القراصنة التونسيون حول عزيز عمامي والديمقراطية والملكية الفكرية

الأحد 13 تموز 2014

بقلم محمد تراكية، ترجمة دعاء علي

(This article is available in English here)

في محكمة بداية تونسية يوم 23 أيار، قرر بضعة قضاة مصير عزيز عمامي، المدون التونسي الناشط لحقوق الإنسان والذي يعد أحد وجوه الثورة التونسية. خارج المحكمة، انضممت لزملائه وأصدقائه وعائلته الذين كانوا ينتظرون قرار المحكمة هناك منذ الصباح. بين فترة وأخرى، كانوا ينطلقون بالغناء أو يصيحون بهتافات داعمة صاغ بعضها عزيز نفسه الذي كان معتادًا على الوقوف خارج أسوار المحاكم الحديدية.

قبل اعتقاله بيوم واحد، ظهر عزيز على التلفزيون الرسمي ليقول أن لديه تقارير من شهود عيان رأوا عناصر شرطة يشاركون في إحراق مركزهم خلال الثورة. العناصر الذين اعتقلوا واعتدوا عليه بعد ذلك بيوم بتهمة حيازته المخدرات كانوا من مركز الشرطة نفسه. كان عزيز صريحًا جدًا بشأن محاكمات أكثر من 50 شخصًا بتهم إحراق مراكز شرطة. في الاعتصام أمام المحكمة، تتردد الهتافات: “حتى انا حرقت المركز”، “الثورة ليست جريمة”، “سيبوا ولد الشعب”، “سيبوا شباب الثورة”.

Associated Press #FreeAzyzحملة المطالبة بالإفراج عن عزيز التي احتجت على عنف الشرطة والاستهداف الممهنج للشباب وطالبت بالعفو عما رأته أفعالًا ثورية، استُقبلت بغضب رسمي واعتُبرت دعوة للعنف. محاكمة عزيز نفسها اعتبرت مقياسًا لمزاج الطرفين، إذ رآها أحدهما دليلًا على أن الدولة تحاول إسكات الأصوات المعارضة، بينما رآى الطرف الآخر أنه في حال صحّت التهم، فلا أحد فوق القانون.

منذ اندلاع الثورة التونسية قبل ثلاث سنوات وعدد القضايا المرفوعة ضد شباب تونسيين في ارتفاع. قرر الكشك الصغير أمام المحكمة أنه الوقت حان للإغلاق وإطفاء النور، تاركًا المعتصمين في عتمة تامة. يلتفت وسام إليّ ويقول: “إنه تكتيك معروف، يحاولون إبقاءنا ننتظر لآخر لحظة قبل أن يبلغونا بقرارهم”.

وسام بن عايد هو أحد مؤسسي حزب القراصنة* في تونس، الذي تسجل رسميًا بُعيد ثورة 2011. خرج الحزب للنور بعد سلسلة من النقاشات غير الرسمية بين المدونين والناشطين التونسيين على الإنترنت، بإلهام من حركة القراصنة العالمية. في عام 2010، فشلت محاولتان لتأسيس الحزب رسميًا في عهد دكتاتورية بن علي.

كان عدد من القراصنة الإلكترونيين مؤثرين بشكل خاص في كسر التعتيم الإعلامي خلال الأيام الأولى من الثورة، إذ ساعدوا في توثيق ونشر انتهاكات حقوق الإنسان خلال الاحتجاجات في مدن سيدي بوزيد وسليانة وتالا، كما عملوا على نشر برامج كسر حجب المواقع. في ذلك الوقت، اعتقل ثلاثة من هذه المجموعة إلى جانب ناشطين إلكترونيين آخرين، وكان عزيز واحدًا منهم. عقب إطلاق سراحهم، أصبح سليم عمامو، زميلهم في مجموعة القراصنة، وزيرًا في الحكومة الانتقالية، ليستقيل لاحقًا بعد أن أمرت محكمة عسكرية بحجب عدد من المواقع وصفحات الفيسبوك لانتقادها الجيش التونسي.

“لدينا حرية تعبير حقًا”، يصرّ وسام. “كل التونسيين واعون لقيمة هذه الحرية وأستطيع القول إنهم لا يريدون خسارتها لأنهم أفضل حالًا الآن. إنهم يعبرون عن أفكارهم ومخاوفهم بحرية أكبر. المشكلة بعد الثورة هي أن الحكومة باتت تحاول السيطرة على التعبير بطرق غير مباشرة. يقاضون نشطاء مفردين كعزيز بتهم ملفقة، أو يستخدمون بنودًا قانونية كتلك التي تحرم التجديف، للسيطرة على التعبير”.

شعار حزب القراصنة التونسي“ما جعلنا نؤسس حزبًا لا مؤسسة أو جمعية هو أننا نريد تغيير القوانيين. نريد أن نعكس أفكارنا على hلقوانين الحالية ونحسنها، كما نريد أن نرفع الوعي حول أهمية ما نناضل من أجله. نحن، كجزء من حركة القراصنة العالمية، سئمنا من محاولة إقناع السياسيين بأن الرقابة الإلكترونية والحجب يمسّان حقوق المواطنين. أسسنا حزبًا لأننا لا نريد سياسيين يتكلمون باسمنا، بل نريد أن نرفع صوتنا بنفسنا داخل العملية السياسية”.

حزب القراصنة التونسي اليوم أحد أصغر الأحزاب التونسية، بـ300 عضو مسجل و30 عضوًا نشطًا، لكن ذلك لم يمنعهم من تحدي السلطات. اليوم، لديهم قضيتان منظورتان في القضاء، تكافحان الرقابة الشاملة، ضد رئاسة الوزراء وسلطة الرقابة الجديدة، الوكالة الفنية للاتصالات. “الوكالة هي نظام قديم جديد، أصحابها لم يكن لديهم ذريعة قانونية بعد الثورة لعملهم، فابتدعوا اسمًا جديدًا لها. سابقًا كان نظام الرقابة والحجب التونسي يسمى عمّار 404. نحن ضد وجود هكذا نظام بالمطلق، لكن إن كان لا بد من وجودها فيجب أن تكون رقابتها مستندة إلى قرار قضائي في حالة وجود شبهة بارتكاب جرائم خطيرة كالإرهاب. هذا الشرط يمكن تطبيقه بالقوانين الحالية”.

بحسب وسام، لم تكن القوانين وحدها ما وجب تغييره بعد الثورة. “لقد غيرت الثورة طريقة تفكيرنا. أدركنا كم هو سهل أن تقوض دكتاتورية. صحيح أن النظام تغير وأصبح أكثر ديمقراطية، لكننا ما زلنا نكافح لمنع الدكتاوترية من العودة. حتى حين شكلنا الحزب، حاولنا أن نجعل تحوله إلى حزب دكتاتوري مستحيلًا، قبل أن نجعل الدكتاتورية خارجه مستحيلة”.

تصور القراصنة للديمقراطية يذهب أبعد من مجرد منع تشكّل الدكتاتورية، بحسب وسام، فهم يريدون طرح أشكال جديدة للديمقراطية يشارك فيها جميع أعضاء المجتمع في صناعة القرار. “ديمقراطية مستمرة”، يقول وسام، “لا ديمقراطية صناديق تدلي فيها بصوتك مرة كل خمس سنوات ثم تعود لبيتك. ديمقراطية تعتمد على الاستمرارية والتطرق الدائم للقضايا المجتمعية، على عكس الديمقراطيات التمثيلية”.

هذا الطرح ليس مجرد تمنيات، فللقراصنة خطط واضحة لديمقراطية أفضل. بالنسبة لهم، يلعب الإنترنت دورًا هامًا في إيصالهم للمواطنين التونسيين، وعن طريقه يأملون أن يتوفر نظام اقتراع إلكتروني في 2019، كما يأملون أن يصل ممثلوهم إلى البرلمان بحلول ذلك الوقت. ما يجعل هؤلاء الممثلين مختلفين عن باقي البرلمانيين هو أن نظام الاقتراع الإلكتروني سيستمر استخدامه بعد الانتخابات لتحديد كيف سيصوت برلمانيو القراصنة تحت القبة.

يؤمن القراصنة أن نموذجهم للحكم هو “المستقبل”. “لا نزال ننمو بسرعة وأهدافنا تقع في المستقبل البعيد. أولئك الذين حضروا لقاءاتنا قالوا إن القراصنة يتناولون قضايا عميقة لا تهتم بها الأحزاب التونسية الأخرى. فمثلًا، حاولنا التواصل مع برلمانيين لتغيير المادة المتعلقة بالملكية الفكرية في الدستور. عقدنا أيضًا ورشة عمل جمعنا فيها صانعي أفلام وبائعي أفلام مقرصنة للتوصل إلى تفاهم يفيد الطرفين”.

“في حملتنا ‘الأفكار ليست ممتلكات’، نعمل ضد تصور الأفكار كسلع تباع وتشترى. الأفكار تُنقل وتُحسّن وتُشارك ويُشترك فيها. إن كانت لدي سلعة ولديك سلعة وتبادلناهما سيكون لدى كل منا سلعة واحدة. لكن إن كانت لدي فكرة ولديك فكرة وتبادلناهما، سيكون لدى كل منا فكرتان”.

أعضاء حزب القراصنة في تونسيصر القراصنة على أن حملتهم لا تستهدف صانعي المحتوى. “نحن مع حقوق المؤلفين، ونحترم حق المؤلف في عمله. لكن الملكية الفكرية اليوم تعمل بطريقة تضع حملًا ثقيلًا على الناس وتستنزف اقتصادنا وتخلق حواجز تمنع من الوصول إلى المعلومات. الشركات تحرم الكثيرين من حقهم في الوصول إلى الفن والثقافة والمعلومات”.

“في السابق كان بوسعك أن تودع كتابًا في مكتبة، وسيتمكن الآلاف من قراءته. الآن، إن وضعت كتابًا على الإنترنت ليحمّله ويقرأه الملايين، ستدعي هذه الشركات أنك سرقته. نحن ضد استخدام مفهوم السرقة في هذا السياق. نحن نعارض الملكية الفكرية لأنها نوع من الاستعمار الثقافي وهي تحرم الكثيرين من حقهم في التمتع بالنتاج البشري الجمعي من الثقافة والعلوم”.

يسعى حزب القراصنة التونسي لأن يكون صوت جيله، ويصفه أعضاؤه بأنه الحزب التونسي الوحيد الذي أسس في القرن الحادي والعشرين بأفكار أشخاص ينتمون للقرن الحادي والعشرين.

أمام قصر العدل بتونس، يعاد إحياء الاعتصام. يلقي عدد من الناشطين بعض الكلمات، ثم يبدأ عناصر الشرطة -الذين كانوا حتى ذاك الوقت داخل قصر العدل- بالاقتراب ليستمعوا. مطالب الناشطين تركزت على قضاء مستقل وإصلاح لجهاز الشرطة، وبالتحديد محطة “لا غوليت” سيئة الصيت، التي اعتقل فيها عزيز.

يخيم صمت ثقيل فيما يُنطق بالحكم، ثم تنطلق صيحة ابتهاج. تم رد القضية وأطلق سراح عزيز في تلك الليلة. استكمل قسم من الحشد هتافه فيما اتصل القسم الآخر بأصدقائهم ونشروا الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي. لم يدم صخب الاحتفالات طويلًا قبل أن يهدأ بتذكر الشباب الباقين في السجن.

* لقب “القراصنة” بدلالته المتعلقة بالترويج لحرية الثقافة استخدم لأول مرة من قبل منظمة القراصنة السويدي التي أسست لدعم مشاركة المعلومات والثقافة والملكيات الفكرية. اختير الاسم لمقارعة مجموعات الملكية الفكرية السويدية كمنظمة مناهضة القرصنة. لاحقًا، ألهمت هذه الحركة جماعات أخرى حول العالم لتستخدم الاسم ذاته.