغم ذلك، انتهى الاعتصام بسلام.

المشهد الثاني (الجمعة 11\7\2014 الساعة الثانية بعد الظهر خارج مسجد الكالوتي):

في اعتصام دعت إليه مجموعة من الأحزاب والتيّارات والشخصيّات الإسلاميّة واليساريّة، اجتمع حوالي 250 إلى 300 متظاهر في ساحة مسجد الكالوتي بالرابيّة، والتي تبعد حوالي كيلومترين عن سفارة الكيان الصهيوني (وهي أقرب مسافة يمكن أن تتسامح معها القوى الأمنيّة أحياناً) للتنديد بجرائم الاحتلال في غزّة. تخلل الاعتصام هتافات تطالب بطرد السفير الإسرائيلي، وإلغاء اتفاقية وادي عربة، وتندد بصمت الحكومة الأردنية المطبق عن الموضوع، وتخاذل ردود فعل الأنظمة العربية، إضافة إلى هتافات أخرى تعتبر ما جرى في الموصل ثورة شعبية وتبشّر بعودة حكم “الرفاق إلى العراق”، وأخرى تلتها تتهم داعش بالعمالة للسي آي إيه. كان من الملفت التواجد الأمني الخفيف وعدم تسلح أفراد الدرك بالهروات والدروع، بل اكتفاؤهم بتشبيك أياديهم خلف ظهورهم ومراقبة ما يحدث حتى انفضت المظاهرة من تلقاء نفسها.

حدّثني عن الكليشيه

ما نواجهه حالياً هو كليشيه رتيب من تكرار التظاهر والعودة بفشل آخر في إحداث فرق ملموس في السياسة الخارجية الأردنية، يتبعه سيل من المزاودات والانتقادات والاتهامات المتبادلة.

قد يكون ما أقوله ثقيلاً على البعض من الفاعلين السياسيين من الأخوة والرفاق، وقد أكون قد تخاذلت عن الذهاب إلى محيط سفارة الكيان بالقدر الكافي، وقد يكون لا يوجد في جسمي أي أثر لضربة هراوة أو تحسس من قنبلة غاز، ويمكن أنني لم أقدم تضحيات بالقدر الكافي مثل الكثير من الرفاق الآخرين. ولكن ذلك كله لا يمنع إدراكي بعد عدة مرات من التجربة أن تكرار التظاهر أمام سفارة الكيان ومراكمة الفشل في تحقيق مطالب الشعارات والهتافات المرفوعة قد يصبح نوعاً من أنواع التعايش مع العدو – وأنا لا أستخدم المصطلح بنفس اتهامي أو تخويني، ولكنّه فعلياً تطبيع ضمني. أستطيع أن أجادل بأن استمرار التظاهر بصورته الحالية لا يختلف عن التظاهر أمام سفارة دولة أخرى لا جدال في شرعية وجودها ولا خلاف على استمرار العلاقات معها، ولنا مثال جيد في التظاهرات أمام السفارة العراقيّة العام الماضي. فالمظاهرات تعطي شرعية نفسية لوجود السفارة لدى الرأي العام (الذي يفشل في التحشيد لأعداد تعبر عن الاحتقان الشعبي الرافض لوجودها في الشارع). والدليل استمرار وجودها رغم كل الاعتراضات عليها. ما نواجهه حالياً هو كليشيه رتيب من تكرار التظاهر والعودة بفشل آخر في إحداث فرق ملموس في السياسة الخارجية الأردنية، يتبعه سيل من المزاودات والانتقادات والاتهامات المتبادلة.

حدّثني عن العجز

عجز الناشط السياسي الأردني في تحقيق الكثير، إن لم نقل جل، مطالب الشعارات التي رفعها في هذه الحرب حتى الآن وفي حادثة استشهاد القاضي رائد زعيتر. وأزيد عليها الشعارات التي تم رفعها خلال فترة نشاط الحراك الشبابي الأردني بين 2011 و2013. يجب أن نعترف بالعجزعن ترجمة الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي إلى غضب يبني أمراً مفيداً على أرض الواقع.

سبب ذلك أننا عجزنا عن تحقيق الأهداف الخياليّة التي وضعناها لأنفسنا، وعجزنا عن الخروج من دائرة الفشل بنفس الأدوات ونفس طريقة الأداء طيلة الأعوام الثلاثة الماضية. السبب الرئيسي في ذلك هو غياب قيمة التراكم في العمل والوصول إلى الأهداف.

إذا ما أخضعنا المشهد للمقارنة غير المتوازنة بالضرورة، فتعمل المقاومة في غزة فعليّاً ضمن سقف حدود عام 1967 والأمر الواقع من احتلال في الضفة. هذا يظهر جلياً في شروطها المصالحة المقترحة الحالية من رفع الحصار عن القطاع وتوسيع مساحة البحر المسموحة للصيد وفتح الحدود والمعابر مع المطالبة برقابة دولية- وهذا لا يعيبها لا ضمنياً و لا مبدئياً. إذ يقول الكاتب الفلسطيني عبّاد يحيى في مقالة نشرها في العربي الجديد بتاريخ 13\7\2014: “إن أي حركة تحررية، أو مطلبية بالحد الأدنى، لا تروّض عناصرها وأتباعها على فهم قيمة التراكم، والسعي إلى إنجازه؛ إنما هي حركة قررت سلفاً وضع نفسها وأتباعها في دوامة متغيراتٍ، لا تتحكم هي فيها، وبالضرورة ستبدل وتغير في نهجها، بما يمس جوهر وجودها ودورها، لأن البداهة تقول إن المجال السياسي ميدان أخذٍ وردّ وشدّ وجذب، ولا توزع فيه الأعطيات مجاناً”.

حدثني عن ما هو مطلوب الآن:

العمل للوصول إلى أهداف واضحة، قابلة للتطبيق والقياس، ذات بعد زمني محدد. ماذا كان سيحدث لو تم الاعتراف بالأمر الواقع (الاعتراف لا يعني عدم العمل من أجل التغيير) والعمل نحو تحشيد رأي عام فاعل في قضية الشهيد رائد زعيتر؟ وبالتحشيد أعني الذهاب إلى الناس في مناطقهم والعمل معهم بدلاً من الاعتكاف في منطقة محصورة صعبة الاختراق أمنياً وانتظار الناس للمشاركة في اعتصامات بعيدة عنهم وعن واقعهم وهمهم اليومي وعن طريقة تصورهم للدعم والموقف المطلوب اتخاذه على الساحة الأردنية. المطلوب أيضاً الضغط على الحكومة لإعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي خطراً على مواطني المملكة الأردنية الهاشمية وإعلان رفض واضح وقاطع لأي تواجد إسرائيلي على الحدود الأردنية مع الدولة الفلسطينية المرتقبة حفاظاً على مصالح الدولة الأردنية العليا وحياة مواطنيها الذين يسافرون إلى الضفة الغربية بكثافة.

بالتحشيد أعني الذهاب إلى الناس في مناطقهم والعمل معهم بدلاً من الاعتكاف في منطقة محصورة صعبة الاختراق أمنياً وانتظار الناس للمشاركة في اعتصامات بعيدة عنهم وعن واقعهم وهمهم اليومي

ماذا كان سيحدث لو تم العمل على قيام الأردن بمراجعة بعض بنود اتفاقية السلام بسبب سوء التطبيق من جهة الجانب الإسرائيلي؟ ماذا كان سيحدث لو تم العمل من أجل فرض تسهيل إجراءات العبور على الحدود من أجل سلامة وكرامة و راحة المواطنين الأردنيين؟

يقوم الأردن الآن بعمل جيد في مجال الإغاثة الإنسانية والطبية و نقل المساعدات إلى قطاع غزة في الحرب الأخيرة وهذا يساعد بطريقة أو بأخرى الحاضنة الشعبية للمقاومة هناك على تحمل كلفة الحرب ومقاومة الاحتلال. المقاومة تعمل من أجل فرض شروطها للهدنة وفرض نفسها كرقم صعب بدونه لن يتم الوصول أي حل للقضية الفلسطينية. ومساعدات الأردنيين التي تصل إلى القطاع تمد الغزيين ببعض أسباب الثبات وهذا واجب على الأردن. ولكن ما هو أهم من طرد السفير وتسجيل موقف بطولي قد لا ينقذ حياة طفل غزي من الموت بقصف إسرائيلي غاشم، هو تسجيل موقف يدعم المقاومة ويدافع عن شرعيتها ويكشف جرائم الاحتلال  ويسخر المواقع التي يحظى بها الأردن على الساحة الدولية سواء في مجلس الأمن أو في المفوضية السامية لحقوق الإنسان التي يتسلم أردني هو الأمير زيد بن رعد رئاستها في شهر أيلول القادم. وعلينا أن نعمل من أجل ذلك على الأقل مرحلياً لكي نبقي أقدامنا على الأرض ونرفع رؤوسنا أكثر نحو السماء.