المقاومة المسلحة بعد نصف قرن: غياب المراجعة والنقد الذاتي

الإثنين 18 آب 2014

(نشرت هذه المادة على مدونة الكاتب الشخصية يوم السبت ١٦ آب ٢٠١٤)

كنت في العشرين من عمري عندما دفعتني ظروفي وأفكاري إلى اللجوء إلى لبنان والالتحاق بقواعد “المقاومة الفلسطينية” أو الثورة الفلسطينية” في جنوب لبنان. (هل كانت ثورة أو مقاومة؟)

كان ذلك عام 1978، قضيت أشهرا في تدريبات عسكرية، ثم في بعض القواعد العسكرية في الجنوب، انتقلت بعدها إلى أقصى نقطة في شرق جنوب اليمن للمشاركة مع “الجبهة الشعبية لتحرير عُمان”، حيث بقيت عدة أشهر أيضا قبل أن أعود إلى لبنان وألتحق بقاعدة عسكرية في بيروت، إلى ان قضى الله أمرا كان مفعولا، فوقعت حرب لبنان، أو عملية “سلام الجليل”، كما أسمتها اسرائيل، فخرجت مع مقاتلي “المقاومة أو الثورة” إلى المنافي.

انا اخترت أن أذهب إلى كوبا لمواصلة تعليمي الجامعي، الذي كنت قطعته لأسباب سياسية.

في حرب عام 1982، كنت في بيروت وحوصرت مع من حوصروا. كانت القوات الإسرائيلية قد تمكنت في غضون أربعة أيام من اجتياح جنوب لبنان ووسطه وصولا إلى مشارف العاصمة اللبنانية حيث حاصرتها لما يقارب ثلاثة أشهر.

صحيح أن إسرائيل تكبدت خسائر في الأرواح، موجعة نسبيا، 600 قتيل باعترافها، إلا أن تمكنها من اجتياح لبنان ومحاصرة “المقاومة” في بيروت كان هزيمة بكل المقاييس، وإن كان الخطاب الشعبوي والديماغوجي الفصائلي الفلسطيني قد حوّلها إلى “صمود” تاريخي، وربما حاول البعض تصويرها كـ”نصر”.

لم تتم مراجعة هذه التجربة القاسية، وهذه الهزيمة المرّة، وبقي كل المسؤولين عنها، القادة العسكريين والسياسيين في مناصبهم حتى اليوم

وطبعا، لم تتم مراجعة هذه التجربة القاسية، وهذه الهزيمة المرّة، وبقي كل المسؤولين عنها، القادة العسكريين والسياسيين في مناصبهم حتى اليوم، لا بل منهم من أصبح “رمزا” و “أيقونة” ممنوع المساس بها. ومن بين القادة العسكريين من أصبح “محللا استراتيجيا” يكتب ويخرج على الفضائيات محللا المعارك ومقدما النصائح ..الخ، وين كان حضرته لما هرب ورجليه سبقت لهاثه..؟

ما علينا..

قبل حرب عام 1982 كانت حرب “الصواريخ” الشهيرة، تموز عام 1981، هذه الحرب التي اندلعت بعد فوز الليكود الاسرائيلي في الانتخابات الاسرائيلية. فعمدت الآلة العسكرية الاسرائيلية إلى عمليات قصف متواصلة لقواعد المقاومة والحركة الوطنية اللبنانية. قيادة المقاومة والحركة الوطنية قررت في اجتماع لـ”المجلس العسكري”، وهو القيادة العسكرية المشتركة، عدم الرد على الاستفزازات الاسرائيلية وعدم الانجرار إلى معركة في غير وقتها وغير محسوبة النتائج.

إلا أن اسرائيل وسعت نطاق قصفها البري والبحري والجوي، وقصفت مقاتلات الـ إف 16 بصواريخ فراغية، كانت تستخدم للمرة الأولى، مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ومقر قيادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في منطقة الفكهاني في بيروت، أو ما عرف بقصف بناية رحمة.

ذهب ضحية هذاالقصف حوالي 82 شهيدا، بعضهم من قيادات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، واثنين من مستشاري سفارة الاتحاد السوفياتي سابقا كانا في اجتماع مع قيادة الجبهة الديمقراطية. هذا القصف الوحشي دفع بالجبهة الديمقراطية إلى خرق اتفاق الفصائل بعدم الرد وقامت بفتح نيران مدفعيتها وراجمات صواريخها على شمال اسرائيل وجرّت معها بقية فصائل المقاومة والحركة الوطنية اللبنانية، فاندلعت “حرب الصواريخ” التي استمرت حوالي شهر قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق “تهدئة” بواسطة المبعوث الاميركي للمنطقة، فيليب حبيب، الذي سيشرف بعد بعام، في آب 1982، على اتفاق وقف إطلاق النار وانسحاب مقاتلي (المقاومة او الثورة) من بيروت.

كانت حرب الصواريخ الأولى هذه، التي كنت شاهدا عليها، أول معركة تستخدم فيها المقاومة سلاح الصواريخ والمدفعية الثقيلة في مواجهة اسرائيل. قبلها كانت تحصل عمليات “تسلل” لفدائيين، أو مواجهات واسعة مثل اجتياح 1978، أو ما عرف بـ”عملية الليطاني”، حيث توغلت اسرائيل لحوالي 40 كلم، وفرضت بعدها منطقة عازلة وسلمتها لميليشات موالية، أو ما عرف بـ”جيش لبنان الحر” أو الجنوبي بقيادة سعد حداد، الذي كانت شكلته عام 1976، ليكون عازلا بين “المقاومة او الثورة” واسرائيل.

المهم..

قبل أن تخوض (المقاومة او الثورة) معاركها مع إسرائيل كانت تورطت في حربين أهليتين في الأردن في أيلول عام 1970، وفي لبنان عام 1975. هاتان الحربان كان لهما الأثر الأكبر في الثورة، ومثلهما مثل كل تاريخ المقاومة لم ينبري احد لمراجعتهما ونقدهما واستخلاص العبر والدروس منهما، وفي أحسن الأحوال، اكتفى البعض بالقول، أنها حروبا فرضت علينا!

قبل حرب الصواريخ، وقبل الحروب الأهلية، وعندما انطلقت فصائل الثورة في ستينيات القرن العشرين، كانت كل الأدبيات والبرامج السياسية والاستراتيجيات العسكرية لهذه الفصائل قد ثبتت “الكفاح المسلح”، كشكل من أشكال النضال، وبعضها اعتبره “الشكل الرئيسي”، وبعضها الآخر اعتبره “الشكل الوحيد”.

كانت فكرة الكفاح المسلح قد أتت ردا على أطروحات الأحزاب والقوى العربية السابقة على انطلاق المقاومة والمنادية بالحلول السلمية والنضال السلمي.

ثم ذهبت أدبيات “فصائل المقاومة” أكثر من مجرد تبني “الكفاح المسلح” أو “المقاومة المسلحة” شكلا من أشكال النضال، سواء كان الرئيسي أو الوحيد، فقد رأت أن هذا الكفاح “لا بد أن يمارس من خلال حرب الشعب طويلة الامد”، و”حرب العصابات” أولا وتمهيدا.

وقد أتت اطروحة “حرب الشعب” أو “حرب العصابات”، المتأثرة بكفاح الثورة الصينية والفيتنامية والجزائرية وغيرها، ردا على هزيمة الجيوش العربية، إذ أن المقاومة الفلسطينية اعتبرت أن حرب الشعب وحرب العصابات هي الشكل الأنجع لمواجهة القوة العسكرية الإسرائيلية المدمرة.

وحرب العصابات تقوم على مبادىء بسيطة ومعروفة: جماعات قتالية صغيرة سرية غالبا، منتشرة في المدن والجبال، اضرب واهرب، إذا تجمع العدو انتشر، تجنب الخسائر في صفوفك، أوقع اكبر قدر ممكن من الخسائر في العدو. وتقوم على أمور أخرى مثل “التخريب البدائي” أي القيام باعمال غير عسكرية، مثل عرقلة سير قطارات، أو حرق محاصيل او تعطيل مولدات كهربائية أو تخريب خزانات مياه، وهدف هذا التخريب هو رفع كلفة الاحتلال ماديا ومعنويا، وتجنب ردود فعله المدمرة، وتوفير أو تجنب أكبر قدر ممكن من الخسائر في الأرواح والأسلحة التي تمتلكها المقاومة.

أما حرب الشعب فهي خطوة متقدمة ولاحقة على “حرب العصابات” تكون فيها “الثورة” قد هيأت الظروف الموضوعية والذاتية (الشعب) للنضال وحمل السلاح وخوض معارك كبيرة ومباشرة مع العدو.

وحرب الشعب، بحسب أغلب تنظيرات الفصائل الفلسطينية، وخاصة فصائل اليسار، تقتضي وبالضرورة تعميم الديمقراطية لإطلاق إمكانات وإبداعات الشعب وتعليمه وتثقيفه لتهيئته لحمل السلاح والتضحية.

وتقتضي الديمقراطية هذه الإيمان المطلق بالشعب بوصفه مصدر القرار ومصدر السلطة لانه الذي سوف يضحي في النهاية، هذا ما كانت تكتبه الفصائل، ولا يزال في وثائقها.

طيب، شو صار؟

بعد معركة الكرامة في أغوار الأردن عام 1968، نمت المقاومة، ازدادت عددا وعدة، وتقاطر عليها الناس من كل حدب وصوب، وغادر رجالها قواعدهم في الاغوار وعلى الحدود مع اسرائيل إلى مكاتب في العاصمة عمان وبقية المدن الأردنية.

لم تشارك كل فصائل المقاومة في المعركة، إذ أن تنظيماً مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فضّل عدم المواجهة المباشرة مع الجيش الاسرائيلي، وانسحب بمقاتليه إلى الجبال، وهذا الأمر تسبب بسوء فهم وعلاقة تخلو من المودة بين قائد الجيش الأردني في حينها مشهور حديثة، وأمين عام الجبهة الشعبية جورج حبش، على ما تؤكد بعض روايات من عاصروا تلك الفترة.

نشوة الانتصار في هذه المواجهة المباشرة كانت شكلت بدايات “تجييش” قوات الثورة، والميل نحو “العمل الاستعراضي المقاوم”

نشوة الانتصار في هذه المواجهة المباشرة كانت شكلت بدايات “تجييش” قوات الثورة، والميل نحو “العمل الاستعراضي المقاوم”، إذ أن الفصائل الفلسطينية، التي كان عددها قد ازداد لأسباب ذاتية، أو لتدخل بعض الدول العربية وتشكيلها لفصائل موالية لها، صارت تتنافس على كسب السمعة الحسنة في محاولات بائسة لتكبير حصتها في الثورة وحصتها في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت فصائل المقاومة قد بدأت الصراع عليها، والصراع للاستيلاء عليها، بعد أن كانت تعتبرها تشكيلا عربيا مهادنا لا يمثل الشعب الفلسطيني.

من رحم التنافس والصراع الفصائلي نمت “ديماغوجيا” فلسطينية، لا زالت هي السائدة للآن، فقد بدأت البيانات الكاذبة متحدثة عن عمليات وهمية وانتصارات خارقة وخسائر لا تحصى في العدو، وعن عودة المقاتلين إلى قواعدهم سالمين، أو على طريقة الأغنية الثورية: “روحنا عالقواعد روحنا، بالدكتريوف والأربيجيه لوحنا، برصاصنا خضنا الموت وما هبنا، ونفذنا العملية وروحنا، يا هلا ويا هلا”..والله ويا هلا.

استدراك..

لا احتاج هنا للقول بأنني لا أقلل من أهمية ما قامت به الثورة أو المقاومة من عمليات وفعل نضالي، لكن ما أنا بصدده هو محاولة قراءة نقدية، أما تمجيد المقاومة فهو الخطاب السائد وليس بحاجتي لأضيف عليه شيئا.

بالتأكيد كان للانتشار من القواعد العسكرية من أغوار الأردن إلى المدن ثمنا باهظا، فقد أدى إلى تأجج الصراع مع النظام الاردني، الذي كان حتى إلى ما بعد معركة الكرامة يتجنب الصراع مع المقاومة.

الجبهة الشعبية المطعونة بشرفها النضالي بسبب موقفها في معركة الكرامة، أرادت تسجيل بطولات استعراضية، كبقية الفصائل طبعا، لكن “الشعبية”، وبسبب علاقاتها مع قوى دولية متطرفة وجدت في “العمليات الخاصة” ضالتها.

العمليات الخاصة هذه التي عرف بها القائد السابق وأحد مؤسسي “الشعبية” وديع حداد تمثلت في القيام بعمليات خارج فلسطين المحتلة، بل وخارج المنطقة ككل، وقد اتخذت في البداية شكلا واحدا هو خطف الطائرات. وقد كان مبرر “الشعبية” في هذا هو لفت نظر العالم إلى “القضية” الفلسطينية، وهي فعلا لفتت نظر العالم إلى الفلسطينين لكن بوصفهم “إرهابيين” وليسوا مقاتلي حرية.

ولهذا السبب أوقفت”الشعبية” العمليات الخاصة، وتحديدا خطف الطائرات، وفصلت وديع حداد من قيادتها بعد أن قامت بمراجعة التجربة في مؤتمرها الثالث عام 1973، قائلة: “ان هذه العمليات استنفذت اغراضها”، وهو اعتراف موارب بفشل هذه العمليات.

طبعا، لم تكن هذه المراجعة لتتم لولا أن هذه العمليات، وهو ما تدركه “الشعبية”، قد تسببت بأكثر من سمعة “الإرهاب” التي لحقت بالفلسطينيين، إلى ما هو أسوأ بكثير، وهو اندلاع الحرب بين المقاومة والنظام الاردني في أيلول عام 1970، بعد قيام “الشعبية” بخطف اربعة طائرات والهبوط فيها في منطقة صحراء الجفر أو ما أطلقت عليه “الشعبية” حينها “مطار الثورة”.

يعترف القائد السابق في “الشعبية” حمدي مطر بالأمر وإن كان بشكل مبطن، فيقول في إحدى المقابلات، التي يسرد فيها قصة خطف الطائرات ثم اندلاع حرب أيلول، ولجوئه إلى السفارة المصرية التي كان ملحقها العسكري يتوسط لإنهاء العملية ووقف الحرب: “واصطحبني (يقصد أحد حرس السفارة الذي كان من أعضاء “الشعبية”) إلى بناية السفارة. بعد صعودنا الدرج وجدت الأخ كمال عدوان (أحد قادة فتح الذين اغتالته اسرائيل في بيروت عام 1973)، موجوداً هناك، وأبلغه الملحق العسكري بأن “أبو سمير” قادم من أجل حل مشكلة الرهائن، وأنني احمل قائمة باسماء الرفاق الذين تطلب الجبهة الإفراج عنهم، وهنا علق الأخ كمال عدوان “بدكوش تردوا علينا هيك أحسن”، قلت له الوقت مش وقت شماتة المهم التصرف بحكمة”. مش وقت شماتة…؟

أدت حرب أيلول، ثم حرب أحراش جرش بعدها بعام تقريبا، إلى انهاء ظاهرة المقاومة في الأردن تماما، وانتقالها الى لبنان.

في لبنان أيضا، كانت وقعت معارك بين قوات “المقاومة-الثورة” والجيش اللبناني قبل انتقال مقاتلي الثورة إلى لبنان، وقد توسطت مصر عبدالناصر لوقف هذه المعارك وتوصلت إلى “اتفاق القاهرة” عام 1969، الذي نظم الوجود الفلسيطني في لبنان، وأتاح لـ”المقاومة” إقامة قواعد عسكرية في الجنوب على الحدود الشمالية مع فلسطين، وهو اتفاق كان يتم التفاوض للتوصل لمثله مع الأردن قبل أن تقع الكارثة.

لكن المقاومة ضربت بالاتفاق عرض الحائط، واستغلت ضعف الجيش اللبناني وقوة الحركة الوطنية اللبنانية، فانتشرت قواعدها ومكاتبها على كامل الأراضي اللبنانية، وصارت عرضة للاحتكاك ليس مع الجيش اللبناني وحده بل مع أحزاب اليمين مثل حزب الكتائب وحراس الأرز وغيرهم، إلى أن اندلعت الحرب الاهلية اللبنانية في عام 1975، ولم تتوقف حتى “اتفاق الطائف”.

وكالعادة، تم التجاوز عن كل هذه المرحلة التي خاضت فيها المقاومة حربا ليست حربها وكلفتها الاف الشهداء ومئات آلاف الجرحى، ومليارات الدولارات، وتبعية لدول عربية وأجنبية لتمويل الحرب وتمويل مؤسسات المقاومة، التي بدأ الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بتأسيسها وتوسيعها تمهيدا لحل الدولتين ولتثبيت المقاومة وتثبيت نفسه كـ”رقم صعب”، على حد تعبيره، في معادلة الصراع.

ليس بالإمكان في هذه التدوينة عرض كل ما تسببت به الحرب الأهلية من شرور ليس على المقاومة وحدها لا وبل على الشعبين اللبناني والفلسطيني هناك، مثل المجازر المتتالية، والعنصرية، والملاحقات، والهجرة والتشرد…الخ.

لكن أسوأ ما في تجربة المقاومة لم يأت بعد.

كان من شأن التركيز على بناء “مؤسسات” و”تجييش” قوات الثورة خارج فلسطين، والتخلي عمليا عن كل مقولات وأطروحات حرب العصابات وحرب الشعب، هو التخلي عمليا عن الشعب الفلسطيني في الداخل، عن بناء أسس ومؤسسات المقاومة في الداخل، عن مواصلة العمليات ضد اسرائيل، فانخفض منسوبها ووصلت إلى صفر في سنوات كثيرة.

لم يكن بإمكان الثورة والحال هذه التركيز على الأرض المحتلة وعلى العمل في الداخل وهي تخوض حروبا دامية، انجرّت لها أو تم جرها لها، ولم تتوقف للحظة لمراجعتها أو الانسحاب منها ولاحقا نقدها.

لم يكن بإمكان الثورة والحال هذه التركيز على الأرض المحتلة وعلى العمل في الداخل وهي تخوض حروبا دامية، انجرّت لها أو تم جرها لها، ولم تتوقف للحظة لمراجعتها أو الانسحاب منها ولاحقا نقدها.

وهكذا عندما اندلعت الانتفاضة الاولى، عام 1987، وقد كنت لا زلت منتميا للجبهة الشعبية، واستطيع ان أؤكّد أننا جميعا تفاجأنا بها ولم نكن ندرك ما الذي كان يجري داخل فلسطين.

المهم..

بقدر ما أنفقت المقاومة الفلسطينية من جهود وأموال وتكاليف مادية ومعنوية، سياسية واقتصادية وحتى أخلاقية، في الحرب الأهلية في لبنان بقدر ما تجاهلت مهمتها الأولى. لقد صار الحفاظ على مؤسساتها وحماية تشكيلاتها وفصائلها هو الأهم.

نسيت الأرض المحتلة ولم يعد أحد يفكر لا بكيفية دعم صمود أبناء الداخل ولا بكيفية تطوير المقاومة الشعبية أو المسلحة في الداخل. وليس غريبا أن تصحى فصائل المقاومة بعد ذلك لتجد حماس، حديثة العهد، وقد سيطرت على الداخل، واكتسبت شعبية واسعة نافست فيها أكبر وأهم وأقدم الفصائل الفلسطينية “المناضلة”.

من حرب أيلول، او ما قبلها من الاحتكاكات والمعارك مع الجيش الأردني، إلى الاحتكاكات والمعارك مع الجيش اللبناني ثم الانخراط في الحرب الأهلية اللبنانية، إلى الهزيمة في اجتياح عام 1978، أي عملية الليطاني، ثم المعارك مع الجيش السوري خلال الحرب الاهلية اللبنانية، ثم الهزيمة في “حرب الصواريخ” عام 1981 ثم الهزيمة الكبرى عام 1982، في الاجتياح الاسرائيلي، ثم التدمير الشامل للمجتمع الفلسطيني في الانتفاضة الثانية..الخ، لم يقف احد لمراجعة كل هذا، وكانت المقاومة في كل مرة تخطو خطوات إلى الوراء إلى أن وصل المشروع الوطني الفلسطيني إلى المأزق الحالي.

بالطبع لم تكن حصيلة المقاومة المسلحة كلها سلبية، فقد حققت إنجازات ايضا، لكنها إنجازات لا تقارن بحجم التضحيات الكبيرة التي قدمتها المقاومة أو قدمها الشعب الفلسطيني.

واليوم، وبسبب عدم التصدي لنقد التجربة، فقد بلغ بنا الحال إلى المحال، الى ما نحن عليه الآن، انظر حولك وستجد أن كل الزعامات التي ساهمت في هذا التراجع المستمر لا تزال هي هي دون تغيير، متمسكة بكراسيها، دون مساءلة أو محاسبة، لا بل أن بعضها تمت مكافأته.

انسى اليمين الفلسطيني. هل يعقل أن يقوم فصيل يساري يعتبر “الثورة عملية نقد ومراجعة متواصلة” بانتخاب نائب أمين عام كان المسؤول العسكري لهذا الفصيل وهو المسؤول الأول والأخير عن تراجع وضعف فعالية هذا الفصيل العسكرية؟

هل يعقل أن أياً من فصائل المقاومة، وخاصة اليسارية، لم تراجع يوما تجربتها، لم تحاسب يوما أحد مسؤوليها، لم تشكل يوما لجنة للتحقيق في فشل عمليات عسكرية كثيرة وعديدة كان يقتل فيها المقاتلون قبل وصولهم الى الحدود بمئات الكيلوميترات لا بل أن بعضهم قتل وهو يتدرب لتنفيذ عملية عسكرية؟

رغم كل ذلك، فالاسوأ لم يأت بعد ايضا، إذ أن الأمر لم يقف عند غياب المراجعة والنقد والمحاسبة، بل تعداها إلى “تقديس المقاومة المسلحة”، وأصبح الاقتراب من هذه التجربة كالاقتراب أو المس بالذات الإلهية. وكل من تعرض لها بالنقد او حتى محاولة الإصلاح جرى تكفيره علنا.

هذا بالطبع نجم عن غياب الديمقراطية عند كل فصائل المقاومة، ويا لها من كذبة جميلة ما كان يتشدق به عرفات عن “ديمقراطية غابة البنادق”، ويا لها من خرافة فكرة “المركزية الديمقراطية” التي تتشدق بها فصائل اليسار وتنظّر لها في وثائقها ونظمها الداخلية.

أغلب فصائل اليسار لم تعقد لسنوات عديدة مؤتمرات عامة، تحت حجة “الظروف لا تسمح”، وإن عقدت فان المؤتمر لا يقدم ولا يؤخر فممنوع عرض تقارير مالية وتنظيمية على المؤتمر بداعي السرية، أما التقارير السياسية فهي تكتب باستخفاف وكلاشيهات وفقا لنموذج معد منذ المؤتمر الأول للحزب الشيوعي السوفياتي المتوفى. وأما الممثلون في المؤتمرات فهم من قامت القيادة أصلا بترشيحهم على ما يسمى بـ”القائمة المركزية” التي يمنع على العضو خرقها، يعني القيادة بترشح الممثلين والممثلين بنتخبوا القيادة في المؤتمر، وحكلي تحكلك.

وعلى أي حال، فان تجييش الثورة، ولد “طبقة” بيروقراطية، تعي مصالحها جديا وتعي ذاتها، أنانية، عطلت الديمقراطية، وأشاعت المقاومة الاستعراضية ومنعت النقد، وعممت خطابا شعبويا ديماغوجيا، أدى إلى تقديس ظاهرة الكفاح المسلح، الذي اصبح هو الهدف والغاية بحد ذاته، وأشاعت خطابات تقديس الشهداء والقتلى والتضحيات العظام، كل ذلك وغيره شكل ايديولوجيا الطبقة هذه للحفاظ على نفسها.