«حِلْوِة»: وقار الصوت ومحاولاتٌ لرسم هوية غنائية

الخميس 04 كانون الأول 2014

كيف تدرك أنك أمام عمل موسيقي مكتمل؟ يحصل هذا حين تستمع إلى أغانٍ اعتنى صاحبها باختيار كلماتها، وتأنى كثيرًا بالاستماع إلى الألحان، وحاول أن يعكس ثقافته وإنسانيته وشخصيته في مجموعة من الأغاني التي ستحدد هويته الموسيقية للمرة الأولى. هذا تحديدًا ما حصل مع الفنانة الأردنية الشابة لارا عليان، حين صعدت إلى المسرح لتغني لأول مرة أغانٍ كُتبت خصيصًا لأجلها؛ فكشفت عن خامة صوتية لم تكن تظهر سابقًا خلال مسيرتها الفنية.

لارا أطلقت ألبومًا بعنوان «حِلْوِة». ضمّ عشر أغانٍ تحمل كلها طابعًا إنسانيًّا ما. أغانٍ متقنة في الكلام واللحن. ألبوم يتجول في بحر المقام العربي، حيث استطاع ملحنوه رسم قوالب موسيقية متميّزة تتناسب تمامًا مع مساحات صوتها النقيّ؛ وبذلك تبدأ لارا أولى محاولاتها برسم أسلوب خاص بها، والخروج من عباءة فيروز والأغنية التراثية التي طالما عرفها الجمهور من خلالها.

تبدأ عليّان رحلتها الموسيقية مع الشاعر اللبناني المعروف طلال حيدر، والموسيقي الفلسطيني باسل زايد في أغنية حملت اسم الألبوم «حِلْوِة». الكلمات واللحن يسيران معا في طريق حالم، كيف لا وقد اختار باسل مقام النهاوند العذب، فيما كتب الشاعر طلال حيدر نصًّا سرياليًّا عن فتاة حالمة في الترقّب والانتظار والسفر.

تستهلّ الأغنية بجمل موسيقية طربية فرحة وخفيفة، ثابتة وذات أبعاد هارمونية متوازنة، وتبدأ لارا بالغناء :

«حِلْوةْ مِتِلْ نَعسِت حَلَبْ، وْنِسْيِتْ تْنَامْ كْتِيرْ،

مِتْلِ اْلبِنِتْ عَمْ تركُضِ بْنَوْمَا، تَتْكَمِّشِ عْصَافيرْ».

يختلط الفرح والحزن بصوتها، فتبدو ملامح الأغنية مبهمة، وإحساسها يشي بتضارب المشاعر، إلا أنها تنجح في رسم ملامح الصورة الشعرية بصوتها.

يتواصل الغناء على المقام نفسه قبل أن تنتقل إلى وقار سيبدو واضحًا وجليًّا في الجمل الموسيقية اللاحقة، إذ نجد في صوتها عمقًا أكثر وامتدادًا أكبر، مما يعطي مجالًا لظهور عُرَبِها الصوتيّة  بشكل واضح؛ في أغنية تمزج بين الوقار والعذوبة، والمحافظة على الكلاسيكيّة بتقنيات معاصرة، فتغني على مقام الراست :

«اللهِ يْهدِّي اْلبَالْ،

هالقَلْبْ مِتْلِ طْرافْ صَابيعكْ الْمَضْمُومِةْ سَوا،

وِالْطَيْرْ ضَيْفْ بْهَا الْهَوَا».

ثم ما تلبث أن تعود بقلبة مقاميّة أخرى إلى مقام نكريز نهاوند:

«شِفْتِ الْمَرَاكِبْ فَاضْيِةْ،

مِتْلِ السَفَرْ بِمْنَامْ،

وِشْرَاعْ مَا بْتَعْرِفْ إِذَا جاَيي هَوَا،

إلّا إِذَا طَارِ الْحَمَامْ».

تغنّي لارا عليّان من قصائد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش قصيدة «موال»، تبدأها بكمان وحيد من ألحان الموسيقي عمر عبّاد، ثم ما تلبت أن تبدأ بالغناء على لحن الفالس الحزين، صوتها الدافئ يخفي صرامة ورتابة الفالس، أما ما يميّز اللحن هو الشرقيّة الواضحة في الجمل الموسيقيّة؛ فنجد نجد أن المغنية الشابة تنتقل من الجمل الموسيقية المتوسطة إلى العالية دون عناء، بعد أن تجرحك بدفء صوتِها وهو يمتدّ في الجمل الموسيقية وهي تقول :

«يداك فوق جبيني،

تاجان من كبرياءْ،

إذا انحنيتُ، انحنى،

تلٌّ، وضاعت سماءْ

ولا أعود جديرًا…

بقبلة أو دعاءْ».

وتستعيض عن البيت الشعري «والباب يوصد دوني» بجملة موسيقية لناي حزين مثقل بالخذلان.

تأتي أغنية «بكتب رسالة» للشاعر والروائي إبراهيم نصرالله، مختلفة عن غيرها من أغاني الألبوم من حيث زخم الآلات الموسيقية، إذ اختار ملحّنها الموسيقي طارق الجندي أن يكتفي بعوده ليرافق صوت لارا، وفي الخلف صوت الإيقاع والكنتراباص.

العود المنفرد ومقام الكُرد أتاحا للمغنية الشابة أن تغني بطبقة رخيمة أكثر من أي أغنية أخرى، أما جملة البيات التي تتكرر في الاغنية، فنسمع فيها مرة أخرى خامة صوتية جديدة كليًّا.

يسيطر الحزن على الجمل الموسيقيّة لهذه الاغنية، ويشي الانتقال المقامي بمحاولة لرفع حالة الحزن إلى غضب ما في جملة :

«هذي مكاتيبي إلكْ

يا مزنّرِ بْهالخُوْفْ،

ليشِ الْحَناجِرْ يابْسِة

ومكبّلة الكفوفْ».

وبلحنٍ مصري إيقاعي كلاسيكي من ألحان الموسيقي الشاب الأردني يعرب سميرات، غنّت من كلمات الشاعر محمد خير «فيها إيه»، أغنية على مقام الحجاز وبإيقاع رباعي. تقدم لارا أغنية تختلف عن أسلوبها الفيروزي، وتعلن بحماس خروجها من تلك العباءة، حيث أتقنت اللهجة المصرية وكأنها خارجة من رحمها، وهنا تتخلى قليلًا عن وقار صوتها مما يكشف عن مساحة أخرى جديدة فيه.

في الألبوم تعيد ابنة التراث للموشح القديم «غزال تركي» رونقه الخاص دون إلغاء اللحن الأصلي للأغنية وإيقاعها الصعب، إلا أن الموسيقي والمايسترو محمد عثمان صدّيق ينجح في إعادة توزيع الاغنية بأسلوب يجمع بين الماضي والحاضر، وتضفي المقدمة الموسيقية والفواصل التي ألفها الموسيقي الأردني معن السيد ووزعها الموسيقي طارق الجندي ألقاً خاصا على هذا الموشح.

وتستحضر لارا قاهرة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في أغنية «يا عاشقين تجمعوا» للشاعر المصري مايكل عادل وألحان معن السيد، أغنية موزونة بإيقاعها ولحنها وغنائها، تعرف فيه متى ترتفع بجواب صوتها ومتى تغوص إلى قراره، فيبدو صوتها وكأنه طوفان تدفق دون أن يعترض طريقه شيء.

أما أغنية «الشام» فقد تكون باكورة ألبومها الغنائي، حيث  لا يمكن إدراك صعوبة اللحن فيها وجماله إلا بعد سماعها لآخرها، وهنا تشعر بنشوة الموسيقى، إذ  تغنّي لارا بالعربية الفصيحة قصيدة للشاعر صلاح أبو لاوي ويلحنها مجددًا الموسيقي عمر عبّاد.

تبدأ الاغنية باستهلال موسيقي مستوحىً من التراث، وعلى مقام الكُرد تغني بسلاسة : «قالوا تخيّر.. فقلتُ الشام اختارُ». تبدو الجمل الموسيقية للوهلة الأولى وكأنها تدور في فلك واحد، إلا أن صوتها ما يلبث ان يزداد عمقًا مع تغيّر الجُمل الموسيقيّة والمقامات في الأغنية.

الوطن كان حاضرًا في جميع أغنياتها، إلا أنها ركّزت عليه كثيرًا في أغنيتها «دومًا أغني»، و«باقون». الأولى للشاعر رامي ياسين وألحان زياد الاحمدية، ومرة أخرى تعود إلى الكلاسيكية في اختيارها للموسيقى؛ فهي أغنية طربية على مقام البيات، لحنها وكلماتها الجميلة لا يميزها الشيء الكثير، إلا تلك الجملة التي تختتم فيها أغنيتها على شكل موال بسيط حين تقول «دومًا أغنيكِ لتغنيني فلسطين».

أما اغنية «باقون» للشاعر دريد مصلح وألحان عمر عبّاد، تنتمي إلى جنس الأغاني الوطنية ذات الشعارات الصارخة والحالمة، حيث أنّ إيقاعها يتناسب مع أجوائها، وجملها الموسيقية القصيرة سهلة ممتنعة، تلك التي يسهل على المستمع حفظها والتعلق فيها، إلا أنها تنهك المؤدي لتلاحق الجمل الموسيقية فيها.

كما يضم الألبوم أغنية الشيخ إمام «دار الفلك – دعاء الكروان»، دون أن يتغير على اللحن شيئًا، إلا أنها أضفت عليه زخمًا موسيقيًّا أكبر بإدخال القانون والكونتراباص والإيقاع والعود.

لارا عليان فنانة أردنية صاعدة، من مواليد عمان عام 1983، حاصلة على بكالوريوس علم اجتماع من الجامعة الأردنية العام 2005، وأثناء دراستها الجامعية التحقت بكورال الجامعة وشاركت في حفلات الكورال داخل الأردن وخارجه. بدأت بالتدرب على آلة العود في الأكاديمية الأردنية للموسيقى العام 2002 مع الموسيقي عمر عباد. أقامت العديد من الحفلات الغنائية الخاصة أو بمشاركة فرق مثل (النغم الأصيل، شرق، نايا..) داخل الأردن وخارجه، وحصلت على منحة لدراسة الغناء والعود في المعهد الوطني للموسيقى عام 2008 وشاركت في حفلات المعهد المتعددة.