الإعلام وجمهوره يهللون للإعدامات الجماعية

الأحد 28 كانون الأول 2014

ما نُشِر في الصحف اليومية عن قضية تفعيل عقوبة الإعدام لم يرق إلى مستوى نقاش مفتوح يُغني الفضاء العام بآراء متنوعة أو معلومات وتحليلات تضيف للمسلمات الدينية والثقافية السائدة التي لم يجد الجمهور سواها لتكوين مواقف من عقوبة الإعدام.

ثلاثة عشر مقالة رأي كتبت خلال اليومين اللاحقين لتنفيذ إعدام أحد عشرة محكوما، لم تخرج في غالبيتها عن إطار حملة إعلامية لتسويق القرار الحكومي ولترويج دراسة حكومية خلصت إلى أن تفعيل عقوبة الإعدام هو «مطلب شعبي».

واتفق كتاب الصحف الحكومية مع كتاب صحيفة المعارضة الإسلامية «السبيل» في الإشادة بالخطوة الحكومية، مع اختلاف منطلقاتهم الأيديولوجية. وانضم «قادة الرأي» مع جمهورهم إلى جوقة مهللة بالإعدام الجماعي الذي نفذته الحكومة.

بدا المشهد الإعلامي وكأنه معد مسبقا أو عشوائي إلى درجة العبث. فقبل الانطلاق المنظم للأصوات المؤيدة ساد فترة صمت جماعي لنحو عام كانت الحكومة خلاله تهيئ لقرارها. لم يعلق الكتاب لأكثر من شهر على إعلان الحكومة، على لسان وزير الداخلية حسين المجالي، أنها «تدرس تفعيل عقوبة الإعدام». كما لم يعلقوا على نتائج استطلاعي الرأي العام المؤيدة لحكم الإعدام، في حينها.

الإعدام وصناعة الإجماع

من دون أي تعليق إعلامي أو تصريح حكومي بعد الإعلان عن «دراسة» تفعيل العقوبة، نفذت الحكومة بشكل مفاجئ إعدامات جماعية لـ11 محكوما في يوم واحد (21 كانون أول 2014). وفي اليوم التالي أخرج الكتاب الصحفيين نتائج الاستطلاع المؤيد للإعدام من الأرشيف، واستندوا إليه في تجميل ما قامت به الحكومة باعتباره «مطلبا شعبيا».

وكان مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية أجرى استطلاعين للرأي العام في آذار وآب 2014، أظهرا أن الغالبية (74% و73%) من العينة الوطنية تؤيد تفعيل عقوبة الإعدام.

مستوى تأييد العينة لتنفيذ عقوبة الإعدام (73%) أعلى من مستوى رضاها عن القضاء والمحاكم النظامية (62%). كيف يمكن تفسير التناقض بين تأييد إعدام إنسان، وهي عقوبة قطعية بلا عودة، وبين عدم الرضى عن القضاء والشك بعدالة الحكم؟

الملفت في نتائج الاستطلاع عينه أن مستوى تأييد العينة لتنفيذ عقوبة الإعدام (73%) أعلى من مستوى رضاها عن القضاء والمحاكم النظامية (62%). كيف يمكن تفسير التناقض بين تأييد إعدام إنسان، وهي عقوبة قطعية بلا عودة، وبين عدم الرضى عن القضاء والشك بعدالة الحكم؟ يمكن إرجاع التناقض إلى منهجية الدراسة التي طرحت سؤال واحد فقط بلا سياق: «هل تؤيد أم تعارض تنفيذ حكم عقوبة الإعدام في الأردن؟». في حين جاء السؤال عن مدى الرضى عن القضاء في سياق الأسئلة عن مدى الرضى عن «المؤسسات الرسمية»، وحازت الأجهزة الأمنية: الأمن العام، الدرك والمخابرات العامة على أعلى نسبة رضى (90%).

واستمر دور مركز الدراسات الاستراتيجية في ترويج القرار الحكومي بإجراء استطلاع ثالث للرأي العام عن عقوبة الإعدام، بعد أسبوعين من إعلان الحكومة في 9 تشرين ثاني عن «دراسة» تفعيل عقوبة الإعدام. وأعلن المركز عن نتائج استطلاعه بعد أسبوع من تنفيذ الإعدامات. وأظهرت ارتفاع نسبة تأييد تنفيذ حكم الإعدام إلى 81% من مستجيبي العينة الوطنية و80% من مستجيبي عينة قادة الرأي. وأكدت كذلك على مدى التطابق بين اتجاهات «العينة الوطنية» و«قادة الرأي» في قضية حكم الإعدام.

أعداد الجرائم مبررا للإعدام

عزت الحكومة «دراسة تفعيل عقوبة الإعدام» إلى «كثرة جرائم القتل في السنوات الاخيرة التي انتشرت بين اوساط المجتمع»، وفقا لتصريحات وزير الداخلية حسين المجالي خلال مؤتمر صحفي حضره رئيس الوزراء عبدالله النسور ووزير الدولة لشؤون الإعلام محمد المومني.

وتكررت عبارات «ارتفاع أعداد الجرائم» أو «ازدياد جرائم القتل مؤخرا» في التقارير الصحفية والمقالات، كمبرر رئيسي لتنفيذ حكم الإعدام. لكن المعلومة بقيت بلا توثيق أو حتى تدقيق. فزيادة أعداد الجرائم لا يعني بالضرورة زيادة نسبتها، بل أن الزيادة في أعداد الجرائم حتمي وطبيعي طالما أن أعداد السكان في ازدياد، أما النسب فيمكن أن تزيد أو تنقص. والمهم عند تقييم انتشار الجريمة في بلد ما هو مقارنة نسبة الزيادة في عدد الجرائم مع نسبة الزيادة في عدد السكان.

وفق الأرقام الواردة في تقارير إدارة المعلومات الجنائية للأعوام (2009-2013) و(2005-2009) و(2000-2009)، فإن نسبة جرائم القتل مع سبق الإصرار (العمد) ارتفعت خلال الأعوام 2009 – 2011 لكنها عادت وانخفضت خلال عامي 2012 و2013. وبالتالي فإن القول بأن نسبة جرائم القتل في ازياد في السنوات الأخيرة ليس صحيحاً. وتؤكد أرقام المركز الوطني لحقوق الإنسان النتيجة عينها، انخفاض نسبة أحكام الإعدام منذ تجميد تنفيذه، باستثناء عام 2011 الذي شهد ارتفاعا دراماتيكيا في عدد السكان.

murder-rate-01   death-sentences

دوليا، أظهرت دراسة أجراها مجلس الأبحاث الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2012 أن معدلات الجريمة في الولايات التي لا تنفذ عقوبة الإعدام بقيت أدنى من معدلات الجريمة في الولايات التي تنفذ عقوبة الإعدام، بشكل ثابت خلال عشرين عاما (1990 – 2010). وفي كندا استمر معدل جرائم القتل بالانخفاض منذ إلغاء العقوبة في عام 1976 حتى وصلت نسبة الانخفاض في العام 2003 إلى 44% أقل مما كان عليه في العام 1975، وهو أدنى معدل على الإطلاق على مدى ثلاثة عقود. ومنذ عام 1975 ألغت 140 دولة عقوبة الإعدام في القانون والممارسة، مقابل 58 دولة أبقت عليها في القانون ومنها من جمد تنفيذها.

وفقا لمنظمة العفو الدولية، فإن «الدراسات العلمية عجزت بصورة متسقة عن إيجاد دليل مقنع على أن عقوبة الإعدام تردع الجريمة أكثر من غيرها من العقوبات». وقد خلصت أحدث دراسة مسحية بشأن العلاقة بين عقوبة الإعدام ومعدلات جرائم القتل، أجرتها الأمم المتحدة في العام 1988 وتم تحديثها في العامين 1996 و2002، إلى أن: «… البحث فشل في توفير دليل علمي على أن تأثير الإعدام كان أشد ردعاً من تأثير السجن المؤبد…، بل إن الأدلة ككل ما زالت لا توفر تأييداً لفرضية الردع».

كتاب الصحف يجمعون: الإعدام رادع والجريمة في ازدياد

قضية حكم الإعدام وتأثيره وإن كان يشكل رادعا أم لا، حسمها كتاب أعمدة الصحف اليومية الأردنية وأجابوا على جميع الأسئلة التي لم تحلها بعد المنظمات المحلية والدولية المعنية. عشر مقالات من أصل 13 مقالة كتبت خلال يومين تضمنت حججا متشابهة لتأييد تفعيل حكم الإعدام. وإذا تجاوزنا مسألتي الإجماع والتشابه لا يمكن تمرير الأحكام القطعية واليقينية، وبخاصة عندما لا تكون مدعمة بأدلة موثقة.

يستخدم الكاتب رحيل غرايبة في صحيفة الدستور، لغة قطعية مستندة على النص القرآني. فهو يعتقد «جازماً أن تنفيذ الإعدام بحق هؤلاء الأشخاص الذين ثبت تورطهم في جريمة قتل إنسان بريء، بما لا يدع مجالاً للشك، سوف يشكل رادعاً مستقبلياً حازماً…».

وبنفس اليقينية يستند محرر الشؤون الوطنية (المجهول) في الدستور إلى «دراسات متخصصة” (مجهولة) تؤكد أن «عدم تنفيذ عقوبة الإعدام لم يساهم بتخفيض نسبة الجريمة بشكل ملحوظ، ولا يخفى ان تجميد العقوبة ساهم الى قدر كبير في زيادة نسبة الجريمة خاصة القتل وتنوع اساليبها وان منحى انتشار جرائم القتل في تزايد منذ توقف تنفيذ عقوبة الإعدام في العام 2006».

وتنشر نفس الصحيفة مقالة للكاتب إبراهيم القيسي من دون التحقق من صحة المعلومات فيها، مثل أن «عقوبة الاعدام لم تغب تقريبا عن أية دولة من الدول الديمقراطية». ويربط القيسي تنفيذ عقوبة الإعدام بالحد من «الجلوة العشائرية»، لكنه لا يوضح كيف بنى العلاقة بين العقوبتين.

ويستند الكاتب حسين العموش في مقالته على أن «نسبة الجريمة ارتفعت ارتفاعا كبيرا في الفترة الأخيرة»، وأن «الجرائم زادت عن حدها الطبيعي»، ولا يُعلمنا عن مصدر معلوماته أو كيف خرج بهذه النتائج. ويختم بحماسة: «نشد على يد الدولة، ونطالبها بتنفيذ الحكم في البقية، واعتقد ان عددهم مئة وتسعة محكومين…».

يتحدث الكاتب عمر عياصرة في صحيفة السبيل، باسم الجميع ويقول أن «الناس شعرت بالارتياح لعودة العمل بتنفيذ عقوبة الاعدام والسبب انهم يعتقدون بأن ثمة علاقة طردية بين تطور الجريمة في الاردن وتوقيف عقوبة الاعدام. نعم لقد تطورت الجريمة في الاردن نوعا وكما». ويرى العياصرة أن تجميد عقوبة الإعدام «املاءات جهات خارجية».

وفي السبيل أيضا يكرر الكاتب عبدالله المجالي ذات الفكرة ويقول أن «بعض المراكز الحقوقية وبعض الحقوقيين يحاولون تصوير حكم الإعدام وكأنه جريمة تنفذها الدولة، لكن هذا منطق سقيم. فباستثناء بعض القيم الغربية التي برزت حديثا، فإن المستقر عليه إنسانيا أن القاتل يقتل، ولا شيء يمكن أن ينهي الغضب الذي يعتور صدور أهل المقتول سوى قتل القاتل أو العفو عنه».

يستند الكاتب طارق مصاروة في صحيفة الرأي، على عدد من المعلومات التي يوردها كحقائق، من دون أن يبذل عناء توثيقها، مثل أن «أكثرية الناس كانت مرتاحة لاظهار جانب الحزم في تطبيق القانون»، وأنه «ليس صحيحاً أن القاتل يقترف جريمته بغض النظر فيما إذا كان هناك تنفيذ لأحكام الإعدام أم لا»، وبأن تنفيذ الإعدام هو «رادع حقيقي للجريمة أو للتخفيف منها».

خلافا لصحف الدستور، الرأي والسبيل، تتنوع الآراء في أعمدة صحيفة الغد بين «مؤيد» و«معارض» و«لا أدري».

ينقل الكاتب فهد الخيطان عن المؤيدين لتفعيل عقوبة الإعدام «ارتفاع معدلات الجريمة في الأردن» ونتائج استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية عن «أن الأغلبية الساحقة من المستجيبين أيدت تطبيق عقوبة الإعدام». وينقل عن الرأي الآخر أن «دراسة خلصت إلى أن تعليق عقوبة الإعدام في الأردن لم يرفع من معدلات الجريمة»، وأن «بعض التقارير تشير إلى أن معدلات الجريمة في الأردن أقل مقارنة مع الدول التي تطبق عقوبة الإعدام». لكن الخيطان لا يعلق على المعلومات والاستطلاع والدراسة والتقارير التي يشير إليها، ولا يوثقها، ليترك للقارئ المهتم خيار معرفة المزيد، وينهى مقالته بأنه لا يدري إن كانت «خطوة إلى الأمام أم إلى الخلف».

على النقيض، يعبر الكاتب ماجد توبة عن موقفه: «شخصيا، أؤيد عقوبة الإعدام…رغم قناعتي بأن الإعدام لا يوفر الردع، أو يحد من انتشار مثل هذه الجرائم”. ويرتكز في موقفه على قناعة أخرى بأن «لعقوبة الإعدام فائدة تتمثل في الحد من جرائم الثأر، وما تولده من عنف مجتمعي وعشائري». لكن توبة لا يدعم موقفه وقناعته بدليل.

وبين جموع كتاب الصحف المرحبين بالإعدام الجماعي تضيع الأصوات القليلة المعارضة، مثل الكاتبين إبراهيم غرايبة ورنا الصباغ. ويبدو الكاتب أسامة الرنتيسي في صحيفة العرب اليوم كيقظ بين نيام عندما يطالب الحكومة بالكشف عن نتيجة الدراسة التي كان قد أعلن عنها وزير الداخلية قبل شهر من تنفيذ الإعدامات، وعندما يلفت إلى أنه «لم تثبت اية دراسة علمية اجتماعية ان تنفيذ عقوبة الاعدام قد تردع المجرم وتقلل الجرائم في المجتمعات، ولهذا تتجه معظم دول العالم لإلغاء عقوبة الاعدام…لتناقضها مع مبادئ حقوق الانسان، وخاصة حق الانسان في الحياة».