جليسات المنازل: فتيات في حبس العائلة

الإثنين 27 تشرين الأول 2014
homebound-girls-in-jordan

أمي وإخواني ما بدهم المدرسة. حكولي في شباب كثير حوالي المدرسة وما بدنا تروحي. كنت حابة أضلني وحاولت معهم أكثر من مرة، بس ما رضيوا.
إخلاص، المفرق، 16 عامًا.

إخلاص، هي واحدة من طفلات عديدات في الأردن يتركن المدارس برضاهن أو رغمًا عنهن، دون أن يحلّ مكان دراستهن أي أنشطة أخرى، ليصبحن إلى حد بعيد حبيسات في البيوت التي من المفترض أن تكون منصاتهن للانطلاق إلى العالم.

هؤلاء الفتيات هنّ «جليسات المنازل». وكما توحي التسمية، فإن عالمهن بعد الانسحاب من المدارس بقرار منهن أو من أهاليهن يصبح محصورًا إلى حد بعيد بما يمكن أن يدخل إلى المنزل الذي يلزمنه.

خلال العام الماضي، أجرى مركز المعلومات والبحوث التابع لمؤسسة الملك حسين (بالتعاون مع مؤسسة إنقاذ الطفل الدولية وبدعم من وزارة العمل الأمريكية) واحدة من الدراسات القليلة حول طبيعة حياة هؤلاء الفتيات وأسباب خروجهن من المدرسة ونتائج ذلك على نموهن وفرصهن المستقبلية. ورغم أن الدراسة النوعية لم تتوصل إلى نتائج يمكن تعميمها على جميع الفتيات في ظروف مشابهة، كونها اعتمدت عينة صغيرة نسبيًا، إلا أن نتائجها تشير بوضوح إلى أن هؤلاء الفتيات «قلة مجتمعية لا تحظى تتمتع بالحماية الكافية».

العينة شملت 46 طفلة انسحبت من المدرسة و40 والدة، أجرت معهن باحثات المركز مقابلات معمقة و/أو جمعتهن في مجموعات مركزة. وتوزعت هذه العينة من الفتيات بين المفرق، ومعان، وقرية أبو صياح في ماركا، ومعان، ومخيم حطين في الزرقاء. وبحسب الباحثة الأساسية في الدراسة هديل العمايرة، فقد واجهت الباحثات صعوبة في تحصيل موافقات من الأهالي للقاء الفتيات، وفي العديد من الحالات كانوا يشترطون مرافقة بناتهن في المقابلات التي أجريت داخل المنازل في الغالب، بسبب منع الفتيات من مغادرتها.

من يقرر؟

بحسب مديرة المركز، د. عايدة السعيد، لم تأتِ نتائج الدراسة موافقةً لتوقعات الباحثات عند بدء العمل. إذ كان الإطار المفترض للدراسة هو عمالة الأطفال، على اعتبار أن السبب الأساسي لانسحاب الفتيات من المدرسة هو تكليفهن بالأعمال المنزلية. لكن نتائج الدراسة أظهرت أنه من بين الفتيات الستة والأربعين، تقضي اثنتان فقط ما يصل إلى 7 ساعات يوميًا في العمل المنزلي، بينما ذكرت 44 فتاة أنها تقضي ما بين نصف الساعة إلى 4 ساعات يوميًا بالقيام بالأعمال المنزلية، معظمهن يقضين أقل من ساعتين، بحسب العمايرة.

هذه النتيجة تفضي إلى السؤال: لماذا إذن تنسحب هؤلاء الفتيات من المدارس؟ ومن الذي يتخذ القرار بذلك؟ تفرق الدراسة بين مجموعتين من الأسباب: أسباب الفتيات حين يقررن الانسحاب بمفردهن، وأسباب الأهالي حين يقررون سحب فتياتهن.

في الحالة الأولى، بدت أسباب الفتيات إلى حد كبير انعكاسًا إما لحالة اقتصادية اجتماعية تعيشها عائلاتهن، أو لرغبة مباشرة لأهاليهن، على الرغم من تبنيهن لقرار الانسحاب. إذ كانت رغبة الفتيات بمساعدة الأمهات في المنزل، وتحفيز الوالدين لهنّ على ترك المدرسة على رأس القائمة. أسباب أخرى مثل الشعور بالملل في المدرسة أو كونها بعيدة عن البيت ظهرت أيضًا ضمن الإجابات. إحدى الفتيات قالت أنها تشعر بالخجل الشديد من المشي في الشارع المؤدي إلى المدرسة، «لأنه مليء بالشباب».

في المقابل، كانت الأسباب التي دفعت الأهالي لسحب بناتهن من المدارس (كما جاءت على لسان الأمهات التي أجريت معهن المقابلات) أكثر مباشرة ووضوحًا.

صعوبة تأمين المواصلات كانت من أكثر الأسباب تكررًا. ففي جميع المناطق التي استهدفتها الدراسة، كانت المدارس الابتدائية والثانوية منفصلة في مباني مختلفة. وفي معظم الحالات، تكون المدرسة الابتدائية قريبة من المنازل بحيث يمكن الوصول إليها مشيًا على الأقدام. أما المدرسة الثانوية فهي أبعد وتتطلب استخدام وسيلة مواصلات، وهو ما وجده العديد من الأهالي مكلفًا، بالإضافة إلى عدم ارتياحهم «تجاه قيام سائق ذكر غريب عن العائلة باصطحاب الفتاة إلى المدرسة».

والله أبوها قرر من ورا الظروف المادية، وما في مدرسة هان بالقرية فبدها باص بده 20 دينار. والله هي عيطت لما تعبت، بس أبوها قاعد ما في شغل.
أم رشا، ماركا، 48 عامًا.

العديد من الأمهات ذكرن أيضًا أن بناتهن «لم يكنّ يظهرن ذكاءً في المدرسة، ولم يحققن تحصيلًا أكاديميًا عاليًا، لذلك فلم يكن هناك أي دافع من إبقائهم في المدرسة» بحسب الدراسة. وفي بعض الحالات كانت الفتاة قد أصيبت بالمرض واضطرت إلى الغياب بضعة أيام أو أسابيع عن المدرسة، وفي هذه الأثناء، قرر الوالدان إبقائها في المنزل.

لكن السبب الأكثر تعسّفًا بين ما أورده الأهالي هو «المظاهر الجسمانية الأنثوية» لبناتهن، التي كانت من بين الأسباب الرئيسة لسحبهن من المدرسة. فقد ذكرت بعض الأمهات بأن الآباء قرروا سحب الفتاة من المدرسة لأنها «بدأت بالنمو وبدأ جسمها يتغير».

فضلًا عن ذلك، كان الآباء الأشد محافظة يسحبون بناتهن من المدارس أحيانًا لاعتبارهم أن «مشي الفتيات في الشارع في طريقهن إلى المدرسة غير لائق»، أو ببساطة «لأنهم يرغبون بذلك».

حبس منزلي

بعد أن طرحت ساعات الدوام المدرسي من روتينهن اليومي، ماذا تفعل جليسات المنازل بأيامهن؟ وما نتيجة انسحابهن على فرصهن المستقبلية؟

لعل الأثر المباشر للانسحاب من المدرسة هو الانتقال إلى ما يشبه الحبس المنزلي. فقد أظهرت مقابلات الدراسة أن «كل الفتيات – من دون استثناء – يملكن حرية محدودة إلى محدودة جدًا في التنقل خارج المنزل». وتنحصر الأماكن التي يسمح لهن بالذهاب إليها في سوبر ماركت قريب، أو السوق، أو منازل الأقارب، أو الجيران أو الأخوة المتزوجين. ويكون ذلك مسموحًا فقط برفقة الأم، أو الأب أو أخ أكبر سنًا.

وبحسب الدراسة، فإن الفتاة في الغالبية الكبرى من الحالات «تتوقف عن مغادرة المنزل لوحدها عند عمر الثانية عشر، وهو الوقت الذي تبلغ فيه الفتاة وتبدأ بالتحول إلى إمرأة بالغة».

ما بنخليهن يروحن لإنه البنات مثل القزاز إذا بنكسر ما ينجبر. في عنا دكانة قريبة لوحدة من جماعتنا -بنت بتبيع- بروحن عليها، أما الدكانة البعيدة ما يروحن. أما احنا الختياريات ما علينا مانع والبنات الصغار يروحن على دكاكين الرجال، البنات الكبار لأ. يعني لما بصيرعمرها 14 سنة ممنوع تروح عالدكانة اللي بيها رجال.
أم مسيرة، معان، 50 عامًا.

بطبيعة الحال، فإن فرص هذه الفتيات في الحياة المهنية والاستقلال المادي تتقلص بشكل كبير بعد انسحابهن من التعليم الثانوي. إلا أن آثارًا نفسية أخرى تلحق ذلك، فيما يتعلق بتصور الفتيات لقدراتهن وإمكانياتهن، وفهمهن للعالم وتواصلهن معه. تتحدث جليسات المنازل عن طموحاتهن بالحياة المهنية أو إكمال التعليم بصيغة الماضي، كما يصفن رغبات بسيطة مثل «الذهاب إلى مدينة الملاهي، أو شراء جلباب» وكأنها بعيدة المنال.

مبارح كنت أحكي لأمي نفسي أروح على ماركا وأشوف الضواو والناس كيف عايشين.
مريم، ماركا، 17 عامًا.

داخل المنزل، انعكست علاقات الهيمنة التي أدت إلى ترك المدرسة على العلاقات الفتيات بعائلاتهن. فقد أشارت أغلبهن أنهن أقرب إلى الأمهات والأخوات من الآباء والأخوة الذكور. ووُصِف الأخوة الذكور الأكبر سنًا في معظم الحالات على أنهم «منفصلون، أو منشغلون بحياتهم الخاصة، أو يمثلون سلطة تحكم». أما الأخوة الذكور الأصغر سنًا، فكانوا «مصدرًا للإزعاج، كونهم غالبًا ما يجعلون المنزل في حالة فوضى، مما يعني أن الفتيات عليهن عبء الترتيب والتنظيف من ورائهم». أما الآباء، فقالت غالبية الفتيات إنهن منفصلات وبعيدات عنهم، وأن درجة العلاقة «لا تتعدى مشاهدة التلفاز معًا».

لما قلت لبابا نفسي أطلع على المسرح بيقولي «بالأحلام» .. ما في أمل، مستقبلنا ما فيه إشي.
ريما، ماركا، 15 عامًا.

بالمحصلة، فإن حدود تنقل الفتيات جليسات المنازل وتفاعلهن الاجتماعي لا تتعدى جدران منازلهن، «مما يعني أن الأفراد الذين يحتمل أن يسببوا لهن مشكلة هم ذاتهم الذين يستطعن اللجوء لهم في حال احتجن للمساعدة».

فجوة قانونية

قانونيًا، تقع معظم هذه الفتيات في فجوة تشريعية فيما يخص حقوقهن في التعليم والنماء. فبينما حقق الأردن تقدمًا في المساواة بين الجنسين في التعليم الابتدائي الإلزامي، إذ كان 97% من الأطفال ملتحقين في التعليم الابتدائي في المدارس في عام 2011، إلا أن التعليم الثانوي لا يزال غير إلزامي.

ورغم أن نسبة تسرب الأطفال من المدارس أعلى من نسبة تسرب الطفلات، إلا أن الإشكالية الخاصة التي تواجهها الطفلات المنسحبات من المدرسة تكمن في عدم انطباق تعريف عمالة الأطفال في حالاتهن. فهنّ إما يقضين أوقات فراغ طويلة خالية من أية أعمال، أو يمارسن أعمالًا منزلية غير مدفوعة الأجر مستثناة من النشاط الاقتصادي، مما يعني أن عملهنّ «لا يقع بالضرورة في خانة الاستغلال الاقتصادي، ونتيجة لذلك، فإن الفتيات جليسات المنازل لا يحصلن على حماية بموجب التشريعات الأردنية، على الرغم من أنهن عرضة للاستغلال بشكل كبير»، بحسب الدراسة.

كما أن قانون العمل يحظر توظيف الأحداث تحت سن السادسة عشر وينص على حد معين من الساعات اليومية المسموح لهم العمل فيها، ولكن هذه المحددات تنطبق فقط على العمل «المنتج» الذي يحصل خارج المنزل.

قد لا تكون أوضاع الفتيات جليسات المنازل بالخطورة المباشرة والآنية التي تواجه الأطفال العاملين خارج المنازل، لكن تأثير انعزالهن على تكوينهن النفسي وفرصهن في النماء وتحقيق الذات لا يقل سوءًا على المدى البعيد.