الحراك الأردني والعدوان على غزّة: معركة السيطرة على مشاع الشارع السياسي

الأربعاء 10 أيلول 2014

“حتى لو قصفت عمّان لن تستطيع طرد السفير الإسرائيلي”، هكذا قال نائب مخاطباً رئيس الوزراء أثناء العدوان الأخير على غزة. إذا كان ذلك صحيحاً، كيف ننظر إلى دور الحراكات الأردنيّة الضروري في الشارع خلال العدوان؟ هل حماها التنظيم غير الممأسس من التورّط في الهيكل السياسيّ المشوّه، أم أنّها تدفع ثمن عدم تشابكها مع نسيج المجتمع؟

“هينا جينا”: كيف أنقذ شباب جبل النزهة هبّة تشرين

لعل هبّة تشرين 2012 أكثر تجارب الحراك الشعبيّ قدرةً على تفسير دوره وفرصه ومحدداته. فقبل أسابيع من الهبّة، ساهم النظام الأمني الأردني في إعادة الزّخم للحراك الذي كان صوته قد بدأ يخفت: بعد نزول أكثر من 2000 شخص إلى دوّار الداخليّة واعتصامهم هناك فور الإعلان عن قرار رئيس الوزراء عبد الله النسور برفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسيّة في 14 تشرين ثاني 2012، أعلن الأمن العام في اليوم الثاني أن الدوّار منطقة مغلقة، ما فتح للحراك بابين جديدين للتحشيد على الأرض، الأوّل: التركيز على حشد المظاهرات في الأحياء الشعبيّة في عمّان وخارجها، والثاني: استحداث الدوّار كنقطة صدام مركزيّة مع الأمن من دون استهداف الاعتصام فيه لإبقاء التوتّر الأمني في تعبئة مستمرّة على الأقل.

استمرّت المظاهرات والصدامات في اليومين التاليين بتصاعد كبير امتدّ من العقبة إلى الرمثا. حتى جاءت مظاهرة الجمعة في 16 تشرين ثاني 2012 من الجامع الحسينيّ كذروة طبيعيّة حشدت الآلاف الذين ردّدوا هتافات عالية السقف – بدت وقتها أيضاً تصعيداً طبيعيّاً وضروريّاً. لكن بالتزامن مع دعوات البعض للسير إلى قصر رغدان القريب نسبيّاً، استلم المايكروفون “هتّيف” محسوب على الأخوان المسلمين ليعلن انتهاء المظاهرة بطريقة لجمت الغضب الذي كان ربّما سيغيّر مسار الاحتجاجات.

في اليوم التالي، كان الحراك يستمر في اعتماد “الطريقة المصريّة” في التحشيد: إذ توزّع عدد من الشباب بعد صلاة العشاء أمام مساجد مختارة في جبل النزهة وضاحية الأمير حسن للخروج بأكبر عدد من المصلّين، ومن ثم المسير بالجموع في الشوارع للالتقاء بمظاهرة مركزيّة على جسر جبل النزهة. وما حدث لاحقاً كان مفاجئاً حتّى لناشطي الحراك الذين تأثّروا بمشهد الأعداد الكبيرة من المواطنين الذين أغلقوا أبواب محالهم التجاريّة أو الذين نزلوا من البيوت للانضمام إلى المظاهرة، وباستلام الهتاف بالنبرة الحماسيّة الشعبيّة التي لم تسمع إلا في هتافات تشجيع مباريات كرة القدم: “هينا جينا، ها ها”. آنذاك، استمدّت الاحتجاجات زخماً جديداً لم يخمده إلّا إرهاق لجنة تنسيق المظاهرات التي شكّلت بشكل عفويّ آنذاك، والذين انكفأ أعضاؤها عن الشّارع عدّة أيّام ومنحوا أنفسهم “إجازة”، إضافة إلى النهاية الفاترة بنزول رئيس الجبهة الوطنية للإصلاح أحمد عبيدات إلى الشارع في 30 تشرين ثاني 2012 إلى جانب الإخوان المسلمين الذين منعوا الهتافات التي تجاوزت “الخطوط الحمراء”، في مشهد توافقي لا يعكس النديّة في المزاج الشعبي الذي تعرّض أفراده للضرب والاعتقال والقتل خلال أيّام الهبّة.

الشّارع، إذاً، يخضع لمشاعيّة قاسية تأخذ تجليّات السيطرة السياسيّة عليها شكل مشاريع مؤقّتة. فهل استطاعت الحراكات استغلال هذا المشاع، خاصّة في الأوقات التي يكون فيها “تحشيد الشّارع” نتيجة لظروف “طبيعيّة” كالعدوان على غزّة؟ ومن ناحية أخرى: هل المطلوب من هذه الحراكات التحشيد من خلال التغلغل في جذور المجتمع، أم البقاء كحراكات مستنفرة على الدوام يتجلّى دورها في الأزمات؟

مشاعيّة الشارع السياسيّ

واجه، ويواجه، الحراك الأردني معارك كبيرة وصغيرة للفوز بساحات المسجد الحسيني بعد كل صلاة جمعة على المستويات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. فكان على الحراك مواجهة “الخطاب العشري” الذي روّج، على مدى أكثر من عقد، لمرحلة الملك عبد الله الثّاني في قيادة “أردن جديد” بالتركيز على الشّباب والصورة الإعلاميّة، التي انتشرت في الخارج قبل الداخل، للواجهة الحضاريّة الذي يمثّلها الأردن في المنطقة الملتهبة. إضافة إلى تشجيع وتبنّي مئات المبادرات المدعومة من قبل مؤسّسات أجنبيّة غير ربحيّة. ما ساهم بتنميط الشخصيّة الأردنيّة في صورة شابّات وشباب رياديين، يتكلّمون الإنكليزيّة بطلاقة، ويتمتّعون بـ”روح المبادرة”. فبينما يصطحبهم الملك في جولاته الخارجيّة، ضخّ هؤلاء الصورة ذاتها محليّاً على شكل مبادرات مجتمعيّة ثقافيّة فنيّة اختزلت العمل المجتمعيّ بإعادة تأهيل درج في حيّ شعبي عبر دهنه بألوان لا يجب أن تجتمع معاً في مكان واحد.

بعد انتهاء المظاهرة وعودة السوق لتجّاره، تنكشف الحاجة للعمل السياسيّ المنظّم من قبل من يمتلكون امتياز العمل في السياسة.

ربّما إثر ذلك، انكمش الشباب في أحيائهم الشعبيّة تلك كمستهلكين بين أدراج لا يساهمون باختيار ألوانها، ذاهبين إلى مدارس حكوميّة يتلقّون فيها دروساً مشوّهة عن الجنس والمخدّرات أكثر تأثيراً من المواد الممنهجة، ومن ثم يذهب من كان حظّه جيّداً إلى الجامعة الحكوميّة التي لا تُعنى إدارتها إلّا بالتحصيل الماديّ.

هذا التهميش الطبقيّ بكل مستوياته، الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، يحيل بوضوح إلى مصطلحات- مثل انعدام المساواة وتكافؤ الفرص، الفساد، التهميش، الطبقيّة- تنتشر إمّا عندما يكون البلد محتلّاً، أو خاضعاً لخطاب ما بعد الاستعمار، أو كليهما. لذلك، عندما يتجمّع شباب الحراك في جبل النزهة، سينضم إليهم بالتأكيد الناس هناك باعتبار أنّهم يمثّلونهم، بل وسيقودون الهتاف للوصول به إلى “إسقاط النظام”. لكن بعد انتهاء المظاهرة وعودة السوق لتجّاره، تنكشف الحاجة للعمل السياسيّ المنظّم من قبل من يمتلكون امتياز العمل في السياسة ويتحمّلون مسؤوليّات امتيازاتهم تلك لاستعادة الشّارع الذي بدا وكأنّه أخلي من مكوّناته الطبيعيّة بقنبلة فراغيّة بطيئة تستهدف بنيته الاجتماعيّة.

فإلى أيّ حد استطاعت الحراكات تنظيم نفسها وبناء حركة جذريّة تحكمها أدوات عمل يساريّة للانسجام مع الشّارع وما يمثّله؟ الحديث هنا عن العمل مع النقابات العمّاليّة- وهي موجودة رغم سيطرة رؤوس الأموال والتحالفات السياسيّة- واللجان المحليّة التي تنشأ بشكل عفويّ على شكل تجمّعات عائليّة وعشائريّة في المخيّمات والريف والبادية من معان التي تُعاقب الآن، إلى وادي فينان الذي أصبح سكّانه جزءاً من فرجة سياحيّة من دون علمهم.

هذا المشاع نفسه منح الأخوان المسلمون فرصةً للانسجام مع المجتمعات، لتسيطر الآن على منظومة الانتفاع المباشر من خلال الأيّام الطبيّة المجّانيّة، ومخيّمات تحفيظ القرآن وحتّى منظومة التكافل الاجتماعيّ. ومؤخّراً، انتبه الأخوان المسلمون، أو على الأقل الجيل الجديد من الطبقة الوسطى مفرطة التديّن والمتمرّد على الخطاب الأخواني التقليدي، للثقافة بأشكالها المباشرة. فأقاموا نوادي قراءة ومناقشة الكتب، وندوات فكريّة تناقش، ممّا تناقش، بقدريّة ساخرة، “أسباب نخبويّة اليسار”.

الكالوتي أم الفلّوجة؟

تتجلّى نتائج تفريغ القاعدة الجماهيريّة للحراكات، بالطبع، في العمل السياسي المباشر. وذلك عندما تخفت الحاجة للتنظير الأخلاقيّ، وتظهر الفجوات بين ما يمكن التفكير به، وما يمكن تحقيقه فعلاً. أي: أن تذهب لجبل النّزهة ضيفاً من دون أن تؤسّس لنواة شعبيّة تحمي نفسها ووعيها أولاً، ثم تحميك.

في الحراكات التضامنيّة مع المقاومة وأهل غزّة، تجلّت هذه الفجوات بخوض المعارك الجانبيّة على أماكن التظاهر. ولو بدأنا بسؤال المتحدّث الرسمي لكتائب القسّام أبو عبيدة عن المكان الذي يفضّله لخروج الحركات الأردنيّة في مظاهرات تضامنيّة، فهل يختار مسجد الكالوتي- أقرب مساحة محدّدة من قبل النظام من السفارة الإسرائيليّة، أم مسجد الفلّوجة في قلب ضاحية الأمير حسن- الحي الشعبيّ القريب من جبل النزهة؟

للوصول إلى جواب هذا السؤال الافتراضيّ، علينا أولاً التساؤل عن هدف الحراكات الشعبيّة التي خرجت لدعم المقاومة أثناء العدوان الأخير على غزّة. إذ ثمّة توافق شعبيّ على الأهداف سواءً من خلال الإصرار على الخروج في تظاهرات يوميّة في الأحياء الشعبيّة في عمّان وخارجها، والمخيّمات، والاعتصامات اليوميّة في ساحة الكالوتي، والتي يمكن إجمالها في ثلاث نقاط:

أوّلاً: المحافظة على الحراك المستمرّ للجبهة الشعبيّة الأردنيّة كدعم لموقف المقاومة الفلسطينيّة في المفاوضات، وذلك من خلال إيصال رسالة واضحة بأن الحراكات الأردنيّة قادرة على الإبقاء على مستوى التوتّر المطلوب في دولة تمتلك أطول حدود مباشرة مع الكيان كمعيار للتوازن في المنطقة، ليشكّل بذلك تهديداً طموحاً لحالة “الاستقرار” التي تستند مواقف الكيان وحلفاؤه إليها.

ثانياً: إعادة التأكيد على الرّفض الشعبي لمعاهدة وادي عربة والتطبيع وتواجد سفارة الكيان في الرابية. رغم إغراق السوق الأردنيّ بالبضائع الإسرائيليّة وربط الازدهار الاقتصاديّ والسياسيّ بالمعاهدة.

ثالثاً: إبراز التباين بين موقف الشّارع ومواقف الحكومة التي ذهبت بعيداً في حالة الارتباك أمام الدعوات لإيقاف العدوان على غزّة من دون تبنّي موقف يدعم أيّ شكل من أشكال المقاومة خشية تعقيد التحالفات السياسيّة التي تضع النظام- بالانقياد لا بالاختيار- في معادلة مصر والإمارات والسعوديّة وإسرائيل وأميركا ضد حماس والإخوان المسلمين وقطر.

فهل، بناءً على هذه الأهداف التوافقيّة، قدّمت الحراكات الدعم الكافي للمقاومة كجزء من التحرّكات العربيّة والعالميّة؟

مهما كان الجواب، يجب أن نأخذ بالحسبان أسباب انخفاض زخم المشاركة في المظاهرات التي ساهمت فيه عدّة عوامل، منها: تراجع زخم المظاهرات التي قادتها الحراكات المختلفة خلال السنوات الماضية لأسباب مختلفة أبرزها استغلال النظام للخلافات بين عناصر الحراك والأحزاب تجاه الانتفاضات العربيّة، ومن ثم الإحباط الذي دفع بالكثير من الناشطين إمّا للهجرة أو اللجوء السياسيّ، أو حتّى فقدان الأمل نهائيّاً في التغيير بعد تعرّض عدد كبير من الناشطين للملاحقات سياسيّة في محكمة أمن الدولة من دون تحرّك كافٍ لدعمهم حزبيّاً وقانونيّاً.

لكن، وبما أن المقال يطمح لطرح النقاش حول دعم الحراكات الشعبيّة الأردنيّة للمقاومة، يبقى التساؤل حول الخلافات بين المجموعات المختلفة على أشكال التظاهر من أبرز التساؤلات التي تستدعي التركيز عليها، بعيداً عن أشكال “التضامن” التي تمثّلت في إصدار البيانات، والتهديدات التي لم تنفّذ بسبب إجازة مجلس الأمّة الدستوريّة، أو التبرّعات بالدم.

 فبعد دعوة “الحركة الشعبيّة الأردنيّة لمقاطعة الكيان الصهيونيّ: قاوم، قاطع” لاعتصام يوميّ في ساحة مسجد الكالوتي، ومن قبلها دعوات أحزاب يساريّة وقوميّة وإسلاميّة ومستقلّين لاعتصامات متفرّقة في نفس المكان، برز الخلاف الأزليّ مرّة أخرى حول جدوى هذه الاعتصامات مقابل مظاهرات الأحياء الشعبيّة. إذ يحاجج المعترضون على اعتصام الكالوتي أنّه ميّت أمنياً ولا يقدّم الرسالة المطلوبة منه لانعدام أسباب الحشد واقتصاره غالباً على ناشطين سياسيين ودوائرهم القريبة. بينما يصرّ أصحاب الدعوات للاعتصام هناك على أنّها رسالة رمزيّة حاسمة ومستمرّة تحمل شعارات طرد السفير الإسرائيليّ وإلغاء معاهدة وادي عربة.

ذهبت الانتقادات أيضاً إلى مستوى آخر اتّهمت فيها الاعتصام بأنّه نخبويّ (لجذبه معتصمين من خارج الدوائر السياسيّة ومن طبقة غير شعبيّة)، وحتّى استعراضيّ يستضيف موسيقيين لغناء أغانٍ ثوريّة، وإقامة بعض الفعاليات المستقلّة التي أطلقت مناطيد وبالونات في السماء المختَلَف على راديكاليّتها. وعلى الرغم من تواجد بعض الناشطين السياسيّين المحسوبين على الحراك الشبابيّ الأردنيّ والأحزاب في اعتصام الكالوتيّ، أحجم معظمهم عن الحضور، مدافعين عن أهميّة التحشيد في الأحياء الشعبيّة.

من الناحية الأخرى، تراجع زخم المشاركة في مظاهرات الأحياء الشعبيّة مقارنةً بمظاهرات “هبّة تشرين” للأسباب التخديريّة التي ذكرناها سابقاً، رغم أن عدداً من الناشطين تحمّلوا مخاطرة قيادة المظاهرات بينما محاكماتهم أمام محكمة أمن الدولة لا تزال قائمة، ما يمكن أن يغيّر من مجرى المحاكمة سواءً بخطر الاعتقال، أو جمع المعلومات ضدهم واستعمالها في المحكمة.

لكن، ومع إدراك الجهتين أنّهما أصلاً تؤدّيان رسالة واحد كلٌّ في مكانه، انخفض مستوى التنسيق بين الحراكات إلى المستوى الذي سمح باختلاط مواعيد المظاهرات مع التحشيد المتواضع لكل منها. إذ من أحد أهم أهداف التحرّك على الأرض ضمان الإبقاء على مستوى توتّر أمنيّ عالٍ، لكن مع تواضع المشاركة، وعلو وتيرة الانتقادات الداخليّة-الداخليّة، فشل التنسيق الذي كان من الممكن أن يستغلّ فرصةً نادرة لإعادة إحياء صوت الشّارع الذي اختطفه مجلس النوّاب بتعديلات مشوّهة على القوانين، وخدّرته الحكومة بكيانها الأمنيّ والتهديدات المستمرّة بالملاحقات السياسيّة. وهذا ما يؤدّي بجميع التحرّكات إلى الانحباس في مشهد استعراضيّ يختفي بمجرّد اختفاء سببه المباشر، بينما لا تزال جوانبه تؤثّر على الشّارع وتمسّ تفاصيله اليوميّة بسبب مواقف النظام.

“لا تغرموا بأنفسكم”

أثناء مظاهرات “احتلال وول ستريت”، ألقى الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك كلمةً وسط المتظاهرين حذّر فيها من كرنفاليّة الحركات الاحتجاجيّة: “لا تغرموا بأنفسكم. نقضي وقتاً ممتعاً هنا. ولكن تذكّروا، يمكن إقامة الكرنفالات ببساطة، الأهميّة تكمن في اليوم التالي حين نعود إلى حياتنا الطبيعيّة: هل سيكون قد تغيّر شيءٌ ما بعدئذٍ؟ لا أريدكم أن تتذكّروا هذه الأيام، كما تعلمون، على هذا المنوال: “آه، كنّا شباباً وكان أمراً جميلاً”. تذكّروا أن رسالتنا الرئيسيّة هي: “بإمكاننا أن نفكّر ببدائل” (..) لا نعيش في أفضل العوالم الممكنة، ولكن هناك طريق طويل، هناك أسئلة صعبة حقّاً تواجهنا، إذ نعرف ما لا نريده، ولكن ماذا نريد؟”.

ما قاله جيجيك ليس جديداً، فلطالما قيلت هذه “النصائح”، التي بدت “مثاليّة ليس لها صلة بالواقع”، في كل العصور: الثورة الفرنسيّة، الثورة البلشفيّة، الثورة الكوبيّة، والثورات الأوروبيّة الشرقيّة التي قامت ضد الأنظمة الشيوعيّة، والثورة الطلابيّة في أوروبا العام 1968، وحتّى احتجاجات اليونان، والاحتجاجات ضدّ “مجموعة الثمانية الكبار”، وصولاً إلى الانتفاضات العربيّة. بدا هذا الخطاب متورّطاً في الأسباب التي أدّت إلى الانحطاطات التي شهدها التاريخ، إذا ما اعتبرنا أنّه خطاب شبه انعزاليّ يستفيد من امتيازات فكريّة لا تتاح للجميع.

للعودة إلى العالم العربيّ، ربّما يمكننا، بتطرّف، وضع جيجيك إلى جانب أدونيس وغيره ممّن تم انتقادهم بشدّة بسبب شكل الخطاب الذي يتماهى مع أشكال خطابات السلطة التخديريّة، التي ترهن الحريّة بالعمل المؤجّل، فالناشطون السياسيّون لن يستطيعوا التغيير، بل “تسليم العمل للجيل القادم”.

التحرّك التضامنيّ مع القضيّة الفلسطينيّة هو جزء من التحرّكات السياسيّة المعارضة المطالبة باستعادة صوت الشّعب في الحكم. 

على الرغم من “مثاليّة” هذا الخطاب، إلّا أنّنا نجد مكوّناته في مختلف الحركات الاحتجاجيّة كصوت خافت يجب أن نستمع إليه كي “لا نغرم بأنفسنا”. وهذا الاستماع يمكن أن يتمثّل، الآن، في اتّخاذ المساحة النقديّة تجاه أنفسنا وتحرّكاتنا الاحتجاجيّة وآثارها- أو انعدامها.

وإذا ما عدنا لنموذج الحراكات الأردنيّة أثناء العدوان على غزّة، نعيد طرح عدّة نقاط للنقاش ربّما تكون مدخلاً للحل، أو على الأقل خطّة عمل مبدئيّة:

أوّلاً: القضيّة الفلسطينيّة أمر توافقيّ بالنهاية، وهي قضيّة تحرريّة أخلاقيّة بالمطلق، إلّا أنّها أيضاً تحمّلنا مسؤوليّة مضاعفة لأنّنا نتعرّض لتحالفات سياسيّة يقع الأردن في صلبها، تتجلّى في معاهدة وادي عربة والتطبيع بأشكاله، كما تحمّلنا مسؤوليّة أثر هذه التحالفات على التفاصيل اليوميّة كسبب من أسباب الفقر والتهميش والطبقيّة. مناهضة المعاهدة فطريّة بالضرورة، ولا تخصّ تيّاراً أو حراكاً أو حزباً سياسيّاً معيّنًا وحده، ومن يمتلك امتياز المعلومة يتحمّل مسؤوليّة إيصالها إلى من يعاني بسببها. منها مثلاً أوضاع العاملين في المدن الصناعيّة المؤهّلة تحت اتفاقيّة (QIZ) الذين يتلقّون أجوراً تحت الحدّ الأدنى المقرّر (190 دينار)، إذ يضغط المستثمرون في هذه المدن التي أقيمت عام ١٩٩٨ كنتيجة لتوقيع معاهدة وادي عربة باتّجاه عدم رفع الحد الأدنى للأجور، إلى جانب المستثمرين الكبار الذين يسيطرون على غرفة صناعة عمّان.

لذلك، فإن التحرّك التضامنيّ مع القضيّة الفلسطينيّة هو جزء من التحرّكات السياسيّة المعارضة المطالبة باستعادة صوت الشّعب في الحكم. وهذا لن يتم إلّا بالتعامل مع الاحتلال كقضيّة داخليّة تحتاج إلى عمل مستمر على الأرض.

ثانياً: إذا اعتبرنا أن التحرّكات ضد العدوان على غزة ودعم المقاومة كانت فرصةً جديدة لإعادة التوافق إلى مكوّنات الحراكات بعد المواقف من الأنظمة في سوريا ومصر، فهذه الفرصة فاتتنا. فبينما غضضنا النّظر عمّن هتف أمام السفارة السوريّة يوماً “فليحيا حكم العلويّة”، ومن هتف لصدّام حسين مبشّراً بعودة “حكم الّرفاق” (ملمّحاً إلى دور حزب البعث باحتلال الموصل مع “داعش”) وهم يهتفون لفلسطين في الاعتصامات الأخيرة، فشلت الحراكات بالتنسيق ما بينها للخروج بخطّة عمل واحدة لتوزيع الجهد والقوى.

ولنكن واضحين: لا يمكن لهرميّة حزبيّة تتلقّى دعماً ماليّاً من النظام هدفها بالنهاية الوصول إلى مجلس النوّاب، أو حتّى الحكومة، ومحكومة بتحالفات قد لا تجعل من محاكمة ناشطي الحراك الشبابي أمام محكمة أمن الدولة أولويّة، أن تغامر بالصدام مع النظام من دون مخرج يحمي صيغة كيانها “القانونيّ”. تم تحنيط اليسار في صور رموزه ورايات أحزابه، بينما يتجلّى اليسار الحقيقيّ حاليّاً في العمل المستقل غير البنيوي الذي يحميه الشّارع، لا التحالفات.

ثالثاً: لا طبقيّة في السياسة بالأردن، هناك أفكار عن الطبقيّة يتم تطبيقها على المكوّن الخاطئ. الجميع معرّض للاعتقال أو المضايقات السياسيّة: فكاميرا فيديو المخابرات لن تميّز بين غنيّ أو فقير، والعقلية الأمنيّة ترى إطلاق بالونات دعماً للمقاومة “خروجاً عن الطاعة” وشكلاً من أشكال التظاهر التي يجب أن تتم السيطرة عليها. لذلك، كان من المخجل قراءة تعليقات مثل: “يذهبون هناك للالتقاء بصبايا”، انتقادًا لبعض أساليب التظاهر.

وإذا ما اعتبرنا أن الاعتصام ضد التطبيع أمام محل في منطقة تجاريّة غنيّة حدّ أدنى للعمل السياسيّ، مع مسؤوليّة اقتران هذا النوع من الاعتصامات بعمل جذريّ توعويّ وتحشيديّ، فالالتحاق بالمظاهرات المتعدّدة أيضاً يستوجب قدرةً ماديّة لا تتوفّر للكل من مصاريف تنقّل، أو حضور الاجتماعات وغيرها.

أيضاً إذا ما انتقدنا الاعتصام في منطقة تجاريّة غنيّة لأنّه يهدف لتوعية طبقة “غير مهتمة” و”متحالفة مع النظام”، فالحل ربّما لا يكون بالاستناد على طوباويّة “الثورة الشعبيّة” أو طهرانيّة وتقديس الأحياء الشعبيّة من دون بذل جهد.

وبالنتيجة: لا يمكن حصر الحراك السياسيّ المعارض في الأردن بالسنوات الأخيرة. لذلك يمكن الحديث عن خبرات تراكميّة نوعيّة في مجالات متعدّدة: قانونيّاً ومجتمعيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً وإعلاميّاً. هذا النسيج الذي يصعب جمعه في مكان واحد يتوافر الآن، كناشطين ومشاركين في الحراكات السياسيّة ولم يتم استغلاله بعد في منظومة رفض تؤطّر المعاناة الشعبيّة.

هنا يظهر التساؤل حول خطاب الحراكات وعقليّتها السياسيّة. ما هو المطلوب منها فعلاً؟ إذا نظرنا حولنا، نجد أن حراكات مثل “6 أبريل”، و”كفاية” حقّقت انتصارات رمزيّة بكسرها لحواجز ممنوعة بالتظاهر ونزاع نظام مبارك على الأماكن العامّة. لكن هل ساهمت هذه الحراكات بالتحشيد لثورة 25 يناير؟ وإذا كان الجواب نعم، فهل حمتها ديناميكيّتها غير المستقرّة وغير الممأسسة، التي منعتها من التحوّل إلى تيّارات أو أحزاب، من الغرق في دوّامات العمل السياسيّ المشوّهة في مصر- كأحزاب المعارضة الشكليّة، أم أنّها كانت فقط جزءاً، ضروريّاً، من تطوّر حتميّ لغضب الشارع؟

على جميع الأحوال، لا يمكن تطبيق هذه الحتميّة، ولو نظريّاً، على الأردن. فبين خطاب المعارضة اليميني الذي يدّعي “حماية الدولة ومؤسّساتها”، وبين ارتهان أصغر القرارات السياسيّة للتحالفات الدوليّة، نتعامل مع شكل دولة هلاميّ لم ينتج عنها حتّى مؤسّسات تقترب من تأثير الحراكات المصريّة التي ذكرناها.

لذلك قد يبدو مفهوماً أن يتعامل الحراك الشبابي الأردني مع ذاته كجماعة مجهولة (Anonymous) تحميها من الاسترخاء والبدء بتحديد المسؤوليّات الداخليّة والمهام أو حتّى اعتماد ناطق رسميّ. هنا بالضّبط تظهر أهميّة الخطاب الذي ينتجه الحراك.

فإذا سلّمنا بأنّه ليس مطلوباً من الحراك الآن إطلاق أذرع إعلاميّة مثلاً- ربّما لأن الوقت قد فات على التجذّر في المجتمع الذي يواجه صراعات طبقيّة عنيفة بدوره- تنحصر بالتالي صناعة خطاب الحراك الموجّهة للشارع في الصفحة الرسميّة على الفيسبوك، وتويتر. مراجعة سريعة لنبرة المنشورات على المنصّتين تكشف عن نبرة تتعمّد التحشيد، لكنها في الوقت نفسه تلمّح إلى ما يمكن أن نسمّيه: “وهم الشّارع المتحفّز” الذي يحمل صوتاً واحداً ويعاني همّاً واحداً. وهذا، بالضبط، ما ينعكس أثناء المظاهرات والتحرّكات في الشّارع. إذ أن حدّة النبرة الناقدة لا تجلب بالضرورة متعاطفين، بل تسبب الأسوأ: فاعتماد خطاب شعبويّ ينظر إلى الجماهير ككتلة واحدة يشجّع على الاسترخاء مع سهولة المهمّة كما يحصل مع تصاميم “مع” المتعاطفة مع الحراك، والتي انتشرت مؤخّراً مع العدوان على غزّة بالاعتماد على توليفة من الخطاب الحاد والرومانسي. ما ينتجه هذا الخطاب في النهاية هو الناشط الشعبويّ المغرم بفكرته عن ذاته الشعبيّة.

لكي نكون عادلين، يخضع العالم اليوم لتحالفات معقّدة تعتبر بؤس عامل في طريقه بالمواصلات العامّة من منزله في الزرقاء إلى عمله في وادي السير جزءًا من المشكلة. التكنولوجيا تقدّمت إلى درجة نشعر معها أن الوقت عبءٌ علينا: نعلم أن المناخ سيقتلنا، وأن الفيروسات ستتطوّر وتقتلنا، وأن النفط سينضب، وأن المئات سيقتلون سنويّاً تحت قوارب الهجرة إلى أوروبا، وأنّه لن يحدث تغيير حقيقي في البنى السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في الأردن إلا بتحرير فلسطين. نعلم ذلك ولا نستطيع تقديم الوقت الثقيل لندفع ديوننا.

لذلك، عندما يصدر النائب عسّاف الشوبكي بياناً ممّا قال فيه، مخاطباً رئيس الوزراء عبد الله النشور، أنّه “لو قصفت عمّان لن تستطيع طرد السفير الإسرائيلي”، نعرف أنه محقّ، وبأنّه ليس ثمّة جدال في أن المعتصمين في ساحة مسجد الكالوتي مفرطون في التفاؤل. لكن هل الحل في الانجرار وراء دبلوماسيّة بيروقراطيّة نعرف جيّداً أنّها خاوية؟ بالتأكيد لا. فرغم أنّه من المؤسف أنّنا نتحدّث الآن عن فعاليّة إضاءة الشّموع كعمل مقاوم يستدعي إزعاج كتيبة درك، إلا أن المؤسف بالفعل هو احتمال أنّنا نقوم بالأدوار المطلوبة منّا في انتظار قصف عمّان. أليس هذا الاحتمال، بحد ذاته، كفيلًا بأن يدفعنا للاستمرار بالمعارضة، ولو بصورة مشوّهة؟