مريم الخواجة، الناشطة المزعجة

الأحد 07 أيلول 2014

بقلم سامية الرزوقي، ترجمة دعاء علي

(نشر هذا المقال بالإنجليزية على مجلة فورين بوليسي في 4 أيلول).

مريم الخواجة“إنهم يكررون أنني لست مواطنة”. هكذا غرّدت مريم الخواجة المدافعة عن حقوق الإنسان (وإحدى مفكري فورين بوليسي) صباح يوم 30 آب. قبل ذلك ببضعة ساعات، كانت قد خرجت من طائرة حطّت في بلدها، البحرين، حيث كانت تأمل أن تزور أباها المريض، عبد الهادي الخواجة، الذي يقضي حكمًا بالحبس مدى الحياة في سجن بحريني، بناءً على تهم ملفقة بالإرهاب. تهمته الفعلية كانت تنظيم مظاهرات سلمية في انتفاضة البحرين ضد الحكومة خلال الربيع العربي. في الخامس والعشرين من آب، أضرب الخواجة عن الطعام “احتجاجًا على استمرار اعتقاله التعسفي” في البحرين، وهو إضرابه الثاني منذ أن بدأت فترة حبسه في 22 حزيران 2011. كل ذلك يفسّر لمَ كانت السلطات البحرينية تنتظر مريم لحظة وصولها، ليتم اعتقالها فورًا. (ومريم الخواجة بلا شك مواطنة بحرينية تحمل، كوالدها، جواز سفر دنماركي).

قبل أيام من محاولة مريم دخول البحرين، اعتقلت أختها زينب المقيمة في البحرين، ووُجّهت إليها تهمة “دخول منطقة مغلقة” بعد أن طالبت بالسماح لها بزيارة والدها. هذه الحالة تقدم صورة عن الواقع القاتم الذي تعيشه عائلة الخواجة بشكل يومي لمطالبتها بالكرامة والعدالة في البحرين.

بعد أن غرّدت مريم خبر اعتقالها، ظلّت ظروف ومكان تواجدها مجهولة لعائلتها ومحاميها وأصدقائها لإثنتي عشرة ساعة. كانت القنصلية الدنماركية في البحرين هي من أبلغت العائلة أخيرًا بأن مريم أُخذت للمدعي العام لتواجه تهمًا غير معروفة. حالما عقدت جلسة الاستماع هناك، أُبلغت مريم، التي مُنعت من الاتصال بمحاميها، بأنها تواجه ثلاث تهم: إهانة الملك، والمشاركة في حملة “مطلوب للعدالة في البحرين” التي نظّمها مركز البحرين لحقوق الإنسان، والاعتداء على شرطية. كانت هذه التهمة الأخيرة هي التي دفعت المدعي العام لتوقيفها لسبعة أيام في مركز اعتقال النساء في مدينة عيسى على ذمة “التحقيق”. (فعليًا، هاجم أربعة رجال شرطة بحرينيون مريم في محاولة للاستيلاء على هاتفها). حُرمت مريم من أي اتصال بمحاميها خلال الأيام السبعة كاملة، وهو ما وصفته الوكالة الدولية لحقوق الإنسان بأنه “انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان”.

بعد ثلاث سنوات على انطلاق ثورة 14 شباط في البحرين، ما تزال سجون البلد تطفح بآلاف السجناء السياسيين.

بعد ثلاث سنوات على انطلاق ثورة 14 شباط في البحرين، ما تزال سجون البلد تطفح بآلاف السجناء السياسيين، الذين انضمت إليهم الآن مريم الخواجة. في لقاءاتها العلنية، كثيرًا ما وصفت مريم ثورة البحرين بأنها “الثورة المزعجة” – في إشارة إلى القوى العديدة التي تقف إلى جانب النظام البحريني، ومن بينها الولايات المتحدة. بالمنطق نفسه، يبدو عمل مريم ونشاطها الدؤوب -الذي يشمل بين أشياء كثيرة المقال الذي كتبته وإياها في الفورين بوليسي منذ مدة- مزعجًا لكثير من الأنظمة. بكونها مدافعة مخلصة عن حقوق الإنسان ومتضامنة مع نضالات أخرى نحو العدالة والكرامة وتقرير المصير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من الصحراء الغربية وحتى سوريا، جعلت مريم نفسها عقبة أمام العديد من الأنظمة. نتيجة لذلك، مُنعت من السفر لدول أخرى في الخليح العربي، ومؤخرًا مُنعت كذلك من دخول مصر.

المرة الأخيرة التي حاولت فيها مريم العودة للبحرين من منفاها الاختياري في الدنمارك كانت في آب 2013. بعد أن حجزت تذكرتها ومرّت بإجراءات تسجيل الدخول إلكترونيًا، وصلت إلى مطار كوبنهاغن ليتم إعلامها عند شباك الخطوط الجوية البريطانية بأنها ممنوعة من الصعود إلى الطائرة بطلب من الحكومة البحرينية. في كانون الثاني من العام نفسه، كانت مريم قد استطاعت زيارة البحرين لعشرة أيام دون مضايقات تذكر من السلطات.

خلال الواحد والعشرين شهرًا الماضين، انتقلت مريم من المنفى الاختياري إلى الاعتقال في نفس السجون التي تحوي العديد من السجناء الذين دافعت عنهم في الخارج. هذا الانتقال مؤشر على أن انقضاض الحكومة البحرينية على أنصار احتجاجات 2011 يشتدّ. خلال تلك الفترة نفسها، أدخل النظام عددًا من الإجراءات التي تسعى لإقصاء نقّاده أكثر فأكثر. فإلى جانب تكتيكاته المعتادة في قمع المظاهرات بعنف، التي انتقدتها بشدة عدة منظمات دولية لحقوق الإنسان، حاول النظام البحريني تثبيت إطار قانوني يبرر قمعه المستمر.

في تموز الماضي، أدخل النظام البحريني تعديلات جديدة على قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2006، الضبابي والمثير للجدل أصلاً. هذه التعديلات تمنح وزارة الداخلية، إلى جانب الملك، سلطة أكبر في اتخاذ قرارت بسحب الجنسية من كل من تراه الحكومة “إرهابيًا”- المصطلح الذي ترك بشكل مقصود دون تعريف لتسهيل استخدامه ضد المعارضة. هذا التعديل أُيّد بمرسوم ملكي يؤكد مرة أخرى التدخل الملكي المباشر في الشؤون القانوني للمملكة. قرار الملك يتناقض بوضوح مع المادة 32 من الدستور البحريني، التي تؤكد على فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. كل من مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومؤسسة هيومان رايتس ووتش أصدرا بيانات تشجب هذه التعديلات التي دخلت حيز التنفيذ واستخدمت بالفعل ضد عدد من البحرينيين، تاركة إياهم بلا جنسية.

ما يجعل مريم مزعجة إلى هذا الحد هو أنها مستعدة للدفاع عن صراعات الآخرين كما تدافع عن صراعها الخاص.

التشدد البحريني المتزايد اتخذ شكلًا مفاجئًا في تموز، حين قرر النظام طرد مساعد وزير الخارجية الأمريكي توم مالينوفسكي. على ما يبدو، كان المسؤولون البحرينيون مستائين من استعداد مالينوفسكي للقاء قادة المعارضة خلال زيارته للبلد. الولايات المتحدة هي أحد أهم حلفاء البحرين، وعادة ما يتجنب المسؤولون في واشنطن انتقاد حكومة المنامة، على اعتبار أن البحرين هي مقرّ الأسطول الخامس لسلاح البحرية الأمريكي. لكن كل ذلك لا يهم حكومة البحرين كثيرًا هذه الأيام – ربما لأن الولايات المتحدة استمرت في تزويدها بأسلحة قيمتها مليارات الدولارات على جميع الأحوال.

في هذه الأثناء، تستمر الحكومة البحرينية في إساءة معاملة السجناء، الأمر الذي تثبته سلسلة متواصلة من الحالات التي نشرها موقع مركز البحرين لحقوق الإنسان. بعضها يظهر تفشي انتهاكات حقوق البحرينين؛ الانتهاكات التي شملت أحكامًا بالسجن مدى الحياة بحق طفلين، وعدم توفير معالجة طبية مناسبة لمعتقل كفيف. استخدم النظام البحريني كذلك تكتيكات سرية لإخافة وإسكات المعارضين، كما حدث مع عشرات النشطاء والمحامين البحرينيين الذين استُهدفوا ببرامج تجسس قدّمتها شركات في بريطانيا وألمانيا.

حين سافرت مع مريم الخواجة إلى بلدي المغرب في شباط 2013 -مع اقتراب الذكرى السنوية الثانية لحركة 20 شباط المطالبة بالديمقراطية في المغرب- قوبلنا بجلسة استجواب طويلة عند شباك الجمارك في المطار، ثم لاحقنا عناصر أمن طيلة فترة زيارتنا. ما يجعل مريم مزعجة إلى هذا الحد هو أنها مستعدة للدفاع عن صراعات الآخرين كما تدافع عن صراعها الخاص. وكما وقفت إلى جانب العديدين، علينا اليوم الوقوف إلى جانبها.