شهادة على مجزرة خزاعة

الإثنين 28 تموز 2014

محمود إسماعيل قديح

(شهادة من أحد أبناء قرية خزاعة شرق خانيونس، التي اجتاحها جيش الاحتلال برًا وحاصر أهلها فيها وارتكب فيها مجزرة لم تتكشف كامل أبعادها بعد).

كنّا ثلاثة آلاف شخص قرّر كل واحد فينا، وبشكل فردي، تجاهل كل التهديدات وأوامر الإخلاء والبقاء في بيوتنا. ليس في ذلك أية بطولة. كل ما في الأمر أن فينا من كان يمكن أن يصاب بانهيار عصبيّ لو نام في غير سريره، وآخر كان أكثر كسلاً ممّا تتطلبه عملية الإخلاء. وآخرون، مثلي، لم يروا في أسوأ خيالاتهم السيناريو الذي كان يترصّدهم بعد ساعات قليلة.

الغارة الأولى قطعت الطريق التي تصل خزاعة بخانيونس. الثانية ضربت محولات الكهرباء. الثالثة أبراج شركة المحمول. الرابعة خطوط الهاتف الأرضي. نحن وحدنا وليل خزاعة حالك والقصف لا يتوقف. الطيران يعضّ كل شيء. زجاج الشبابيك يتساقط. الشظايا تغزّ بيتك وكل ما هو حولك. تحتمي في مكان تعتقد أنه أقل خطورة وتأخذ وضعيّة تعتقد أنها ستحميك. تحصي الغارات والاحتمالات: هل هذا الصوت لصاروخ في طريقه لنا؟ هل هذه القذيفة في البيت؟ لماذا لم تنفجر؟ هل استهدفت بيت فلان؟ المسجد الفلاني؟ هذه غارة إف 16، هذا قصف مدفعي. ليلة كاملة تحاول أن تحافظ فيها على عقلك وتمالك ما تبقى من أعصابك.

في الصباح قالوا اخرجوا. الصليب الأحمر على مدخل البلدة سيؤمن خروجكم، اخرجوا، الجيش لا يريد إلحاق الأذية بكم، العملية تستهدف بيوتكم وشوارعكم وأراضيكم وكل نواحي حياتكم، لكن حياتكم نفسها ليست هدفًا. خرجنا مع الثلاثة آلاف. مشينا في حشدٍ مهيب كما مشى سكان الشجاعيّة قبل أيام وكما مشى أجدادنا قبل 66 عامًا. نمشي، وعيوننا تفحص داهشة حجم الدمار الذي يمكن لقصف ليلة واحدة أن يتسبب به، نمشي كأننا نودّع كل ما تبقى. لكن هذا كلّه لا يهمّ، تجمّد مشاعرك وتركّز على قدميك. تصل إلى حيث قالوا. تجد رصًا من الدبابات ولا شيء آخر. لا تكاد تشعر بالفخ قبل أن يدوّي الرصاص في كل مكان.  

ثم ماذا؟ ثم ضربٌ  وصراخ ولغوٌ وجدل.  

كنّا ثلاثة آلاف، صرنا خمسين شخصًا. تجمّعنا في بيتٍ واحد. نصفنا ليس من أهل البيت لكن هذا أيضًا لا يهمّ. توزعنا بين ثلاث غرف كي لا نموت معًا إن حانت اللحظة. (نعم، يراوغ الإنسان عقله في لحظات كهذه ويقنعه أن حائطًا قديمًا يفصل بين غرفتين يمكن أن يحدّ من الخسائر التي سيتسبب بها صاروخ أطول من أطولنا وأثقل منّا مجتمعين).   في الغرفة معي كان عجوزان يهيّجان أزمتي النفسية: أحدهما بمفاضلته بين الحروب التي عاصرها في حياته والآخر بإلحاحه المستمر على شربة ماء قبل آذان الصيام متناسيًا للمرة الألف أن قطرة ماء واحدة لم تتبقَ في البيت بعد استهداف الجيش لخزّانات المياه. الأطفال يمارسون دورهم الطبيعي في الحياة: البكاء خوفًا، البكاء مللاً، البكاء عطشًا. المهم أن يبكوا. الآخرون، وأنا منهم، نستمع إلى نثار حديث العجوزين بصمت وملل ونطالع الشبّاك والساعة في انتظار الصباح. (ثمّة، على ما يبدو، خرافة لا أدري مصدرها تقول أن احتمالات الموت تتضاءل وأن القصف تقل وتيرته مع أول خيط للضوء. لكنها، كما كل الخرافات، غير ملزمة بتوقعاتك منها وباسقاطاتك عليها).

طلع الضوء وسقط الصاروخ الأول على درج البيت. اسوأ من صوت الإنفجار؟ صمت ما بعد الانفجار. أو ما تخونك أذنيك به فتظنه صمتًا. تشظّى كل شيء. اللون الرمادي هو كل ما تراه. لحظات ليعود لك سمعك وينقشع الغبار. الخوف يتحوّل إلى جثث واللون الأحمر يفضّ الرمادي. أمّك وأخوك؟ لا زالوا أحياء. تعود لقدميك، بعد ست عشرة ساعة خمول، وظيفتهما الأولى: الركض. تبتعد عن المكان، يسقط الصاروخ الثاني. تصفّر شظاياه في أذنيك، تتأكد أنك بخير. تهرب إلى بيتك، دقائق ويقصف بيتك. تهرب مجددًا. الكثير من الناس تتحرّك في الكثير من الاتجاهات. ترسم المروحيّة في السماء لك بطلقاتها طريق المنفذ الوحيد. تركض إليه. تركض كأن حياتك تعتمد على ذلك، لأن حياتك بالفعل تعتمد على ذلك. تركض فوق الذين سقطوا، تركض بجانب الجثث، عينٌ على الدمار والطريق المفخّخة بالحفر وعين على عائلتك التي تذوب في السيل الجاري.  

خرجت وعائلتي والكثير من العائلات من خزاعة. كيف؟ حالفنا الحظ. لماذا؟ لا أملك أدنى فكرة. الأهم أن ثمة من بقيوا هناك، وأن الجثث لا زالت حتى هذه اللحظة في الشوارع وتحت الأنقاض. كم عددهم؟ قد يكون 20، 50، 100.. لا أحد يعرف بشكل أكيد، وهذا هو الأمر الوحيد الأكيد. الصور الوحيدة التي خرجت من خزاعة حتى اللحظة كانت مقتضبة ومصدرها الجيش الإسرائيلي وتظهر مشاهد دمار تحشي الصدر بالحقد وتدمي القلب وتنبئ بأن الأيام الهادئة لهذه القرية الوادعة ولأهلها الطيّبين لن تعود عمّا قريب.. وربما للأبد.