الخطاب المتعالي في اتفاقية الغاز ومحاربة العداء لإسرائيل

الخميس 18 كانون الأول 2014
israeli-gas-deal
تصوير جنى قزاز.

في مجمل التصريحات الحكومية التي أكدت المضي قدمًا لتوقيع اتفاقية استيراد الغاز «الإسرائيلي» بين شركة الكهرباء الوطنية و«نوبل إنرجي» الأمريكية، استخدمت الحكومة لتبرير موقفها عدة مغالطات وتناقضات تصل إلى حد الكذب، تبدلت من بداية الجدل حول الاتفاقية حتى اليوم. لكن الثابت في هذه التصريحات كان الخطاب الوصائي الذي نصّبت فيه الحكومة نفسها معرّفًا وحيدًا «للمصلحة الوطنية»، وراعيًا هو أحرص على المواطنين من أنفسهم.

تماشيًا مع هذا الخطاب، من الطبيعي أن تضرب الحكومة بعرض الحائط الأغلبية النيابية التي أوصت برفض الاتفاقية، والتجمعات الشعبية والنقابية التي نظّمت حملات لإجهاضها، وأن تستكنف حتى عن أي جس لنبض الشارع حولها، فهي تتجاهل ما يريده المواطنون لصالح ما تعتقد أنهم يحتاجونه.

هذا الخطاب الوصائي، وإن كان متأصلًا في تعامل الحكومة الأردنية مع شعبها ولا يحتاج لمبررات، فقد استَثمر هذه المرة في ما يعتبره نزعة انفعالية بين معارضي الاتفاقية، واندفاعًا عاطفيًا غير محكوم بالوقائع والمحددات الموضوعية لمسألة كبرى كاتفاقية الغاز.

في الإعلام، امتد هذا الخطاب بشكل تلقائي إلى كتّاب كفهد الفانك، الذي اعتبر توصية النواب بعدم توقيع الاتفاقية انعكاسًا لضغوط شعبية «واضحة، لا تحتمل النقاش ولا ينكرها أحد»، في مقابل منطق الحكومة «المكلفة باتخاذ قراراتها على ضوء المصلحة الاقتصادية». هذه المقارنة قادت الفانك ليخلص إلى الحل الاستفزازي الذي وجهه للنواب ومعارضي الاتفاقية من المواطنين بالقول: «على هؤلاء أن يدبّروا لشركة الكهرباء الوطنية دعمًا سنويًا يزيد عن مليار دينار تشكل 15% من موازنة الدولة».

هذه المقارنة بين «شعبوية» معارضي الاتفاقية و«عقلانية» الحكومة تفترض أن كل ما يريده الشعب -ويؤيده النواب أحيانًا- هو «شعبوي»، أي بالضرورة لاعقلاني ومنفصل عن الواقع، وكل ما ترى فيه الحكومة «مصلحة اقتصادية» هو بالفعل الخيار الاقتصادي الأمثل، وأن الحساب الاقتصادي يغني عن الحاجة لأي حساب سياسي أو استراتيجي.

«العقلانية» ليست حقيقةً ما تطلبه الحكومة ومؤيدوها من معارضي اتفاقية الغاز، فهي تطالبهم بعقلانية خاصة محصورة، تتمثل في الاختيار المحايد بين خيارات تحددها الحكومة نفسها. فالسلطة هي التي تحدد الملعب وقواعد اللعب وتطلق الصافرة وتترك لنا مساحة نتوهم فيها الاختيار الحر. وأهم هذه القواعد التي يريد المطالبون بـ«العقلانية» ترسيخها هو أن لا مكان لعداء مسبق لإسرائيل.

يظهر ذلك في أوضح صورة في مقال إبراهيم غرايبة، الذي يحاول فيه إعادة تحديد الأساس الذي «تقيَّم» عليه الاتفاقية. بعد أن استهل مقاله بنفي أي بطولة عن مقاطعة إسرائيل وأي خيانة عن التعامل معها اقتصاديًا، يعتبر غرايبة، كما فعل الفانك، أن «المبدأ الأساسي في تقييم استيراد الغاز أو غيره من السلع والاحتياجات من إسرائيل، أو من أي بلد، هو المصلحة الاقتصادية، التي هي بالضرورة مصلحة وطنية»، أما المقاطعة المبدئية فهي «معاقبة للذات، وهزيمة مضافة إلى الهزيمة العسكرية».

كما تفعل الحكومة، يتجاهل هذا المنطق أي اعتبار غير اقتصادي لتحديد «المصلحة الوطنية»، حتى بعيدًا عن المقاطعة المبدئية. فحتى عندما يطالِب غرايبة بصرف النظر عن تاريخ -وحاضر- العداوة والعدوان بيننا وبين إسرائيل، ومعاملتها «كأي بلد» آخر، فإن ذلك لا يبرر تحييد كل جانب غير اقتصادي، وقبول الخطر الاستراتيجي المتمثل في ربط طاقة الأردن بإسرائيل وإعطائها «إمكانية إطفاء عمّان بكبسة زر».

فعليًا، لا يصرح غرايبة في مقاله بدعمه للاتفاقية، ولا يقول إذا ما كانت هناك أسباب تجعل توقيع الاتفاقية منطقيًا ومشروعًا أو أسباب تثبت عكس ذلك، فهو لا يقول لنا سوى «كيف يجب أن نفكر»، في افتراض متعالي بأنه يتحدث من موقع أكثر عقلانية وحكمة، بل أكثر أخلاقية كونه يجرؤ على طرح ما يخشى «العموم الانفعالي الهائج» قوله. وفي سبيل تكريس هذا التعميم، يتجاهل غرايبة كل الحجج التي قُدمت ضد توقيع الاتفاقية، وكل الثغرات والتناقضات في تبرير الحكومة لها.

هذا المنطق الذي يطالَب معارضو الاتفاقية بتحكيمه هو منطق تطبيعي بأبسط تعريف ممكن للتطبيع: الاعتراف والتعامل مع الكيان الاستعماري الصهيوني على أنه دولة طبيعية كغيرها من الدول. وحين يطعّم هذا المنطق بتعميمات مخلّة ومغالطات شبه كوميدية -كالقول بإن التعامل الاقتصادي مع إسرائيل «لا يمنع تحرير الأرض المحتلة»- فإنه يصبح بالضرورة أداة لتمكين الحكومة من التخلص من مسؤوليتها أمام الإرادة الشعبية، تحت غطاء خطابها الوصائي.