في الحرب، فنانون وكتّاب سوريون يصنعون طريقهم على هامش اللجوء في الأردن

الإثنين 25 آب 2014

كان لواقع الأحداث الجارية في سوريا أثر كبير على المثقفين والفنانين السوريين، سواء أولئك الذين اتخذوا موقفاً سياسياً مما يحدث فواجهوا الاعتقال أو الملاحقة والتضييق، أو الذين لم يعد بإمكانهم مواصلة حياتهم وعملهم في ظروف الحرب.

الكثيرون استطاعوا الوصول لدول الغرب، من لم يستطع اتجه الى لبنان، لكن عمّان أيضاً كان لها حصة مهمة.  رغم الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي باتت رفيقة حياتهم، فقد اتخذ فنانو ومثقفو سوريا اللاجئون في الأردن من عاصمة المملكة نقطة انطلاق جديدة مكملين منها ما بدأوه في وطنهم من فنون، مؤثرين ومتأثرين بالمشهد الثقافي في الأردن.

عبد الجليل الشققي، 35 عام، فنان تشكيلي سوري (الصورة في الأعلى)

كان مصير عائلة عبد الجليل كمصير العديد من العائلات السورية الهاربة من بطش السلطة في أحداث مدينة حماه في عام 1982، لكن هوايته بالرسم كانت رفيقته على طول طريق اللجوء التي بدأت بالسعودية في الثمانينات.

بعد ستة عشر عاماً في السعودية، عادت عائلة عبد الجليل إلى سوريا، ليبدأ معاناته الجديدة في وطنه وهي ما سماها “الواسطة” أو ما يعرف بالمحسوبيات ونطاق أصحاب النفوذ. فبعد انتهائه من دراسة المرحلة الثانوية توجه بشغف لتحقيق حلمه بدخول كلية الفنون الجميلة، ليواجه برفض لجنة القبول ويتجه محبطاً الى كلية الآداب ليدرس الأدب الإنجليزي.

ضمن دراسته الآدب الإنجليزي، أعاد عبد الجليل التقدم لامتحان الثانوية العامة مرة تلو الأخرى ليستطيع تقديم طلب دخول كلية الفنون، ورفض في كل مرة، بحسب قوله. “بقيت مصراً على الموضوع [الفن] لأنه يعيش في دمي”، يقول عبد الجليل، مشيراً أن عائلته لم تكن من “جماعة الواسطات”.

في 2004، تخرج عبد الجليل من كلية الآداب، التي كان يرافقها عمله التطوعي ضمن منظمة الهلال الأحمر.  عبّر الشققي عن شعور “الانتقام” لديه بالعمل على معرضه الأول، معرض “فصول”، الذي يصفه برد فعل لرفض الجامعة وإثبات وجوده كفنان تشكيلي في مجتمعه الذي ساده الفساد، لينتقل بعدها ليعمل بعيداً عن الفن مع فريق الهلال الأحمر كمدرب كوادر التعامل مع الكوارث بين مكاتب دمشق وعمان.

في بداية الثورة في 2011، كان الشققي في مدينته حماه، وكان ممن وقفوا ضد نظام الحكم في سوريا. “أنا صاحب حق في وطن مسلوب”.  انتقل حينها نشاطه الى العمل في شوارع مدينته لتدريب أصدقاءه والناشطين على الإسعافات الأولية.  هذا النشاط بدأ بلفت انتباه جهاز المخابرات، كما أوضح، خلال يومياته الاعتيادية في المشاركة بالمظاهرات السلمية وتخطيط اللوحات.

“الثورة ليست قضية سياسية بل هي قضية اجتماعية بحتة”، أضاف.

خرج الشققي من سوريا الى الأردن في أيلول 2011، بعد أن علِّم أن مصيره سيكون الاعتقال، ليستقر في العاصمة الأردنية، عمان.  عمل في الأردن في عدة مجالات ضمن مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الدولية وأوضح أنه بعد وصوله عمان كان الفن بالنسبة له “وسيلة تفريغ نفسي”.

مؤخراً، أقام الشققي معرضاً فنياً في عمّان، سمّاه “نافذة إلى إنسان”، حيث قال ان المعرض كان تفريغاً لمشاهداته خلال مشاركته في الثورة وحياته في عمان وعمله مع الهيئات الإغاثية وقضايا اللجوء. “المعرض هو حالة اجتماعية”.

أشار الشققي في حديثه إلى تفاجئه بالمشهد الثقافي والنشاط الاجتماعي في عمان. مضيفاً أنه يوجد “توجه ثقافي فكري نحو الفن التشكيلي” وأنه كوّن أسرة أردنية من المثقفين والمفكرين والفنانين.

“عمان لم تكن محطة بالنسبة لي، عمان سمحت لي اعمل معرض”.

IMG_1650

وائل قدور، 33 عام، كاتب ومخرج مسرحي.

تخرج قدور من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق في عام 2005، لتنطلق بذلك رحلته الفنية التي بدأها بكتابة النصوص المسرحية ومن ثم الإخراج المسرحي.

خلال وجوده في دمشق، قدّم قدّور أعمال كثيرة تركت بصمة خاصة به، مثل “الفايروس” في 2007 الذي عرض ضمن فعاليات “دمشق عاصمة الثقافة العربية” وحصل على جائزة محمد تيمور للإبداع المسرحي، و”خارج السيطرة” في عام ٢٠٠٨ الذي يتحدث عن جرائم الشرف، ويتم تقديمه الآن في دمشق كمشروع تخرج لطلاب التمثيل من إخراج سامر عمران.

مع بداية الثورة في 2011، اختلفت ظروف العمل بالنسبة لقدّور وأصبح الوضع المادي أصعب مما دعاه الى الخروج من سوريا في أواخر 2011، لينتقل الى مصر لفترة وجيزة ويستقر بعدها في عمّان.

في بداية وجوده في عمان، قام بتدريس الدراما في مدرسة خاصة والعمل بالترجمة قبل أن يعود للعمل المسرحي حيث شارك بالعديد من المسرحيات، منها ترجمة المسرحية البريطانية “بعيد جداً” في 2012.

في 2013 عرض قدور المسرحية التي كتبها وأخرجها “الغرف الصغيرة” والتي حازت على رواج كبير وتم عرضها في كل من بيروت وعمان. بعدها شارك قدّور بكتابة مسرحية تحكي عن مفهوم الاغتصاب في المجتمع الأردني تدعى “شمس” بالتشارك مع الكاتبة الأردنية سعاد نوفل. وأشار بأن ردود الفعل تجاه أعماله كانت إيجابية في المجمل.

قدور وفي حديثه عن دور الفن وكيفية استجابته نحو الثورات في المنطقة، أوضح بأن الفنون لعبت دوراً سياسياً وتوثيقياً، لكنه فضل ألا يعمل في هذا الاتجاه حيث قال: “لست مع الاستجابة الانفعالية” ويرى أن جوهر الفن هو ضد “كل ما هو سائد” وان “الفن يجب أن يخدم الإنسان”.

الأسبوع الماضي عرض في مسرح البلد في عمّان أحدث مشروع لقدّور بعنوان “عندما تبكي فرح”، وهو مشروع قراءات مسرحية وورشة عمل ودراما إذاعية. هذا المشروع هو نص سوري يدرس العلاقة بين حياة الناس الخاصة والحدث العام. أكّد قدور على أن المسرحية “متوازنة انفعالياً بشكل كبير” وأن لها انحياز إيجابي تجاه الثورة لكن “غير مسيس”.

من خلال تواجده في الأردن، يرى قدور أن المسرح في الأردن يحتاج إلى تطوير وعمل أكثر.

IMG_8379

رامي العاشق، 25 عام، شاعر سوري-فلسطيني

رامي العاشق، الشاعر الذي نشر مؤخراً ديوانه الشعري “سيراً على الأحلام”، عاش حياته في مخيم اليرموك في العاصمة السورية دمشق.

قال رامي أن بداياته في الكتابة كانت “طفولية” لكنها تطورت حين بدأ في عام 2009 بكتابة كلمات أغاني فرقة جوا، وهي فرقة موسيقية غنائية كان مقرها دمشق، لكن أعضاءها الآن “إما شهيد، أو معتقل، أو مهجّر” كما أوضح.

في بداية الثورة في سوريا في 2011، تحوّل العاشق إلى الكتابة السياسية وكتب عدة مواد صحفية ومقالات رأي عن الواقع السوري نشرت في عدة صحف عربية، تعرض بعدها لاعتقال من قبل النظام ضمن ما سمي في بداية الثورة بدمشق بـ”مظاهرة المثقفين”.  بالإضافة إلى ذلك، قامت الفنانة السورية أصالة نصري، المعروفة بمعارضتها للنظام، بغناء أغنية من كلمات العاشق تحت اسم “اخ لو الكرسي بيحكي” والتي تتحدث عن كرسي السلطة، واستمرت أصالة بغناء كلمات العاشق والتي كان آخرها “خيا وأخي” التي بدورها وجهت الأنظار نحو العاشق الذي كان حينها ما يزال في دمشق.

في بداية عام 2012، شعر العاشق أنه لا مفر من الخروج من سوريا بعد أن أصبح مطلوباً، فدخل إلى الأردن عن طريق الحدود غير الشرعية أسوة بآلاف اللاجئين الآخرين. لكن مفاجأته كانت أنه “فلسطيني-سوري”.

“ما كنت بعرف أنو الفلسطيني السوري ممنوع يدخل،” قال العاشق.

بقي رامي العاشق تحت الإقامة الجبرية في بناء قديم في محافظة الرمثا بات يعرف بمخيم “سايبر سيتي”، وهو مكان إقامة قسرية للاجئين من فلسطينيي سوريا. قال العاشق أنه أحس بالظلم وأنه هرب من الاعتقال لا ليلاقي المثل. بعد أربعة شهور، نجح في مغادرة سايبر سيتي والوصول إلى عمّان.

بدأ حينها العاشق باستكمال كتابة ديوانه والذي نُشر في 2014 في مدينة عمان تحت عنوان “سيراً على الأحلام”. رحلة طباعة الديوان لم تكن أسهل من خروجه من “سايبر سيتي” فقد واجه العديد من المصاعب في إيجاد تمويل للطباعة والنشر، رفض فيها التمويل السياسي ليضطر لطباعته بالدين.

ديوان “سيراً على الأحلام” هو 29 قصيدة جمعها العاشق تتحدث عن “اللجوء والمخيم والثورة والاعتقال والشهيد وأم الشهيد،” حسب قوله. ويقوم حالياً بالتحضير لكتابه الثاني “لاجئ ويعيد” والذي يقرأ فيه قصته التي مرَّ بها.

يتحدث رامي عن مدينة عمان، التي سكن فيها الى الآن ما يقارب السنتين، على أنها شبيهته بالتناقض الذي تحويه، والفرق بين شرقها وغربها، وبين خليط شعبها.

IMG_0650

أماني عبده، 30 عام، كاتبة وشاعرة وصاحبة دار جلجامش للنشر في سوريا.

في عام 2010، افتتحت أماني عبده دارها الخاص للنشر والتوزيع ليعمل على نشر وتوزيع عدة كتب لشبّان سوريين كما أوضحت.  اختارت أماني وشريكتها اسم دار جلجامش تيمناً بالملحمة التاريخية جلجامش في بلاد الرافدين والتي تتحدث عن الملك الذي يبحث عن الخلود.

“نحن نبحث عن الخلود من خلال العمل”، أضافت.

اضطرت أماني في عام ٢٠١٢ أن تحمل مشروعها التي زرعت بذوره في دمشق معها إلى المغترب، لتنتقل إلى بيروت وبعدها إلى عمّان. تقول أماني أن السبب الرئيسي لخروجها من سوريا هو أنها لم تستطع رؤية وطنها في هذا الصراع.

قامت دار جلجامش بنشر أول كتاب في الأردن، وهو “مذاق باب شرقي” للشاعر السوري أحمد قطليش.

تؤكد أماني أنه يجب الاستمرار في بناء الثقافة حتى تكون أقوى عند العودة إلى سوريا، “الحركة الثقافية نشطت ومستمرة”، بحسب قولها. “يجب أن نتابع النهضة مو نبني نهضة ثقافية من اول وجديد.”

لدى أماني عدة مؤلفات، منها “قصة دعاء” و”خريف أخضر” وأوضحت في حديثها أنها على مشارف الانتهاء من كتابها الأخير الذي سينشر في عمان خلال الشهرين المقبلين وهو “مفردات مغتربة”. إضافة الى ذلك تقوم بكتابة مسلسلات تلفزيونية للأطفال.

“الغربة مو يعني نهاية.”

IMG_9571

أحمد قطليش، 26 عام، شاعر وكاتب سوري

كان لدى أحمد قطليش تصوّر منذ صغره بأنه سيعمل في جمع القمامة والكتابة في آن واحد. ولعل هذه الصورة تحققت بشكل أو بآخر عندما وصله خبر نشر كتابه الثاني بينما كان يعمل في جلي الصحون.

قطليش درس الرياضيات في جامعة دمشق، لكنه كان نشيطاً في المشهد الثقافي والأدبي في دمشق وعمل على الكتابة في الصحف والمشاركة في أمسيات شعرية أسبوعية.

في 2011، اشترك قطليش مع كاتب آخر بنشر مجموعة قصصية تحت اسم “هذا الرخام تشقق”.  “كانت محاولة لأدخل هذا العالم، عالم الكتابة،” يقول قطليش، حيث قام حينها بطباعة الكتاب على حسابه الشخصي.

مع بداية الثورة في سوريا والرد العنيف الذي قُبلت به من الحكومة، كان نصيب منزل قطليش هو الدمار، فقرر الخروج متجهاً الى درعا ومن ثم إلى الأردن ليعيش فترة قصيرة في مخيم الزعتري قبل أن يتمكن من الهروب والذهاب إلى عمّان. لم تكن البداية سهلة، حيث بدء بأعمال بسيطة جداً فور وصوله سواء في توزيع الصحف أو جلي الصحون وغيرها ليتمكن من العمل على كتابه الثاني.

متعاوناً مع الكاتبة أماني عبده ودار جلجامش للنشر، قام قطليش بنشر الكتاب تحت اسم “مذاق باب شرقي” حيث جاءت تسميته من منطقة باب شرقي في العاصمة السورية، دمشق والتي تعتبر واحدة من مداخل أو أبواب دمشق القديمة السبعة، والتي كان قطليش عادةً يذهب إليها ليلاً ليجالس نفسه.

“كان لازم أعمل شيء هون فيه ريحة الشام”، أضاف.

“مذاق باب شرقي” هو مجموعة قصائد قصيرة كتبها قطليش مع بداية الثورة، لكنه كما أوضح، حاول أن يبتعد بالكتاب عن أجواء الحرب وأن يجعله “كتابا جماليا”، ليُناقش كمحتوى أدبي ولا ينُاقش على واقع القضية.

في حديثه عن لجوئه، قال قطليش أن “عمان مدينة صعب يكتب فيها” مشيراً الى العديد من المصاعب التي تواجهه في التسارع في الحياة والمعيشة الصعبة.

حالياً يقوم قطليش بالكتابة لعدة مواقع الكترونية عن الواقع السوري، عن اللجوء وعن الثقافة، منها البيرق وزمان الوصل وراديو البلد، في حين يسعى للالتحاق بالدراسة من الجديد في أوروبا، لكن بعيداً عن الرياضيات متجهاً نحو المسرح، مضيفاً أن الصعوبة الأكبر تكمن بعدم توافر جواز سفر.

شارك في الإعداد سارة عبيدات.