ثورة الطاقة المتجددة: هل يستغل الأردن الفرصة؟

الخميس 25 أيلول 2014

بقلم بشار حمّيض*

تتوارد الأخبار في الأردن عن اتفاقيات لتوريد غاز من دولة الاحتلال الإسرائيلي، ومشاريع لاستيراد الغاز المسال عن طريق ميناء العقبة، وإنشاء مفاعل نووي في منطقة خطرة أمنيًا وبيئيًا. يحدث هذا بينما  تخترق الطاقة المتجددة حاجزًا جديدًا تلو الآخر، فأضحت خلال الأعوام القليلة الفائتة مصدر طاقة رئيسيًا لا يمكن تجاهله. فحسب تقرير صدر في شهر يونيو لـ”شبكة سياسات الطاقة المتجددة للقرن الواحد والعشرين”، شهد العام 2013 ارتفاع مشاركة الطاقة المتجددة بحيث أصبحت تغطي 19% من استهلاك الطاقة المستخدمة في المواصلات والكهرباء والصناعة وغيرها على مستوى العالم.

ويتسارع نمو قطاع الطاقة المتجددة سنة تلو أخرى دون توقف منذ مطلع الألفية الجديدة. فحينما شهدت السنوات الأولى من الألفية ارتفاعًا متزايدًا في أسعار النفط حتى بلغ سعره أكثر من 147 دولار أمريكي للبرميل عام 2008، ارتفع حينها العائد على الاستثمار في الطاقة المتجددة وجعلها أكثر تنافسية، نظرًا لارتفاع أسعار الطاقة التقليدية. ورغم حدوث الأزمة المالية العالمية في العام 2008 نفسه وانخفاض سعر النفط عالميًا واستقراره حاليًا على مستوى قريب من المئة دولار أمريكي، إلا أن الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة لم يتباطئ، بل استمر في الصعود سنة تلو أخرى. ففي عام 2004 كان مجموع قدرات الطاقة المتجددة عالميًا حوالي 800 جيجا واط، أما اليوم فقد وصلت هذه القدرة إلى 1560 جيجا واط. وبعد أن كانت هناك 15 دولة فقط في العالم تتبنى سياسات داعمة للطاقة المتجددة في العام 2005 أصبح اليوم لدينا 95 دولة وذلك بزيادة ستة أضعاف. ولحسن الحظ فقد انضم الأردن إلى ركب الدول التي تتبنى سياسة داعمة للطاقة المتجددة من خلال إقرار قانون يتيح للمستهلكين تزويد الشبكة العامة بإنتاجهم من الطاقة المتجددة مقابل سعر تشجيعي وهو ما يعرف بـ Feed In Tarrif.

لماذا انتشرت الطاقة المتجددة بهذه السرعة مؤخرا؟

بفضل إقرار الدولة لهذا القانون، تأسست في الآونة الأخيرة في الأردن العشرات من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تنشط في استيراد وتركيب وحتى تصنيع أنظمة الطاقة المتجددة. لكن السبب الأساسي وراء الانتشار الواسع للطاقة المتجددة في العامين الأخيرين هو أن تقنيات الطاقة المتجددة أصبحت أقل كلفة وأكثر كفاءة من ذي قبل، ففي مطلع الألفية كانت تكلفة إنتاج الواط الواحد من الطاقة عن طريق الخلايا الكهروضوئية (PV) حوالي خمسة دولارات أمريكية، فيما تبلغ اليوم أقل من دولار واحد فقط، ويتوقع لها أن تصل إلى حوالي ربع دولار بحلول عام 2020 بحسب بحث أجراه بنك سيتي بانك ووكالة بلومبرغ. الأمر نفسه ينطبق على إنتاج الطاقة عن طريق المراوح الهوائية، التي أصبحت الصين والهند من أهم منتجيها في العالم، مما ساهم في انخفاض كلفتها. كل هذا ساهم ولا يزال في جعل الطاقة المتجددة عنصرًا لا يمكن تجاهله، بل أكثر من ذلك عنصرًا أساسيًا محددًا لشكل الحياة الفردية والاجتماعية والسياسة المحلية والدولية في المستقبل المنظور، وهو ما كتب عنه الخبير الاقتصادي جيريمي ريفكن في كتابه “الثورة الصناعية الثالثة” الصادر عام 2011 والذي يتحدث فيه عن ثورة قائمة حاليًا عمادها الإنترنت والطاقة المتجددة.

إن العقلانية تحتم الاستعداد لما هو آت والاستثمار في طاقة المستقبل التي لن تكون بحال من الأحوال الطاقة النفطية الآيلة للنضوب.

ولم يقتصر تبني دول العالم لسياسات داعمة لقطاع الطاقة المتجددة على الدول المستوردة للنفط، والتي ربما يرى المرء للوهلة الأولى مصلحة مباشرة لها في دعم الطاقة المتجددة رغبة منها للتخلص من استيراد النفط، بل امتدت دائرة الدول التي تدعم الطاقة المتجددة لتشمل دولاً منتجة للنفط، وربما تكون الإمارات العربية المتحدة من أبرزها. ففي مارس 2013 اصبحت الإمارات أحدى أهم الدول المنتجة للطاقة المتجددة عن طريق تقنية الطاقة الشمسية المركزة (CSP) بعد أن بدأت محطة “شمس” في إمارة أبوظبي بإنتاج الطاقة بقدرة 100 ميجاواط.

إن العقلانية تحتم الاستعداد لما هو آت والاستثمار في طاقة المستقبل التي لن تكون بحال من الأحوال الطاقة النفطية الآيلة للنضوب، أيضًا لن تكون طاقة المستقبل هي الطاقة النووية التي تراجع الاستثمار فيها بشكل واضح في الآونة الأخيرة، نظرًا لمخاطرها الجسيمة. لذلك نرى أن العام 2013 شهد استحواذ مصادر الطاقة المتجددة على أكثر من 56% من صافي قدرات الطاقة المضافة عالميًا. وكان ذلك واضحًا على وجه الخصوص في دول الاتحاد الأوروبي، حيث شهد العام 2013 حصول الطاقة المتجددة على حصة 72% من إجمالي قدرات الطاقة المضافة.  لذا فإن الاستثمار لدعم الطاقة المتجددة هو أمر منطقي جدًا من الناحية الاقتصادية.

الآثار المباشرة على المجتمع الأردني

يمتلك الأردن  مساحات هائلة تحصل على إشعاع شمسي ضخم، وهو أمر لا يتوفر في كثير من دول العالم. فرغم أن دول الخليج لديها أشعاع شمسي في عدد أيام أكثر من الأردن، إلا أن نوعية الإشعاع الشمسي في الأردن تمتاز بصفاء أعلى نظرًا لإنخفاض الرطوبة والغبار الناعم في الجو، مما يتيح للخلايا الشمسية العمل بكفاءة أعلى. من ناحية أخرى تحتاج مشكلة البطالة في الأردن لحل جذري ومستدام، ولا سبيل لذلك إلا  بتحقيق التنمية الشاملة في المدن والقرى والبادية. لقد أثبتت التجربة العملية في كثير من دول العالم أن الاعتماد على التقنيات الخضراء وفي مقدمتها الطاقة المتجددة هو الحل الأمثل لمشكلة البطالة. فعدد العاملين في قطاع الطاقة المتجددة خلال عام 2013 وصل إلى 6.5 مليون فرد في جميع أنحاء العالم. ولم يعد استخدام الطاقة المتجددة مؤثرًا على أفراد أو مجموعات صغيرة ومتناثرة هنا وهناك كما كان الحال في الألفية السابقة. فمنذ عام 2013 يعيش 20 مليون من سكان ألمانيا (أي حوالي ربع السكان) في مناطق تتمتع بإنتاج 100% من حاجتها إلى الطاقة عن طريق مصادر الطاقة المتجددة.

إن كلفة التنمية في الأردن لا تزال مرتفعة، حيث كان على الدولة أن تشق الطرق وتمد شبكات الكهرباء والهاتف والمياه لإيصال الطاقة الكهربائية إلى كل منزل في المدينة والأنحاء النائية من البادية والأرياف. لكن بفضل الطاقة المتجددة التي يمكن إنتاجها على مستوى المنزل والقرية انخفضت أهمية الشبكات الضخمة المكلفة والتي يضيع جزء كبير من الطاقة فيها بسبب بعد المسافات وتعرضها للسرقة والخراب.

توفر المياه والطاقة بكلفة قليلة نسبيًا هو ما يحقق التنمية الشاملة المطلوبة. وعندما يتوفر هذان العنصران يصبح بالإمكان إقامة مشاريع زراعية وصناعية في المناطق التي تعاني من التهميش.

وبحسب “شبكة سياسات الطاقة المتجددة للقرن الواحد والعشرين”، فقد شهد العام 2013 صعودًا واضحًا لمشاريع الطاقة الشمسية على مستوى صغير ومتوسط وذلك بسبب انخفاض كلفة الخلايا الكهروضوئية. لذا فإنه من المتوقع في المستقبل القريب أن يتزايد إنتاج الطاقة المتجددة بشكل غير مركزي، مما يتيح أيضًا الفرصة لإقامة مشروعات محلية لضخ المياه ومعالجتها بشكل غير مركزي وباستخدام الطاقة المتجددة، وهي كلها قضايا مركزية لتحقيق تنمية واستقرار أمني وسياسي في الأردن. فتوفر المياه والطاقة بكلفة قليلة نسبيًا هو ما يحقق التنمية الشاملة المطلوبة. وعندما يتوفر هذان العنصران يصبح بالإمكان إقامة مشاريع زراعية وصناعية في المناطق التي تعاني من التهميش، وهي ليست قليلة في الأردن، حيث أصبحت بؤرًا للتطرف السياسي والديني بسبب انتشار البطالة بشكل متزايد. كل هذا يحتم علينا جعل الاعتماد على الطاقة المتجددة  وانتاجها بشكل غير مركزي داعم للمناطق المهمشة هدفًا استراتيجيًا وأمنيًا من الدرجة الأولى.

نماذج عربية واعدة

إذا ما قرر الأردن أن يخطو بخطى واثقة أكثر نحو الطاقة المتجددة فإنه لن يكون وحده على المستوى العربي. فدول المغرب العربي قطعت أشواطًا طويلة في هذا المضمار. والمشروع الذي يجدر ذكرها هنا مشروع ديزرتك (DESERTEC) الذي يسعى القائمون عليه لربط شبكات الطاقة في شمال أفريقيا بشبكات الطاقة في أوروبا بهدف توليد الطاقة الشمسية من الصحراء الكبرى وتزويد أوروبا بحاجتها منها. وقد بدأت الملامح الأولى لهذا المشروع العملاق بالظهور على أرض الواقع مؤخرًا، حيث أعلن عن مشروع باسم (TuNur) لإنتاج 2 جيجا واط من الطاقة الشمسية في تونس سيتم تصديرها إلى أوروبا عبر أيطاليا وذلك بحلول عام 2018.  كذلك حصل اتفاق مؤخرًا بين كل من المغرب وإسبانيا وألمانيا وفرنسا وأيطاليا يتم بموجبه إنشاء محطة توليد طاقة شمسية بقيمة 600 مليون يورو يتم ربطها بشبكة الكهرباء الأوروبية. ويذكر أن أحد الأعضاء البارزين المؤسسين لمشروع ديزرتك هو سمو الأمير الحسن بن طلال من خلال المركز الوطني لبحوث الطاقة.

إن هناك حاجة ملحة لاستراتيجية دولة متكاملة تسهل للقطاع الخاص والأفراد والبلديات والمدن الصغيرة الاستثمار بشكل أقوى في قطاع الطاقة الشمسية والتقنيات الخضراء. ولا سبيل آخر لدينا سوى التركيز على التنمية الصناعية والزراعية المحلية المعتمدة على الطاقة المتجددة وربط ذلك بتحقيق تنمية شاملة على مستوى البادية والقرى والمدن لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية الجسيمة التي تواجه المنطقة.

* بشار حمّيض هو باحث في مجال التقنيات الخضراء وآثارها الاجتماعية-السياسية من جامعة زوريخ، ومؤسس ومدير مؤسسة ميزان للتنمية المستدامة، الأردن.