مهرجان «كرامة» في دورته الخامسة: دوران في فلك الحروب

الإثنين 22 كانون الأول 2014
karama-film-festival

أخذنا مهرجان كرامة في ثيمته لهذا العام «الحرب والنزوح» إلى فكرة الحنين للانتماء إلى مكان ما والمعاناة التي تصاحب أولئك الذين يبحثون عن هذا الانتماء.

لربما لم يبتعد كرامة في نسخته الخامسة التي أقيمت بين الخامس والعاشر من هذا الشهر عن الأفكار التي قدمها في السنوات السابقة، إذ ركز في معظم الأعمال التي عرضها على مواضيع الحرب والثورات، مهمشًا مواضيع أخرى عديدة أكثر تنوعًا في حقوق الإنسان.

عنوان المهرجان ومعايير اختيار الأفلام

يمكن فهم أن الرؤية العامة للمهرجان تقوم على طرح مواضيع ذات صلة بما يجري في المنطقة من أحداث، ولكن لا بد من الالتفات إلى أنه ليس ما يتصدر الإعلام هو ما يمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان فحسب، فهناك أشياء تحدث حولنا كل يوم وتمس حقوق الإنسان وتنتهكها بصورة أو بأخرى، خصوصًا حين تتعلق بالأقليات المغيبة في المجتمعات، ولا نتوقع من مهرجان معني بحقوق الإنسان تحديدًا أن يقوم بإغفال هذه القصص وعدم تسليط الضوء عليها.

منظمو المهرجان يعون أهمية شمولية عناوين المهرجان، فنراهم يحاولون التعويض عن ذلك بعرض أعمال متفرقة وسط أعمال العنف والحروب، كالفيلم اللبناني شهرزاد الذي عرض هذا العام وتحدث عن يوميات سجينات لبنانيات والظروف التي أدت لسجنهن، إضافة لبعض الأفلام القصيرة التي تتناول حقوق الإنسان بعيدًا عن النزاعات التي نراها في نشرات الأخبار.

العروض الرئيسية وتهميش الأفلام القصيرة

من الإشكاليات التي شابت «كرامة» هذا العام تضارب أوقات عروض الأفلام، إذ حصر المنظمون الجمهور بين خيار مشاهدة الأفلام الطويلة التي يبدأ عرضها الساعة 6:00 مساءً لساعتين أو أقل بقليل، وخيار مشاهدة الأفلام القصيرة التي يبدأ عرضها الساعة 7:00 مساءً وتمتد لتصل ساعة تقريبًا، لينتقلوا بعد ذلك إلى العرض الرئيسي الساعة 8:00 مساءً. وعلى الرغم من أن المنظمين حاولوا تقديم فيلم قصير قبل كل فيلم طويل، لكن تلك الأفلام القصيرة جاءت كتعويض عن حضور بقية الأفلام القصيرة، لا كتشجيع لحضورها بدلًا من الأفلام الطويلة، إضافة إلى أن الكثير من العروض لم تكن تلتزم بالوقت.

«كرامة» بعد خمسة أعوام

لم ينجح منظمو المهرجان هذا العام أيضًا في توسيع دائرة الجمهور التي يستهدفونها، ولربما لم يتغير الجمهور منذ خمس سنوات إلا قليلاً.

وبعيداً عن الأعداد التي بدت للمشاهد على أنها أقل من العام الفائت، يتكرر خطأ عدم وضع منظمي المهرجان لأي محددات لمشاهدة الفيلم. في أحد الأفلام التي تتحدث عن الحرب في سوريا، وهو «العودة إلى حمص»، كان من الممكن إحصاء عدد لا بأس به من الأطفال دون الثالثة عشر من العمر، كما أن بعض المشاهدين تفاجأوا بمناظر القتل التي لم ينوه لها مسبقًا. لا بد من النظر في فئات الجمهور التي تستطيع مشاهدة كل فيلم، ربما وضع تنويه بسيط على منشور الأفلام وباب المسرح بأن العرض «للراشدين فقط» كان ليجنب الأطفال وأهلهم المرور بتلك التجربة.

أما إذا ما أردنا أن نلقي نظرة سريعة لأنواع الأفلام التي تم عرضها في «كرامة» الخامس، نجد بداية أن عددها أقل من الأعوام السابقة. أما جودة الكثير منها، بحسب عدد من متابعي المهرجان، فلم تكن بالمستوى المتوقع، على الرغم من أن المهرجان يفترض أن يصل إلى نضج كافٍ بعد خمسة أعوام.

تشابه المحتوى وغياب المتعة

كان الحدث الرئيسي في المهرجان لهذا العام الثورة السورية واللجوء، ومع ذلك لم يلتفت «كرامة» للتشابه بين الأفلام الرئيسية التي عرضها عن الثورة السورية.  فضلًا عن ذلك، كانت عروض الأفلام الطويلة تتشابه في طرح مواضيع الهجرة والنزوح والحروب.

قدم «كرامة» لهذا العام فيلمين سوريين الأول «بلدنا الرهيب» الذي يتحدث عن رحلة هروب الكاتب المعارض ياسين الحاج صالح من دوما إلى المنفى المؤقت تركيا، تاركًا خلفه زوجته سميرة التي يتم اختطافها في الغوطة بعد وصوله تركيا. الحاج صالح، الذي يراه فيه مقاتلون «أبًا روحيًا» بحسب أحد المقاتلين، رأى أنه من الأفضل له السفر عن سوريا لحين استقرار الأوضاع فيها. أما الفيلم الثاني، «العودة إلى حمص»، فيتحدث عن رحلة أقل رفاهية من الأولى، وهي رحلة عبد الباسط  ساروت في مواجهة الحصار القائم على حمص، فرحلته كانت من حمص إلى ضواحيها ليجمع الغذاء والذخيرة والدخان للمقاتلين المحاصرين والعودة إلى حمص مع عدد إضافي من المقاتلين. كان ساروت لاعب كرة قدم مشهور، ومع بداية الثورة أصبح قائدًا للمظاهرات. وبعد رد فعل النظام تجاه المظاهرات قرر ساروت أن السلمية لن تنفع في تحرير بلده من النظام القائم.

كانت عروض الأفلام الطويلة تتشابه في طرح مواضيع الهجرة والنزوح والحروب.

الشبه هنا ليس فقط لكون الفيلمين يمثلان وجهة نظر واحدة -مقاتلون ضد الجيش النظامي- إنما تقنيًا كذلك، إذ طغى على الفيلميين شكل واحد، فكانا أشبه بتقرير تلفزيوني لنشرة أخبار، واتخذا أيضًا طريقة التعليق نفسها، حيث يقوم شخص برواية الأحداث. المعلق في «بلدنا الرهيب» كان الكاتب الحاج صالح نفسه. أما في «العودة إلى حمص» وقع المخرج في العديد من الأخطاء اللغوية التي أظهرت ركاكة في التعليق. وتتبع الفيلمان شخصية «البطل» طوال مدة الفيلم، وبالرغم من انجذاب المشاهدين عاطفياً للفيلمين إلا أننا نستطيع أن نرى افتقار الاثنين للحبكة والتفاصيل الغنية.

جاء الفيلم الإيطالي«أنا مع العروسة» الذي عُرِضَ بعد انتهاء المهرجان ليكون منقذًا للأفلام التي تناولت الأزمة السورية بصورة «المواطن الصحفي». تحدث الفيلم عن مشكلة اللاجئين في الوصول إلى أوروبا بالطرق غير الشرعية بحثًا عن وعود الدول الأوروبية، فكانت الرحلة من إيطاليا إلى السويد مروراً بعدد من الدول الأوروبية.  وقد زيّف المخرجون حفل زفاف بين المهاجريين حتى يكسبوا تعاطف الشرطة الحدودية إذا أوقفتهم أثناء رحلتهم. لكن الفيلم لم يظهر الصعوبات والمخاطر التي مر بها المهاجرين، حتى أحسسنا أن الرحلة لم تستحق تزييف الزفاف لكون عبور الحدود بدون أوراق رسمية كان بهذه السهولة.

في ثالث أيام المهرجان، يُعّرضك المنظمون لخوض تجربة الجلوس أكثر من أربع ساعات متواصلة ومشاهدة محتوىً متشابه بعض الشيء لكن متناقض في وجهات نظره. الفيلم الأول «محاربون من الشمال» يتحدث عن تجربة شاب دنماركي من أصول صومالية يمر بمرحلة من التشدد ويكون على وشك الانضمام لحركة «الشباب المجاهدين» بالصومال، ويروي أيضًا جانبًا من حياة أب لم يفقد الأمل عن عدول ابنه عن الانضمام للشباب في الصومال والعودة إلى الدنمارك، الفيلم الثاني كان «العودة إلى حمص».

الملفت أن الفيلمين تناولا موضوع «الجهاد»، بل حتى أن الخطاب الديني كان نفسه تقريبًا، ولكن تنتقل في كل فيلم من حالة إلى حالة مناقضة للأولى تمامًا، ففي الأول تتعاطف مع أولئك الذين لا يرون في العنف سبيلًا للتحرر من الاحتلال الأثيوبي للصومال، ولا حتى مع النظام نفسه. يخرج المشاهد من الفيلم وهو يرى أن لا حق «للجهادين» في خلق الحرب والعنف في الصومال على الرغم من الظروف السيئة التي تمر بها البلاد. أما في الفيلم الثاني من سوريا، يضعك صانع الفيلم أمام ساعتين متواصلتين من التعاطف مع «المجاهدين» من الميلشيات المسلحة في القتال ضد الجيش النظامي.

الافتتاح والختام

«المطلوبون الـ18» افتتح الدورة الخامسة لـ«كرامة»، ويصور الفيلم إبداع أهالي منطقة بيت ساحور في مقاومة الاحتلال من خلال شراء 18 بقرة والبدء في زراعة محاصيل لتوفير منتجات محلية دون الاعتماد على شركات الاحتلال لتزويدهم بالغذاء. تفشل محاولات عديدة لجيش الاحتلال في كبت ثورة أهالي بيت ساحور قبل أن تنجح اتفاقية أوسلو بتثبيط عزيمة المقاومين وإخماد الانتفاضة.

اختيار الافتتاح موفقًا رغم أنه رفع توقعات الجمهور تجاه المهرجان لدرجة يبدو أنه لم يكن قادرًا على مواكبتها.

يصور عامر الشوملي مخرج الفيلم القصة بطرح مميز مليء بالرسومات المتحركة وحس الفكاهة الذي أبقى المتابعين مشدودين للقصة. وتناول الشوملي قصة قد تبدو للحظات أنها غير واقعية، فقد حاول الاحتلال إخفاءها حتى لا يتأثر بها سكان المناطق المجاورة وهذا ما حدث فعلًا. كان اختيار الافتتاح موفقًا رغم أنه رفع توقعات الجمهور تجاه المهرجان لدرجة يبدو أنه لم يكن قادرًا على مواكبتها.

أما اختتام المهرجان فكان بفيلم «ثائر كل يوم» من إخراج الأخوين أراش وأرمان رياحي اللذين ولدا في إيران وعاشا في دول أوروبية أخرى. يقوم الأخَوان بتوثيق مجموعة من حركات المعارضة السلمية التي أتت بطرق مختلفة للتظاهر. ويناقش الفيلم حركات تاريخية قامت لدحر الأنظمة القمعية، ويوضح أن التخطيط والتحرك المدروس لا بد من أن يحدث تغيير بالرغم من الوقت الذي قد يحتاجه.

يوثق الفيلم مجموعة من الحركات الاحتجاجية مثل «فيمين»؛ حركة التظاهرات العارية في أوكرانيا والمعنية بحقوق المرأة، وحركة «احتلوا وول ستريت» التي بدأت من أمريكا لتشمل مظاهرات في 1500 مدينة حول العالم، إضافة للحركات الاحتجاجية في الثورة الخضراء في إيران، وصولاً إلى حركات احتجاجية في مصر وسوريا وكل هؤلاء المتظاهرين متفقين على قوة التغيير السلمي وأفضليته على العنف.

يدخلك الفيلم في ذلك المجتمع من النشطاء المعنيين بخلق أساليب أكثر إبداعًا للتظاهر ويهمس صوت خلال الفيلم لإقناعك كفرد بالانضمام لهذا المجتمع وكأنه صوت ضمير يهمس بما عليك فعله بعد ذلك.

كان اختياره كفيلم ختامي إشارة من «كرامة» على أهمية معارضة الظلم والتمييز وإحداث التغيير سواء على السلطة السياسية أو الدينية، أو حتى الذكورية، وكأن المنظمين يقولولن أن كل فرد يمكنه اليوم أن يتظاهر بأسلوبه الخاص.