عمّان: السلوكُ «المدنيُّ» في مدينة ليست مدينة حقًّا

الإثنين 05 كانون الثاني 2015
amman-cityview

ما هو السلوك «المدنيّ»؟ أهو مقابلٌ –مثلًا- للسلوك القرويّ/الفلاحيّ، أو السلوك البدويّ؟ هل التحرّش الجنسي المصاحب عادةً للتجمّعات البشرية الكبيرة في المدن أو أشباه المدن، هو تصرّف «لا مدنيّ»، بينما الحياءُ المجتمعي بين سكان القرية هو سلوك «مدنيّ» عند من هم من غير «المتمدّنين»، فيما يشبه خلاصات بعض التنويريين الأوائل الذين انبهروا نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بالمنجز «الحضاري» الأوروبي وخلصوا إلى أنهم وجدوا إسلامًا ولم يجدوا مسلمين؟

لا تفيدنا البديهيات والتعميمات الساذجة والتسطيحية هنا، وإن كنّا نعتقد أن السلوك «المدنيّ» مثلًا هو حالة  من الاحترام المتبادل والتكافل الاجتماعي بين السكان والالتزام الطوعي الجماعي بما تواضعت عليه الجماعة من أعراف وقوانين، وهو أن تُشكّل مصالح المجموع أداةً رادعةً ذاتيةً عند أفراده؛ فالأغلب أننا سنجد ضالّتنا في الريف والبادية، لا في مُدننا المشوّهة التي هي –بنظري- مجرّد تركيبات عشوائية لمجاميع سكانية لم تجد حتى الآن أرضيتها المشتركة الجماعية، وأغلب الظن (بحكم أشكال الإدارة والحكم والتنظيم) أنها لن تجد تلك الأرضيّة في المدى المنظور، كما سأشرح لاحقًا.

سأذكّركم أنه عندما كانت المدينة (عمّان) «قرية» في خمسينيّاتها وحتى ثمانينيّاتها: أي يعرف الناس بعضهم بعضًا؛ لم يكن «غيتو» عمّان الشرقيّة قد تشكّل بالكامل كمنطقة مُفقرة، ولم يختلط –بعد- حابل ذلك «الغيتو» بنابل عمّان الغربيّة لاعتبارات عدّة ليس هذا مجال البحث فيها. كانت أخلاق المدينة/القرية «متمدّنة» بشهادة من يذكرون ذلك «الزمن الجميل». أما بعد أن كبرت «القرية» وانفجرت واختلطت وصارت مدينة (والأدق شبه مدينة؛ أو مدينة مشوّهة)، فسد سلوك سكانها وعادت إلى عصر الغابة.

علينا هنا أن نُسائل «بديهةً» أُخرى: هل الأخلاق والسلوك البشري مسألةُ ذاتٍ أم موضوع؟ إجابتي تُقدّم الموضوع على الذات، مما يعني بأننا عندما ننظر إلى عمّان الخمسينيات حتى الثمانينيات، فسنجد أمامنا عمّان الطبقة الوسطى الواسعة المسترخية، وهي لا تشبه ولن تشبه طبعًا عمّان التسعينيات وما تلاها من تحوّلات بعد انهيار الدينار وانهيار الطبقة الوسطى معه، والتحوّلات الاقتصادية/الاجتماعية التي نتجت عن «إصلاحات» صندوق النقد الدولي، وتحوّل الناس من الاسترخاء إلى التنافس الشديد على لقمة العيش، وصعود حديثي النعمة من «النوفو ريش» الفاسدين، وأصحاب الاحتكارات، وجماعة «البزنس»، وأصحاب المشاريع الخدماتية الكبرى والفبارك والوكالات؛ إلى مصاف الأقلية المسيطرة بصفتها النخبة الاقتصادية الغنيّة، بدلًا من تجار وسط البلد التقليديين. هل ثمة سلوك «مدنيّ» مُوحّد بين عمّان الخمسينيات وعمّان العقد الثاني من الألفية الجديدة؟

المدينة هي شبكةٌ من الاجتماع والاقتصاد والبنيان والطرق والتفاعلات البشريّة على أرضية من التواضعات والاتفاقات الضمنية والأطر الناظمة العرفية والقانونية والاجتماعيّة؛ والمدينة نفسها –وإلى حدٍّ كبير- تُنتج سلوكيّات مواطنيها وتفعلُ فيها؛ فإن أخذنا مواطنًا عمّانيًا ووضعناه في لندن مثلًا، فهو –مباشرةً- سيقطعُ الشارع من ممرّ المشاة، ولن يُلقي القمامة من شباك السيارة، وسيستعمل الباص العموميّ والمترو، وسيتبنّى في فترة قياسية سلوك اللندنيين «المتمدّن». أما إن أخذت مواطنًا لندنيًّا ووضعته في عمّان، فسيصير -خلال أقل من شهر- «ابن بلد» بالمعنى السلوكي، وهو ما يعرفه جيدًا من يخالط الأجانب المنتشرين في أرجاء اللويبدة وجبل عمّان.

على هذا نستطيع تعريف السلوك المجتمعي على أنه مُنتَجٌ موضوعيّ مُتعلّق بالشكل الاقتصادي الاجتماعي والعلاقات الناتجة عنه، سلبًا أو إيجابًا لا يهم، فذلك خاضع للمدى الذي يُعبّر فيه السلوك عن الواقع الموضوعي للمجتمع، ومن هنا نستطيع الانطلاق في تفسيره وتحليله.

السلوك «المدنيّ» يحتاج أوّلًا إلى مدينة

هل يكفي أن يتجمّع عدد كبير من الناس في بقعة جغرافية واحدة مكتظّة لتتحوّل هذه البقعة إلى مدينة، وأن يتحوّل السلوك فيها إلى سلوك «مدنيّ»، أو أن نصبح من المطالِبين بتحوّل ذاتيّ عند سكان «المدينة»، ونستنكر عليهم سلوكاتهم الهمجيّة اللامتمدّنة؟

مجتمع المدينة يفترق عن مجتمع القرية والبادية في مسألة أساسية: أنه مجتمع أفراد مستقلّين أو «أحرار» (وأضع كلمة أحرار هنا بين مزدوجين لأنه لا حرية حقيقية للأفراد في سياق انعدام المساواة التي تنتجها الرأسمالية، أُمّ المدن ووالدتها بلا منازع)، أساسه الفرد وحريّاته، بعكس مجتمع الريف والبادية القائم على الجماعية وذوبان الفرد في الجماعة. في المدينة يعلو قانون الفرد وحريّته إلى أقصى مدى حيث وجود الفرد يعتمد على نفسه، وتصير نهاية حدود الحريّة الفردية هي بداية حريّة الأفراد الآخرين؛ أما الريف والبادية فقانون الجماعة هو الأساس والفرد خاضع له، ولا حريّة للفرد خارج قانون الجماعة الكليّ حيث وجود الفرد يعتمد على الجماعة الفلاحية أو البدوية.

هل يتحقّق هذا في أشباه المدن، أو المدن المشوّهة أو المجموعات المشكّلة لها؟ سأختبر معكم مشهدين:

المشهد الأول: الحرية الشخصية – المدينة بصفتها حيّزٌ عُصبويّ

صبيّةٌ تمشي لوحدها في شارع الرينبو الساعة التاسعة مساء. بل فلنجعلها صبيّة تمشي لوحدها في التاسعة مساء من أي يوم وفي أي مكان، وربما في أي وقت أيضًا. «الطبيعي» أنها ستتعرّض لكمّ هائل من التحرّشات الجنسية وعلى الشكل التالي: نظرات من المارّة الذكور، تعليقات من المارّة الذكور، تعليقات من راكبي السيّارات الذكور، زوامير من راكبي السيارات الذكور، سيارات يركبها ذكور تتوقف لمحاولة إصعادها، وهكذا. و«الطبيعي» أيضًا أنها ستتعرّض إلى نظرات أو تعليقات مستنكِرة من نساء أخريات يرافقن أزواجهنّ أو آباءهن، ردًا على تعليق من الزوج أو الأب من طراز: «مش عيب عليها هاي لابسة هيك وماشية في الشارع».. إلخ.

سيقودنا هذا السلوك «المدنيّ» إلى جذوره «المدنيّة»: في «مدينة» مدارسها الحكوميّة غير مختلطة، ومثلها كثير من المدارس الخاصة، ولا يتلقى طلابها أية ثقافة جنسية تذكر، وينشأ أطفالها على أن النساء موضوعات جنسية محضة ينبغي فصلها عن الفضاء العام (المخصص للرجال) وعزلها في الفضاء الخاص (برجل واحد أو مجموعة قليلة من الرجال)، يصبح موضوع وجود المرأة منفردة (غير ملحقة برجل) في الفضاء العام للمدينة بمثابة دعوة جنسية للانتهاك؛ تتحوّل المرأة من فرد إلى موضوع مشاعٍ متاحٍ لجماعة الذكور الذي يتحوّلون تلقائيًا إلى مثارين جنسياً. ليس هذا مفاجئًا في مجتمعات بطرياركيّة تحتفي بعلاقات الهيمنة المرتبطة بالذكورة ومفاهيم الولاية، وتدار بآليات اقتصاديّة/اجتماعيّة ترسّخ هذا التشوّه وتعتبره معيارًا: فالذكر رأس العائلة واسمها، والأنثى ملحقة بالذكر، هي شرفه وعرضه. في العقل البطرياركي الذكوري، تصير كل امرأة متواجدة في مكان عامّ غير ملحقة برجل، جسدًا مشاعيًّا لذكورِهِ، فمكان المرأة المحترمة هو البيت وليس الشارع، مكانها هو الحدود الصغيرة لهيمنة ذكر واحد أو مجموعة صغيرة من الذكور المباشرين (الأب، الأخ، الزوج…الخ). مثل هذا السلوك قد يكون مفاجئًا في نيويورك أو لندن، لكنه ليس مفاجئًا حقًا في «مدينة» لا تعترف بفرديّة أفرادها، وتتشكّل من جماعات تتبنّى رذائل عصبيّات الأصل (الريف/البادية) وتنبذ فضائلها.

مثل هذا المفهوم عن المرأة يعتمده ولاةُ المدينة أيضًا، فمثلًا: لا تملك النساء حق إعطاء الجنسية لأبنائهن، وتُسجن المهدَّدات منهنّ بالقتل إداريًا نتيجة لقضايا ما يسمى «الشرف»، بينما يُترك الأفراد الذكور المهدِّدين بقتل المرأة طلقاء. وعلى نفس النغمة تُصدر وزارة السياحة والآثار الأردنية (عام 2014 وليس 1914) تعليمات تمنع غناء الفنانات النساء في الخيم الرمضانية بحجة «الحفاظ على حرمة الشهر»، بما يعني أن النساء بذواتهن وأجسادهن وأصواتهن (أي بوجودهن الماديّ) هنّ موضوع جنسي محض، محرّض للشهوات وبالتالي خرق لـ«حرمة» الفضيلة!

في مثالنا هذا، تتحوّل المدينة إلى حيّز لجماعة هي جماعة الذكور، وفي أمثلة أخرى تتحوّل إلى حيّز لجماعات أخرى مثل جماعة العائلة حين تَنْصُبُ هذه الأخيرةُ خِيمًا احتفاليةً وسط الشارع العام وتُصادره لصالحها؛ أو جماعة البَسْطات حين تُصادر حيّز موقف العبدلي القديم ليمتد سوق الجمعة حتى الأربعاء ويفقد الاسم معناه؛ أو جماعة البزنس حين يُصادرون حيّز «وسط البلد الجديد» المعلَن من طرفٍ واحدٍ في العبدلي نفسها دون أن يفضّهم درك أو تحاكمهم محكمة أمن الدولة (مثلما حصل مع جماعة البَسْطات!).

المشهد الثاني: حدود الحريّة الشخصية – المدينة بصفتها حيّز لشخص واحد

الشرطي: تحرّك من هون، ممنوع تصفّ مزدوج..
المواطن: يا خوك بس بدّي أتناول سندويشة شاورما من المحلّ..
الشرطي: ماشي بس عالسّريع، لا تتأخر ولّا بخالفك.
وتظل السيارة واقفة في الشارع، تعطّل السير وتغلق مجال الخروج أمام عدّة سيارات مصطفة بشكل نظاميّ.

لا يجب أن يثير عجبنا أن مواطن المدينة يتصرّف وكأن المدينة بحالها –بسكانها، وشوارعها- ملك شخصيّ له، يَصُفُّ سيارته فيها كيفما اتفق وفي أي مكان، ويحوّل إشارة الخطر (الغمّازات الرّباعية) إلى إشارة تتيح له فعل أي شيء يريده؛ وبعد أن ينتهي مواطننا من التهام سندويشته، سيفتح الباب ويضع كيس المخلفات على الشارع تحته (هذا إن كان محترمًا)، إما إن كان غير ذلك فسيلقيه كيفما اتفق من الشبّاك؛ وسيسمح هذا المواطن لأولاده بأن يتمثّلوا بمثاله؛ وسيتركهم يلعبون في الشارع يملأ صراخهم الحيّ لأن المدينة له ولهم؛ وسيطلق النار في عرس أخيه وكأنه عرسٌ في خلاء القرية أو البادية، مع فارق نوعي هو أنه ثمة مئات من بيوت زملائه المواطنين يحيطون ببيته وقد يتصادف وجود أحدهم على شباك منزله في طريق واحدة من الرّصاصات فيموت، لكن تلك مسألة هامشية لزميلنا المواطن لن تمنعه من الاحتفال كما يجب، ولن تمنعه من قيادة سيارة نقل تشتري الأثاث المستعمل أو تبيع اسطوانات الغاز أو الخضراوات مطلقةً أصواتًا ضجيجية خاصة حيثما سارت، فالمدينة ملك خاص له كما قلنا، ولأبيه الذي اصطفّ بطريقة مزدوجة قبله، وسايره الشرطيّ.

حين يكون مجتمع «المدينة» هو تجمع لـ«جماعات» أو «عُصب» وليس مجتمعًا حقًا، وحين تكون سلطة القانون اسمية، انتقائية، وغير عادلة؛ لن تتشكل تواضعات مجتمعية، ولا حريّات فردية، ولن يكترث أحد بالقانون

لا يجب أن يثير عجبنا مثل هذا المواطن لأنه يحذو حذو مسؤولي مدينته تمامًا، وهم يتصرّفون فيها مثله تمامًا، يفرضون على سكانها ذوقهم الرديء، ويبيعون ساحاتها العامة لمن يدفع مقابل مساهمة مميّزة في زيادة البشاعة. المثال الذي أتحدّث عنه هنا هو ما حصل مع واحد من علامات عمّان المميّزة: الدواوير. بقرار اعتباطيّ بالتأكيد، قرر مسؤولو المدينة أن الإضافة النوعية التي يريدون تقديمها من خلال توظيف أموال الشركات هي «الكندرين المضاء»، وكأن مساحات المدينة العامة هي صالونات بيوتهم التي يريدون أن يزيّنوها بذوقهم الرديء، وبألوان منفّرة بشعة غير متناغمة إلا مع شعار الشركة الراعية، فتُلقى المكعبات المضيءُ بعضها –بعضها الآخر خربٌ لا يضيء- هكذا ككيس نفايات من باب السيارة، وتُترك على قارعة الطريق  لتعبث بها رياح الأقدار فتتلف (لأن الصيانة منعدمة: كم نافورة في عمّان لا تنفث الماء؟) وتظل في وجوهنا إلا أن يتغيّر المزاج الرديء بما هو أسوأ منه.

يعتقد مسؤولو المدينة أن لهم الحق بتغيير شكل الساحات، والفضاءات، والمدينة كلّها: هُدِمَ مقهى جامعة الدول العربية العتيق مقابل الجامع الحسيني دون أن يرفّ جفن لأحد؛ مبنى بنك الإسكان الزجاجيّ في شارع السلط وسط البلد بشاعةٌ تتنافر مع محيط الأبنية الحجرية القديمة سقطت هكذا من السماء؛ ومثله علامة البشاعة الكونكريتية المتمثّلة بمبنى أمانة عمّان المقام أول طلوع جبل عمّان؛ الساحة الهاشمية غُيّرت ثلاث مرات وبنيت أخيرًا باستعمال مواد رخيصة ورديئة لن تصمد أمام تقلبات الطقس.

إن زرت لندن أو بروكسل قبل عشرين سنة وزرتها الآن فلن تتغيّر عليك كثيرًا، ساحاتها هي هي، أما البنايات القديمة فتراث معماريّ قيّم إن أرادوا تحديثها قاموا بهدمها وإعادة بناءها من الداخل بالكامل، بينما تظل الواجهات الخارجيّة القديمة على حالها ملكًا للأجيال المدينيّة المتعاقبة. ثمة قيمة للمباني، وللأملاك العامة، تنتقل بالعدوى والممارسة من الموضوع إلى الذات، فتنتقل عندنا إذًا عدوى الاستهتار والارتجال: كيف تحترم «مدينة» تولد (أو بالأحرى تُقتل) مرّة كل عشر سنوات؟ كيف تحترم مدينة تُحوِّل شارعها العتيق إلى شارع تجاري كالرينبو؟

حين تكون السلطة الحاكمة للبلاد والعباد مالكةً لكلّ شيء وفي ذات الوقت مصونة من المساءلة والمحاسبة (راجعوا نص الدستور الأردني رجاءً)، وحين يتصرّف مسؤولو المدينة وكأن المدينة حيّز شخصي لأمزجتهم، وحين يكون مجتمع «المدينة» هو تجمع لـ«جماعات» أو «عُصب» وليس مجتمعًا حقًا، وحين تكون سلطة القانون اسمية، انتقائية، وغير عادلة؛ لن تتشكل تواضعات مجتمعية، ولا حريّات فردية، ولن يكترث أحد بالقانون فلا معنى له سوى في سياق تطبيقه وتنفيذ العقوبة، وتطبيق القانون يتم حسب المزاج، أو لا يتم بتاتًا، ولكم في قانون منع التدخين في الحيّز العام ما يمنع عني الاستزادة.

من مصادرة الفضاء الشخصيّ إلى مصادرة الفضاء العام

يُفترض في المدينة أن تحوي متنفّساتٍ ومساحاتٍ عامّة لمواطنيها الذين يُفترض أنهم يمتلكون هذه المساحات ماديًّا ومعنويًا: معنويًّا بحكم تواجدهم فيها واستعمالهم لها وأنهم غايتها الأولى والأخيرة؛ وماديًّا بحكم أن إنشائها وصيانتها واستدامتها تتم بواسطة الأموال التي دفعوها من جيوبهم على شكل ضرائب ورسوم مختلفة.

المدن الكبرى مشهورة بمساحاتها العامة وفضاءاتها الواسعة الضرورية لاستيعاب زخم المدينة وضجيجها وحركتها، وهي تعجّ بالغابات والحدائق الكبرى والمتنزّهات والمساحات المخصصة للاستعمال العموميّ مثل مساحات المشي المحاذية للأنهر والملاعب الرياضيّة وملاعب الأطفال. مثلًا: تتوسّط مدينة برلين غابة التيرجارتن ومساحتها أكبر قليلًا من خمسة كيلومترات مربعة، كانت قد أُتلفت تمامًا أثناء الحرب العالمية الثانية، لكن وبعد الحرب، أعيدت زراعتها بالكامل لتعود ربما أجمل مما كانت؛ لندن فيها الهايد بارك الشهير في وسط المدينة ومساحته الاجمالية 2.5 كلم مربع، وفيها مئات «المربّعات» –وهي بمثابة حدائق محلية صغيرة داخل الأحياء؛ وكذلك باريس المشهورة بجادّاتها وساحاتها هائلة الحجم والمصممة لكسر الحدة البصرية والنفسية للأبنية المتراكمة؛ وغيرها كثير وكثير من الأمثلة.

تقع هذه المساحات العامة الكبرى في قلب العواصم والمدن، وهي أراضٍ (من وجهة نظر مستثمري العقارات) ذات قيمة مالية واستثمارية لا تقدّر بثمن، لكنها مع ذلك محميّة وتعتبر مُلكًا عامًّا يحظر المساس به لصالح سكان المدينة. أما في عمّان، فما الذي يحصل؟

في أشباه المدن يندر أو ينعدم وجود الفضاء العام من الأساس، وينعدم تنظيمه وجهود إدامته إن وجد، ويتم توظيفه لصالح الأقلية «المقتدرة ماليًا» أحيان كثيرة.

 المساحة الخضراء الكبيرة في رأس العين دُمّرت كما دُمّرت العين نفسها، وحُوّلت إلى مبان حجرية ومساحات خرسانية لأمانة عمّان. الدوّار الرابع في جبل عمّان أُحيط بسياج حديديّ حتى لا يستعمله المعتصمون أمام مقر رئاسة الوزراء. الساحة الهاشميّة الجديدة وسط البلد مسيّجة كأنها سجن للتحكم بالداخلين إليها والخارجين منها، وتعيد إلى الأذهان ميدان التحرير في القاهرة الذي حوّلته عبقرية النظام المصري إلى ممرّات مسيّجة بقضبان حديدية ضخمة للتحكم بحركة المشاة والمتجمّعين ومنع التجمّعات، وكان من أوائل ما فعله محتجّو الانتفاضة المصرية في يناير من عام 2011 إزالة هذه الأسيجة والقضبان، وهو فعل ماديّ واضح تم فيه استعادة الفضاء العام، ولو مؤقتًا.

المثال الأخير يقدّم لنا تساؤلًا ومشروع إجابة: هل مصادرة الفضاء العام وتسييجه سلوك «مدنيّ» من قبل السلطة؟ وهل مهاجمة أدوات هذه المصادرة واقتلاعها، واستعادة الفضاء العام من قبل المواطنين، يمثّل فعلًا تخريبيًّا وسلوكًا «لا متمدّنًا»؟

في أشباه المدن يندر أو ينعدم وجود الفضاء العام من الأساس، وينعدم تنظيمه وجهود إدامته إن وجد، ويتم توظيفه لصالح الأقلية «المقتدرة ماليًا» أحيان كثيرة (شواطئ البحر الميّت والعقبة، منتزه جبل اللويبدة الذي اقتطع جزء منه لصالح مطعم «فاخر»، ويغلق الجزء المتبقي في وجه الناس الساعة الثامنة مساء).

أشباه المدن تعادي الساحات العامّة؛ والتجمّعات العمومية للناس في الفضاءات العامة تُعدّ تهديدًا مباشرًا للسلطة ومدعاة للرعب لأنها تكسر مفهوم «الجماعات المتجمّعة في حيّز» باتجاه التحوّل إلى مجتمع يمتلك الحيّز، والمجتمع خطير وخلاق، لذا يجب عليه دائمًا أن يتجنب التواجد في «ظروف تجلب الشبهة»، وأن تُضبط فضاءاتُه بالأسيجة وأكشاك الشرطة، وبعد كل هذا يُدان أفراده لأنهم «غير متمدّنين»، ويُشحذ عليهم من المموّلين، ويُقال أنهم لم ينضجوا بعد ليستحقّوا الديمقراطية!

خاتمة: السلوك إفراز موضوعيّ، والفرد ليس المذنب الأوّل والأخير

في ظل غياب الثقافة الجنسية وغياب الاختلاط بين الجنسين والتعامل مع العلاقات الجنسية الشخصية على أنها موضوع وصاية للمجتمع كلّه ومعها السلطة، ومع انعدام معيار «المواطنة» الأول وهو المساواة، هل سنتمكن من توجيه اللائمة فقط على السلوك الفردي للناس حين يتحوّل ذكورهم إلى ممحونين ومتحرّشين وقتلة باسم الشرف، وتتحوّل بعض نسائهم لجهة إلقاء اللوم على بنات جنسهن، وتتحوّل «التقدميّات» منهن إلى باحثات في «عذريّة» القتيلة بدلًا من تأكيد حريّتها الاجتماعية والجنسية؟ في غياب المساحات العامة والملاعب والحدائق، هل سنتمكن من توجيه اللائمة فقط على السلوك الفردي للناس حين يطلقون أولادهم في شوارع الأحياء يصرخون حتى ساعات متأخرة من الليل؟ في غياب وسائط النقل العام ومساحات الاصطفاف والتطبيق الانتقائي للقانون، وغياب التنظيم لقطاعات المدينة، هل سنتمكن من توجيه اللائمة فقط على السلوك الفردي للناس حين يصفّون سياراتهم بشكل مزدوج وفي الأماكن الممنوعة؟ في غياب تطبيق لقانون هام مثل قانون منع التدخين في الأماكن العامة، هل سنتمكن من توجيه اللائمة فقط على السلوك الفردي للناس حين يخرقون بأريحية قوانين أخرى وأخرى وأخرى؟ حين يَخرق القانون من يفترض أنه يُشرّع القانون ومن يُفترض أنه يُطبّق القانون، وحين تُشكل مديرية الأمن العام الجاهات وتأخذ العطوات العشائرية، وحين تُقام الانتخابات على أساس عشائري/مناطقي/عائلي (قانون الصوت الواحد)، هل سنتمكن من توجيه اللائمة فقط على السلوك الفردي للناس حين يتصرّفون كمجموعات عشائرية وقبلية وعائلية متنافسة على مناطق نفوذ مادية ومعنوية ويُطلقون النار في الأعراس وعلى من يُزاحم سياراتهم في الشوارع ويُصادرون هذه الأخيرة لخيم أعراسهم؟

مع أن هذه الأسئلة تجيب عن نفسها، إلا أنني أؤكد أن السلوك «المدني» هو قضية إنتاج بنيويّ مجتمعيّ يتعلّق بأساسات الاجتماع نفسها، وحين تحتكر «الدولة» مجال تنظيم الاجتماع وتتدخل بآلياته بشكل شموليّ، تكون المسؤولية أعمق بكثير من مسؤولية الفرد، رغم أن الفرد يتحمّل جزءًا ضئيلًا من المسؤولية.

* قدّمت هذه الورقة في «ملتقى السلوك المدني 2014»، المركز الثقافي العربي، في 28 كانون الأول 2014.

الصورة أعلاه من موقع Shutterstock.