ماذا بعد نقل سوق العبدلي؟

الأربعاء 26 تشرين الثاني 2014
abdali market

بقلم ريتشارد كَزنز، ترجمة دعاء علي

في أوائل تشرين الأول 2014، بلغ التوتر حول مصير سوق الجمعة في حي العبدلي بعمان ذروته. رفض بعض باعة السوق تفكيك بسطاتهم في العاشر من الشهر الماضي، الليلة الأخيرة للسوق في موقعه المعهود. حضرت قوات الدرك وفرّقت المحتجين وبسطاتهم بالجرافات والغاز المسيل للدموع. في الليلة التالية، امتدت المواجهات لحي الطفايلة، لتسفر عن اعتقال 28 شخصًا، معظمهم ما زالوا معتقلين، بل وجّهت إليهم تهم تتعلق بالإرهاب أمام محكمة أمن الدولة.

أثارت هذه الأحداث مجددًا الجدل الدائر حول سوق العبدلي، الذي كان قد ظهر منذ أن أعلنت أمانة عمان خطتها النهائية لنقل السوق إلى موقع بديل في آب الماضي. التصريحات الصحفية للأمانة أثنت على ميزات الموقع الجديد وتحدثت عن خطط جديدة لموقع العبدلي. لكن أصحاب البسطات والعاملون في السوق رفضوا القرار «شكلًا ومضمونًا»، منظمين اعتصامات ورافعين يافطات تقول أن النقل سيكون «قطعًا لأرزاق آلاف العمال».

تركزت التغطية الإعلامية في النقاش حول الميزات النسبية لكل من الموقعين، إضافة إلى الجدل حول هوية المتظاهرين ومصيرهم. أغفل هذا التركيز مشروع الأمانة الأوسع الذي يأتي النقل كجزء منه. فبحسب المسؤول في الأمانة، باسم الطراونة، ليس نقل السوق الشعبي من العبدلي سوى جزءًا واحدًا من الجهود لإنهاء أو تنظيم «البيع العشوائي» في المدينة. وبدورها، ليست هذه الجهود سوى جزءًا واحدًا من «خطة الأمانة الشاملة» لـ«إعادة تنظيم المدينة وتأهليها وترتيبها وتنظيفها».

لقد أبرز هذا الجدل حول اختلاف الرؤى حول مستقبل عمّان وأثار تساؤلات عميقة حول كيف تحدث التنمية فيها، ومن يتحكم بعملية صنع القرار.

Abdali market

القرار الحالي وتبعاته

بدأت جهود نقل العبدلي منذ أوساط آب 2014، بإعلان مدير دائرة الإزالة والبيع العشوائي في الأمانة، أحمد العبيني، عن اجتماع لكل الجهات المعنية لمناقشة «البسطات المقامة بمجمع العبدلي، وبحث البدائل المقترحة ومدى ملائمتها لإقامة السوق»، تحدث فيه عن حملة لإزالة البسطات من «مناطق مختلفة من عمان»، واصفًا البسطات العشوائية بـ«اعتداء على الأرصفة والشوارع».

في الشهر ذاته، عقدت عدة اجتماعات بين باعة السوق ومسؤولين مختلفين. أصرت الأمانة، في اجتماعات وتصريحات عامة خلال أيلول، على قرارها بنقل السوق، وأعلنت عن الموقع الجديد في رأس العين، وتحدثت عن خطط مستقبلية لموقع العبدلي. أعرب الباعة عن معارضة شديدة للنقل، مشتكيين من كون الموقع الجديد غير ملائم على الإطلاق، ومتنبئين بتداعيات سيئة على العائلات التي تعتمد في قوتها على السوق.

Abdali market 2

الجدل حول موقع السوق الجديد

في 24 آب، بعد أسبوع على إعلان قرار النقل، أعلنت الأمانة عن موقع السوق الجديد  في ساحة عند تقاطع المهاجرين في راس العين، مشددة على أن الموقع يملك «كافة عوامل النجاح». شملت الميزات المروَّجة للموقع الجديد سهولة الوصول إليه عبر طرق رئيسة، ووجود مواقف سيارات ومرافق ينقصها موقع العبدلي، كمركز صحي وحضور أمني.

Abdali 3

في مقابلات أجريت خلال أيلول، أعرب بائعو سوق العبدلي عن معارضتهم للموقع المقترح، ناظرين إليه بوصفه أقل مركزية ويصعب الوصول إليه مشيًا كما هي الحال في سوق العبدلي. لكن الأهم من ذلك هو أن الموقع الجديد صغير للغاية: بحسب مزاعم الباعة، يتسع موقع راس العين لقرابة 400 بسطة فقط، بينما يتسع موقع العبدلي لحوالي 1300.

مقارنة لحجمي سوق العبدلي وسوق راس العين عبر Google Earthصورة تظهر الفرق بين مساحتي سوقي العبدلي وراس العين
Google Earth V 7.1.2.2041. (June 17, 2013). Amman, Jordan. 31.953509º N, 35.917121º W, Eye alt 9293 feet. DigitalGlobe 2014, ORION-ME 2014. http://www.earth.google.com [October 30, 2014].

يقدر الباعة أن ما بين 3000 و4000 أسرة تعتمد في قوتها على بسطات العبدلي وحدها، وهو رقم لا يشمل أولئك الذين يعملون حول بسطات السوق، كالسائقين وبائعي الوجبات الخفيفة. بالنسبة للباعة، فإن قرار الأمانة بنقلهم لسوق أصغر هو خطوة أحادية لـ «قطع أرزاقهم».

abdali-market

اشترى بائعو الملابس في سوق العبدلي بضاعتهم بالدين من تجار الجملة الذين اشتروا بدورهم شحنات من سوق الملابس المستعملة العالمي. ولأن الشتاء هو أعلى الفصول ربحًا في العبدلي، يخشى الباعة أن يسجنوا بسبب ديونهم للتجار، في حال لم يحصلوا على مساحة مناسبة في الموقع الجديد (أو في حال لم ينجح الموقع الجديد أساسًا). حين سئل النائب عامر البشير عن احتمالية قطع قوت العديد من الناس بنقل سوق العبدلي، رد النائب بالتساؤل حول ما إذا بات أصحاب البسطات أثرياء بسبب عملهم في السوق. «هل يملكون بسطة أم مئة بسطة؟»، قال البشير مشددًا على أن البعض فقط هم من «أصحاب الحقوق الأصليين. ليس كل من يأتي إلى السوق لديه الحق في أن يكون هناك». باسم الطراونة، نائب مدير شؤون المناطق والبيئة في الأمانة، تجاهل مخاوف أصحاب البسطات بطريقة مشابهة، مشيرًا في المقابل إلى أن الكثير من عمال السوق سوريون ومصريون ممن «لا يحق لهم امتلاك بسطة في السوق الجديد»، وأن أي بائع يملك أكثر من بسطة لن يسمح له بالعمل في راس العين.

تطوير موقع العبدلي؟

في آب وأيلول الماضيين، بدأت الأمانة في الحديث عمّا خططت لفعله في الموقع الذي احتله السوق سابقًا. بحسب أصحاب أعمال مجاورة للسوق، فإن الحديث عن تطوير الموقع مستمر -دون تقدم-  منذ عام 2007، حين تم نقل مجمع باصات العبدلي.

abdali 4

التوظيفات المحتملة للموقع شملت -بحسب التصريحات الصحفية للأمانة- تحسين موقف السيارات الحالي، وإنشاء محطة للمواصلات العامة، وبناء مبنى جديد لمديرية العبدلي. لكن الأمانة، بحلول تشرين الأول، أقرت في تصريح صحفي  بأنه لم يكن هناك أي خطط بناء جديدة لموقع العبدلي، وأنه سيتحول إلى ساحة لاصطفاف سيارات المواطنين المتجهين إلى وسط البلد.

حين سألناه حول تفاصيل الخطط الموضوعة لموقع سوق العبدلي، قال باسم الطراونة، نائب مدير شؤون المناطق والبيئة في الأمانة، إن الأمانة لا تزال «تدرس خياراتها» بشأن الموقع، مؤكدًا أنه لا يوجد أية خطط محددة باستثناء تأهيل موقف السيارات. الطراونة أقر بأن سوق العبدلي ليس جزءًا من الخطة الواسعة لمشروع الباص السريع  الذي تأخر كثيرًا. حين سئل إذا ما سيمتد خط مكوك وسط البلد المستحدث مؤخرًا إلى موقع العبدلي للسماح للناس بركن سياراتهم هناك وركوب المكوك لوسط البلد، أجاب الطراونة ببساطة «إن شاء الله».

منذ تفريق الباعة المتظاهرين بالقوة من موقع العبدلي في 10 تشرين الأول، عملت الأمانة على إعادة رصف بعض أجزاء الموقع، وهدم عدد من البنى، وإعادة تبليط الأرصفة. على مرأى من السائقين المتجهين إلى وسط البلد، وضعت يافطة تقول «مشروع إعادة تأهيل ساحة مواقف العبدلي»، لتؤكد للمواطنين أن عليهم ألا يتوقعوا تحقيق الكثير بسرعة. تغيير الخطط، إلى جانب الإقرار بأن الموقع سيبقى موقف سيارات، يشير إلى أن الإعلان عن بناء مبنى جديد في العبدلي (بعد أسابيع من إعلان قرار نقل السوق) كان جزءًا من الجهود الساعية لتبرير القرار للعامة، لا سببًا في النقل ذاته.

نقاشات حول شرعية السوق وبائعيه

دار بعد آخر من هذا الجدل حول شرعية السوق نفسه. استمر حجم السوق في التوسع منذ الثمانينيات، خاصة بعد نقل محطة الباصات من الموقع عام 2007. الأمانة وصفت معظم مالكي البسطات علنًا بالوافدين ممن لا يملكون حق تملك مساحة في السوق، مشددة على أن فقط من يحملون الأوراق الثبوتية المناسبة سيحظون بحق التملك في السوق الجديد.

في السابق، كانت الأمانة تجبي رسومًا معينة من البائعين مقابل حق البيع في السوق، لكن ذلك الشرط ألغي عام 2011.  في اجتماع عام في مجلس النواب في أيلول الماضي، تجادل بائعون من سوق العبدلي وأعضاء من المجلس حول ما إذا كان ذلك الشرط السابق سببًا في شرعية السوق الحالي أم لا. النائب ورئيس لجنة الخدمات العامة والنقل، عامر البشير، أخبر البائعين أن عبء إثبات شرعية السوق يقع عليهم هم، وأن الأمانة لم تملك سوى قائمة بـ165 اسمًا لبائعين مسجلين وشرعيين في السوق. لكن الباعة قالوا في الاجتماع إن هذه القائمة غير محدثة منذ وقت طويل، وإن الأمانة جبت رسومًا من عدد أكبر بكثير من البائعين حتى 2011.

لماذا لم تتخذ الأمانة إجراءات إزالة السوق في مرحلة مبكرة أو على الأقل منذ تمدده بعد عام 2007؟ ألم تكن الأمانة، بإلغائها لرسوم البيع عام 2011، قد قدمت موافقتها الضمنية على وجود السوق؟ بحسب الطراونة، كان إلغاء الرسوم في 2011 مدفوعًا بحماية «مصالح وطنية عليا». حين طلبنا منه توضيحًا لهذه المصالح، تحدث الطراونة بإبهام عن «أيام الربيع العربي»، رافضًا منح أية تفاصيل.

الطراونة شكك من حيث المبدأ بشرعية معظم الباعة في سوق العبدلي، قائلًا إنه سيحرص على تطبيق شرطين جديدين على كل صاحب بسطة في السوق الجديد. أولًا، فقط المواطنون الأردنيون سيسمح لهم بالتسجيل لسوق راس العين. وثانيًا، لن يمنح أي صاحب بسطة أكثر من بسطة واحدة فقط في راس العين، لمنع ظاهرة احتكار أعداد من البسطات.

abdali 5

بالنسبة للأمانة، فإن تأجير البائعين لبسطاتهم هو نفي لمزاعمهم بشأن السوق، فتعريف السوق «الشعبي» يفيد بأنه بالضرورة ملجأ لذوي الدخل المحدود. ووفقًا لهذا المنطق، إذا كان لدى البائع موارد تكفيه لتشغيل أكثر من بسطة ويتلقى إيجارات من مشغليها، فإن ذلك يحرمه من حق البيع في «سوق الفقراء». من خلال نقاشات مع بعض البائعين قبل إغلاق السوق، كان واضحًا أن هناك مستويات اقتصادية مختلفة بين باعة السوق، من شباب يشغلون بسطة واحدة لمناوبة أو اثنتين فقط، إلى زعماء يمتلكون -أو على الأقل يسيطرون على- بسطات عديدة. هذا السلوك بامتلاك أكثر من بسطة هو استغلال وسيطرة شبيهة بسلوك المافيا، بحسب الأمانة وعدد من منتقدي السوق. أما بالنسبة للبائعين، فهم مجرد تجار يحاولون كسب رزقهم ومن الطبيعي أن يستطيع البعض تحمل تكاليف تشغيل عدة بسطات بينما لا يستطيع غيره.

إنهاء «البيع العشوائي» في عمّان

أكثر أسباب الأمانة ثباتًا في تفسيرها لنقل سوق العبدلي هو كون هذا القرار جزءًا من حملة أوسع مستمرة منذ 2013 لإنهاء انتشار البسطات والبيع العشوائي في المدينة.

في كانون الأول 2013، أعلن أمين عمّان عقل بلتاجي قرار إغلاق سوق العبدلي. بعد احتجاجات من طرفهم، قدم بلتاجي للبائعين «مهلة» لثلاثة شهور بشرط «التزامهم بالنظافة والسلامة العامة». بلتاجي أكد أن الأمانة «تبحث عن حلول بديلة لمشكلة البسطات والبيع العشوائي في مناطق عدة من العاصمة»، مهددًا بأنها «لن تتهاون في تطبيق القانون ومحاسبة المخالفين». هذه اللغة أشارت إلى أن المشكلة الأساسية بالنسبة للأمانة كانت البسطات نفسها، وليس وجودها موقع العبدلي بالتحديد.

في تشرين الأول، انتقد الطراونة التركيز الإعلامي على موضوع العبدلي، داعيًا العامة لاعتبار النقل مجرد جزء من «خطة شاملة» لتحسين عمان، ومعتبرًا أن «إنهاء البيع العشوائي» سيدعم توجهات الأمانة في تخفيف أزمة السير، وتجميل المدينة وتطويرها. بلغة مشابهة، دعا بيان صحفي أصدرته الأمانة في آب بائعي البسطات للتعاون في النقل من أجل «تطوير وتنظيم مدينة عمان بالشكل الذي يرضي الجميع».

بالنسبة للأمانة، فإن البيع العشوائي هو «اعتداء على الشوارع والأرصفة» وسبب رئيس في الأزمة المرورية للمركبات والمشاة. الطراونة عزا «الأزمة الخانقة» التي تحدث قرب العبدلي إلى وجود السوق، وشبّه قرار النقل بجهود أخرى تسعى لتقليل الأزمة (مثل إزالة الدوار السابع).

كباقي الجهود الساعية لـ«إعادة تنظيم المدينة وتنظيفها»، يقدم قرار نقل سوق العبدلي تلميحات معينة حول مظهر السوق، في ما يتعلق بتنظيمه ونظافته. بيانات الأمانة أشارت صراحةً إلى مظهر السوق على أنه مشكلة، وكذلك فعل بلتاجي حين دعا أصحاب البسطات إلى «تحمل مسؤولياتهم» من «أجل تنظيم المدينة وإظهارها بالمظهر الحضاري اللائق».

abdali 6

عدد من أصحاب البسطات علّقوا بعنف على هذا المنطق. حين قابلنا أحدهم في الأيام الأخيرة للسوق قبل نقله، شرح كيف أن الدعوة إلى مظهر أكثر «حضاريةً» يضع البائعين في مأزق لا يمكن الافتكاك منه: «اسمه سوق شعبي»، يقول مشيرًا إلى البسطات. «لا يمكنه إلا أن يبدو هكذا». أصحاب بسطات آخرون وصفوا السوق بـ«التاريخي»، وبأنه «معلم من معالم عمان»، مدافعين عن الشرعية الرسمية للسوق في محاججتهم لبقائهم في العبدلي.

أحد أصحاب البسطات، معرفًا نفسه بإبراهيم، اتهم أمين عمان بالتركيز على المظهر كسبب للتخلص من أصحاب البسطات:

في البداية، قال [بلتاجي] أنه يريد أن يجعل مظهر عمان «حضاريًا» و«تاريخيًا»، وكان يقصد مظهرنا نحن (..) يريدون وضعنا في مكان محاط بالأسوار حتى لا يرانا أحد. إنه يريد أن جلب الناس إلى عمان -الناس الذين هم من الخارج ولا يحبون أشكالنا. لا أعتقد أنهم سيضعون أي شيء هنا في مكاننا. هدف [بلتاجي] الأساسي هو التخلص من الناس الموجودين هنا.

في إشارة إلى الخطة التي أعلنت سابقًا من أجل بناء عمارة من عدة طوابق كسوق بديل قرب منطقة المحطة، أوضح الطراونة أن هدف الأمانة البعيد هو نقل جميع الأسواق الشعبية وبسطات الأرصفة والأكشاك العشوائية من أرجاء المدينة إلى هذا المبنى وحده. وبغض النظر عن إمكانية تحقق هذه الخطة واقعيًا من عدمها، فإنها تشير إلى رغبة في احتواء هذه الأسواق -بل ربما إخفائها- دون أي دراسة أو فهم لسبب وجودها في تلك الأماكن.

ما هو مستقبل السوق؟

بعد شهر على  إزالة الدرك لبسطات العبدلي بالقوة، لم يحضر أي بائعين لا إلى سوق العبدلي ولا إلى راس العين .

في 24 تشرين الأول، كان أحد موظفي الأمانة يحرس موقع سوق راس العين، فيما تجولت مجموعة من الزوار بين البسطات الفارغة. عبّر هذا الموظف عن عدم قناعته الشخصية في أن ينجح السوق في الموقع الجديد مطلقًا. «لا أعتقد أن أصحاب بسطات العبدلي سيأتون إلى هنا، وحتى لو سجل آخرون لامتلاك بسطات هنا، فلن ينجحوا في أعمالهم». في إشارة إلى مساحة البسطات في سوق راس العين -أقل من ربع مساحتها  في العبدلي- اعتبر الموظف أن هذه المساحة غير كافية لإعاشة البائعين. «لقد كان قرارًا خاطئًا».

ras al ain market

في 13 تشرين الثاني، افتُتح سوق راس العين تجريبيًا للمرة الأولى، لكنه أغلق مجددًا في الأسبوع التالي. بحلول نهاية تشرين الثاني، أعلنت الأمانة أن عملية توزيع البسطات جارية وأكدت أن هنالك شروط صارمة للقبول في السوق الجديد: فقط الأردنيون ممن كانوا مسجلين سابقًا في سوق العبدلي وممن حصلوا على موافقات أمنية يستطيعون العمل هناك. إعلان أن توزيع البسطات سيتم بالقرعة يؤكد أن بعض البائعين السابقين في العبدلي لن يحصلوا على مساحة في السوق الجديد.

رؤى حول مستقبل عمان

خلف هذا الجدل حول سوق العبدلي يحوم سؤال أكبر حول الرؤى المختلفة لمستقبل عمان. يرى مسؤولو الأمانة أن إنهاء البيع العشوائي في العبدلي ومناطق أخرى هو خطوة للأمام في تطوير العاصمة وتجميلها. الطراونة اعتبر أن قلة «التنظيم» في عمان هو السبب الأساسي في تصنيفها مؤخرًا كواحدة من أبشع عشر مدن رئيسة في العالم، مشيرًا بالتحديد إلى «البسطات والأكشاك والمحال العشوائية والفوضوية». بعد لقاء عقيم مع ممثلين من مجلس النواب، رد أحد بائعي العبدلي بإحباط وانفعال على هذا المنطق تجاه السوق: «يقولون أنهم يريدون تجميل عمان، لكن جمال المدينة يمكن في بائعيها – جمالها في شعبها!».

abdali 7

فيما تحاول الأمانة تلميع صورة عمان عبر نموذج مشروع العبدلي الجديد البرّاق -الذي لا يزال فارغًا- على بعد كيلومتر واحد فقط من موقع السوق، ماذا سيحدث لمن سيقصَون من هذا النمط الخليجي للتجميل؟ خلال عملية نقل سوق العبدلي (وأسواق شعبية أخرى في المدينة)، تسبب تجاهل المسؤولين لمخاوف البائعين والعمال في المزيد من المرارة والحنق لدى هؤلاء، إن لم يتسبب في قطع رزقهم. فالأمانة التي تصف نفسها بمدافعة عن الشوارع والأرصفة من «اعتداء» البسطات والأكشاك عليها، اعتدت هي بالمقابل على أولئك الذين يحاولون كسب قوتهم في هامش الاقتصاد غير الرسمي.

الأهم من السؤال حول مستقبل السوق هو السؤال حول مستقبل الناس الذين شغلوه: ماذا سيحدث للباعة الغارقين في الديون؟ ماذا سيحدث للمصريين والسوريين الذين استثنوا من الموقع الجديد والذين لا يستطيعون العمل بشكل قانوني؟ وماذا سيحدث للعمانيين الذين كانوا يتوافدون إلى سوق العبدلي كل جمعة ليكسوا عائلاتهم بما توفر لديهم من مال؟