ماريو فارغاس يوسا يهجر السياسة إلى البطولة العادية

الأحد 03 آب 2014

المعتاد على أدب الروائي العالمي ماريو فارغاس يوسا، قد تفاجئه روايته الأخيرة “البطل العصامي”، وربما يشعر بخيبة أمل نوعا ما. فيوسا في روايته هذه يهجر السياسة إلى الحياة اليومية. يهجر البطولات الملحمية إلى البطولة العادية، البطولة في مواجهة فظاظة الحياة اليومية: الفساد، المافيا، الابتزاز، الرشوة، التدهور الأخلاقي، الخنوع.. إلخ.

ماريو فارغاس يوسالا تكون البطولة دائمًا في السياسة أو الحقل العام. ليس شرطًا أن تكون مقاتلًا في الجبال، أو في تنظيم سري وتتعرض للاعتقال والملاحقة وتقضي على حياتك كما كان “ليتوما” في رواية “قصة ليتوما” أو في “ليتوما في جبال الأنديز”، أو أن تكون “أوتيلا” اليسارية المتطرفة، والمتمردة على كل ما يحيط بها، التي شاركت في تنظيمات سرية وجالت العالم بحثا ومشاركة في كل قضية سياسية، أو العاشق بلا أمل  “ريكاردو” رفيق “أوتيلا” البطل التراجيدي في “شيطانات الطفلة الخبيثة”.

وليس شرطًا أن تكون الرواية رواية ملاحم، كما كانت “حلم السلتي”، أو “حرب نهاية العالم”، أو “حفلة التيس”.

ببساطة يمكن للإنسان، أي إنسان، أن يكون “نموذجًا أخلاقيًا”، أن يكون بطلًا بشكل أو بآخر، إذا تصدى أو رفض الانسياق والخضوع لأي شيء أو أي أحد يحاول دوسه، أو يحاول منعه من أن يعيش الحياة التي يريد.

رواية “البطل العصامي” هي رواية هذه البطولة العادية، رواية النموذج الأخلاقي. رواية الإنسان العادي الذي مهما تقدم به الزمن، وحتى لو كان يضع رجلًا في الحياة ورجلًا في القبر، لا يزال يملك أن يقول لا.

رواية “البطل العصامي” هي رواية هذه البطولة العادية، رواية النموذج الأخلاقي. رواية الإنسان العادي الذي مهما تقدم به الزمن، وحتى لو كان يضع رجلًا في الحياة ورجلًا في القبر، لا يزال يملك أن يقول لا.

“واجبنا الأجمل؛ هو تخيل المتاهة وطرف الخيط”، بهذه العبارة المقتبسة من قصة الأرجنتيني الشهير خورخي بورخيس “خيط الخرافة”، يقدم يوسا روايته الأولى بعد نيله جائزة نوبل 2010.

تقول الأسطورة الإغريقية أن أريانا التي أحبت ثيزيوس أهدته طرف خيط، وأبقت على الطرف الآخر معها، ليتمكن من الغوص في دهاليز المتاهة، التي بناها ديدالوس، وسجن في مركزها الوحش، أو المونيتور، وهو كائن خرافي، إنسان برأس ثور، ليقتله ويعود إليها ليتزوجها ويهربا معًا، لكن ثيزيوس يتخلى عن أريانا لاحقًا. وقد تحول خيط أريانا إلى رمز للنور الذي يستضيء به الإنسان للخروج من متاهة فوضى الحياة.

لكن ثيزيوس يكتشف متاهة أخرى، هي متاهة الزمن، متاهة ميديا التي حاولت قتله بالسم، كما في الأسطورة وقصة بورخيس، ويفقد الخيط والمتاهة معًا. وحتى الآن، لا يعرف الإنسان ما إذا كان يعيش في متاهة أو سر كوني غامض، أو فوضى عشوائية. وإذا كان لا بد لنا من عيش حياة محتملة، فالواجب الأجمل هو اختراع متاهة واختراع طرف الخيط، لكننا في هذه الحياة لا نمتلك طرف الخيط الذي سيقودنا. قد نعثر عليه في الإيمان أو قد نفقده لنفس السبب، أو في الانسجام الداخلي، أو في الاحلام، وربما في الكلمات التي تسمى فلسفة، أو ببساطة قد نعثر عليه في بعض لحظات السعادة التي نحياها أحيانا.

الآن، ماذا تعني أسطورة “المونيتور”، وخيط خرافة بورخيس في رواية “البطل العصامي”.

يسرد يوسا في روايته قصة حياة رجلين، بلغا من العمر عتيًا، الأول، فليسيتو يناكي، صاحب شركة نقليات. رجل عصامي كون نفسه من لا شيء تقريبًا، بدأ كسائق شاحنة بسيط، واصل الكد ليل نهار، يحلم بامتلاك شركته الخاصة، وعندما تحقق له هذا الحلم وتحسنت حياته، مارسها بشكل هادئ وروتيني، بين استيقاظ صباحي مضبوط على الساعة، وإفطار لا يتغير، وتمارين رياضية هي أقرب إلى حركات تنفس، يمارسها يوميًا لمدة نصف ساعة دون تغيير أو تذمر أو انقطاع، ومشواره من منزله إلى مقر شركته، وعشيقته السرية، التي يزورها كل يوم جمعة في موعد محدد، وعرافته أدليادا التي يستشيرها في كل شؤون حياته ويؤمن إيمانًا أعمى بإلهاماتها ونصائحها، وحياته الزوجية الباردة مع امرأته “خيرتوود” التي انقلبت متدينة، والتي كان قد تزوجها رغمًا عنه عندما كان مجرد سائق شاحنة يتشغل عند الغير وضاجعها مرتين في “بنسيون” والدتها، وولديه الاثنين، ميغيل الأكبر، الذي يشك فليسيتو بأنه ولده، لكنه لا يظهر هذا الشك علنًا.

تجري حياة فليسيتو يناكي على هذا النحو الروتيني، حياة بسيطة، وجد فيها مخرجًا له من فوضى العالم في لحظات سعادة بسيطة، مقابلة عشيقته، متابعة شؤون شركته، غداء أسبوعي في نادٍ، تمارين رياضية صباحية. إالخ.

لكن هذه الحياة سوف تختلّ وتنقلب رأسًا على عقب، وسوف يدخل فليسيتو المتاهة، متاهة المجتمع الفاسد: المافيا، والابتزاز والقتل والرشوة وعدم كفاءة الأجهزة الإدارية، وسلبية الآخرين وخضوعهم للذل والفساد.

إذ سيجد فليسيتيو صباح ذات يوم معتاد رسالة، ممهورة برسم عنكبوت، تطالبه فيها منظمة مجهولة بدفع “خاوة” قدرها 500 دولار شهريًا مقابل أن تقوم هذه المنظمة بحمايته وحماية شركته وعائلته من الأشرار كما تدعي المنظمة في رسالتها.

لكن دون فليسيتيو العنيد الرافض للمذلة، يتبع نصيحة والده التي أدلى له بها عندما كان يرقد محتضرًا: “لا تدع أحدًا يدوسك، بنيّ، هذه النصيحة هي ميراثك الوحيد”. فليسيتيو الذي عمل كل حياته بنصيحة والده، وصار من المستحيل الآن بعد أن بلغ الخامسة والخمسين من عمره أن يغير طبعًا تطبع عليه، يقرر أن لا يخضع للابتزار وأن لا يدفع فلسًا واحدًا مهما كلفه الأمر من تضحيات حتى لو خسر كل شقى عمره. ويرفض كل نصائح أصحاب الشركات الأخرى الذين كانوا يدفعون الخاوة صاغرين، بل يرفض ولأول مرة نصيحة عرافته أدليادا، التي نصحته أن يدفع ويريح رأسه.

هكذا يدخل دون فليسيتو متاهته، وحيدًا عنيدًا، بدون أي طرف خيط يهديه لمخرج، لكنه يدخلها بإرادته ورغبته.

الحياة الثانية التي يسرد يوسا قصتها هي حياة إسماعيل كاريرا الذي تجاوز السبعين من عمره، ربما على حافة الثمانينات، صاحب شركة تأمين، برجوازي من ليما، عاصمة البيرو، درس في كلية لندن للاقتصاد، وورث الشركة عن والده العصامي، الذي كان أسسها من لا شيء تقريبًا. برجوازي جديد، لكنه مثقف، أنيق، يعيش حياة هادئة مع زوجته كلوتيلدي. لا ينغص عليه شيء سوى ولداه التوأم، ميكي وسكوبيتا، توأم شرير، خارجان على القانون، لم يفلح معهما كل العناية والتربية المميزة التي حظيا بها من الأب إسماعيل والأم كلوتيلدي، ينتظران وفاة والدهما كي يرثوه. هذا ما سمعه إسماعيل منهما حين أصابته نوبة قلبية ووضع في العناية المركزة، وكانا يتحدثان فوق رأسه ظنًا منهما أنه لا يسمع.

الأب، إسماعيل البرجوازي، الذي كان استسلم لولديه بعد وفاة الأم، وبعد أن يأس من إصلاحهما، يقرر في لحظة بطولة أن يعاقبهما على شرورهما وعلى كراهيتهم له، ونكرانهم جميل التربية والعناية، فيقرر الزواج من خادمته أرميدا، التي سنكتشف أنها شقيقة “خيرتود” زوجة فليسيتيو. هذا الزواج، بالطبع، سوف يكون بمثابة قنبلة في مجتمع ليما الأرستقراطي، حيث الاختلاط بالفقراء، ناهيك عن الزواج بهم يدخل في نطاق المحظور. كما سيجر على إسماعيل مشاكل معقدة، بما في ذلك دعوى قضائية، من ولديه، اللذين سيحاولان إعلانه “عاجزًا”.

ومع ذلك، فإسماعيل سوف يصر على أن يحيى حياته كما يريد حتى آخر قطرة من العمر، رغم كل العواقب الوخيمة، فهو يرفض أن يقرر له الآخرون ماذا عليه أن يفعل أو لا يفعل، ويقرر ويتزوج من أرميديا التي أحب، بل التي هام بها، بعد أن ماتت زوجته ووجد لديها الاهتمام والعطف واكتشف معها فحولته التي كان اعتقد أنها اندثرت. هو ليس واهمًا بالطبع، فهو مثقف ويعرف فرق العمر والطبقة، ويعرف أن أرميديا لا تبادله هذا الشغف، لكنه في سبيل أن يحيا حياته كما يجب أن تكون، لن يمانع بأن يضحي بكل هدوء النفس ويدخل متاهته، أو بالأحرى، يصنع متاهته التي ستكون هي الحياة بالنسبة له.

دون فليسيتو لم يصنع متاهته، بل فرضت عليه، وتقبلها برضا نفس أبية، ورفض أن يفر بجلده، مفضلًا المواجهة على الخنوع. وإسماعيل يصنع متاهته بنفسه، لكنه يصنعها، رغم أنه، مثل فليسيتيو، لا يمتلك طرف الخيط للخروج، يصنعها لكي يكون هو نفسه.

يوسا في النهاية، أراد بهذه الرواية أن يقدم “نماذج أخلاقية” لأبطال عاديين … قاوموا الشر حتى لو كان بسيطًا وفرديًا، فكانوا دائما الأبطال الذين بهم شيدت الحضارة. 

 في عشرين فصل، ينقلنا يوسا بالتتابع بين دون فليسيتيو، وإسماعيل كاريرا، بلغة تقترب أحيانًا من الشعر، لغة أقرب ما تكون إلى لغة البيرو الخاصة، أو حتى لغة منطقة “بيروا” تحديدًا، التي هي مسقط رأس الكاتب، وهي إلى جانب ليما العاصمة فضاء روايته هذه، كما كانت في بعض رواياته السابقة، خاصة رواية “من قتل بالمينو موليرو”.

وكعادته أيضًا، فسرد يوسا لا يخلو من الأب والموسيقى، والثقافة إجمالًا، فمن مقطوعات يوهانس إبرهامس، إلى “دكتور فاوستس”، لتوماس مان، إلى لوحات ورسومات عدد من الفنانين، إلى وصف دقيق للأماكن والطابع الكولونيالي للأمكنة والمنازل، إلى تسخير بعض الأعمال الفنية والأدبية في الرواية، مثل فيلم “الحاسة السادسة” لنايت شامان، في قصة “أديلبيرتو توورس” و”فونشيتو” ابن “دون ريغوبيرتو” المحامي والصديق الحميم لإسماعيل كاريرا، وشاهده في الزواج من أرميديا.

لا يتخلى يوسا في “البطل العصامي”، عن إرثه الروائي كاملًا، فهو يعود إلى “بيروا” مسرح روايته “من قتل بالمينو موليرو”، ويعود إلى البيرو ككل، لكنه يقدم رواية عالمية، نماذج تصلح لمجتمعات أخرى. ويعود لبعض أبطاله مثل “الرقيب ليتوما”، بطل عدة روايات “ليتوما في جبال الانديز”، “قصة ليتوما”.. إلخ،  ويعود إلى “دون ريغوبيرتو” والخالة لوكريثيا، وفوتشيو، شخصيات رواياتي “دفاتر دون ريغوبيرتو” و”مديح الخالة”.

يوسا في النهاية، أراد بهذه الرواية أن يقدم “نماذج أخلاقية” لأبطال عاديين، رفضوا أن يخضعوا للفساد، ناهيك عن المشاركة به، أو رفضوا أن يفرض أحد عليهم طريقًا غير تلك التي يريدون، وقاوموا الشر حتى لو كان بسيطًا وفرديًا، فكانوا دائما الأبطال الذين بهم شيدت الحضارة. وما الحضارة، سوى أنها، كما يقول دون ريغوبيرتو في الرواية: “تلك القلاع الصغيرة التي شيدت عبر الزمان والمكان، وقاومت هجوم القوة الغريزية العنيفة، المنفلتة، القبيحة، التدميرية والوحشية التي هيمنت على العالم”.

٭ ملاحظة: الرواية صدرت أول مرة في أيلول 2013 في البيرو، ثم أعيد إصدارها في إسبانيا في 2014، ولم تترجم إلى العربية حتى الآن.