أم آلاء: قصة الأم التي رفضت تخفيف عقوبة زوجها قاتل ابنته

الخميس 08 كانون الثاني 2015

حين تُقتل فتاة أو امرأة باسم «الشرف» في الأردن، كثيرًا ما تتعامل عائلتها مع الجريمة على أنها عار يجب إخفاؤه، وعادة ما يمتد ذلك إلى مساعدة القاتل على الحصول على أدنى عقوبة ممكنة، بإسقاط الحق الشخصي ضده.

لكن ختام، أم آلاء (اسمان مستعاران) شذّت عن هذا التقليد حين لم تقبل بإسقاط الحق الشخصي عن زوجها الذي قتل ابنته ذات العشرين عامًا قبل سنتين، بسبب رغبتها في الزواج رغم رفضه.

لم نكن نتوقع الحفاوة التي استقبلتنا بها أم آلاء، لا شكًا بحسن ضيافتها، بل توجسًا من رد فعلها وأسرتها عند معرفتها بأننا جئنا للحديث عن ابنتها المغدورة. لكن الأم انطلقت بالحديث عن ابنتها بعد بضع دقائق دون تردد.

«حبيبتي انظلمت، وحسبي الله في المجرم»، تقول أم آلاء في إشارة إلى زوجها الذي يقضي حكمًا بالسجن مع الأشغال الشاقة لعشرين عامًا بعد تجريمه بجناية القتل القصد؛ الحكم الذي لم يشفِ غليل أم ٍ فقدت ابنتها.

«لو سألوني شو بتحبي الحكم يكون، قسمًا بالله ثلاث إعدامات مو إعدام واحد».

تتكلم بانفعال لم يتمكن من مقاطعته سوى بكائها الذي ظلت تردد معه أن ابنتها «قتلت ظلمًا». تمسح عينيها وتكمل: «اليوم لسا مروحة من المقبرة. الله يرحمها. والله عمره دمها ما بيضيع ولا بسامح بنتفة صغيرة هلقد. والله ما بضيع حقها».

إصرار على العقوبة رغم ضغوط العائلة

آلاء هي الأخت الصغرى لخمسة من الإخوة الذكور في عائلتها في إحدى محافظات الوسط. قبل إتمامها عامها الثاني، سافر والدها للعمل في أحدى الدول الأجنبية تاركًا خلفه أسرته لمدة 15 عامًا، ليعود من بعدها ويجد رضيعته أصبحت شابة «مؤدبة ومحترمة وجميلة» في السابعة عشرة من عمرها.

في غضون أشهر من عودته، وافق والدها على تزويجها بشاب تقدم لخطبتها، تصفه أم آلاء بالشخص «المحترم، بيخاف الله، وبيموت عليها». لكن هذه الزواج لم يدم سوى أشهر قليلة، بعد أن «تسبب» والد آلاء في طلاقها، بحسب أمها، لتعود إلى منزل أسرتها الذي حوله الوالد إلى جحيم من الرقابة والشك، رفض معه زواجها مرة ثانية، ليطلق شرارة مشاكل بينهما انتهت بجريمة قتل.

في هذه الجريمة، وبعكس أغلبية الجرائم المرتكبة تحت ذريعة «الشرف»، واجه الزوج حظًا عاثرًا تمثّل بإصرار زوجته على عدم اتباع أغلبية الأمهات اللاتي يسقطن الحق الشخصي عن أزواجهن أو أبنائهن فور وقوع الجريمة بحق بناته. من بين 56 جريمة عرضها حبر في تقرير سابق، هناك أربعة حالات فقط رفضت فيها أسرة الضحية إسقاط الحق الشخصي عن القاتل؛ هذا الإسقاط الذي يخفض العقوبة إلى النصف، بحكم المادة 99 من قانون العقوبات.

وبحسب دراسة حكومية، فإن 78% من قضايا القتل المرتكبة تحت ذريعة «الشرف» التي تناولتها الدراسة بين عامي 2000 و2010، تم فيها إسقاط الحق الشخصي عن القاتل، لتنخفض مدة حكمه بالسجن إلى النصف، عادة من 20 سنة إلى عشر سنوات.

قبل صدور الحكم، حاول إخوة زوجها الضغط عليها وإقناعها باسقاط الحق الشخصي عنه، لكنهم  يئسوا أمام إصرارها هي وأبناؤها على أن ينال القاتل العقوبة القصوى، بعد أشهر من الإلحاح. تقول الأم باكية: «موقّفين مع أخوهم. بدهم إيانا نسقط الحق ونضيّع حق بنتنا، وهي يا حبيبتي، الله يرحمها، يا حبيبتي انظلمت».

«بدهم إيانا نسقط الحق ونضيّع حق بنتنا، وهي يا حبيبتي، الله يرحمها، يا حبيبتي انظلمت»

التواطؤ مع الجاني في جرائم «الشرف» يبدأ بإسقاط الحق الشخصي عن القاتل، لكنه يمتد ليصل إلى رحيل ذوي القتيلة من منطقة سكنهم وذلك لشعورهم بالخزي أمام أهل المنطقة. ما أن قُتلت آلاء، حتى بدأت ضغوطات أعمامها على أمها وأخوتها في محاولة منهم لتكريس تقاليد الجريمة.

«صاروا يحكوا إنه بدكم ترحلوا من الدار (..) حكيتلهم مستحيل أرحل. بدي أضل حاسة إنها عايشة معاي، إنها ما توفّت، وأشوفها بكل مكان».

منذ أن بدأت الأم الحديث، يجلس ابنها الأكبر على كرسيّ في زاوية الصالة، يضع علبة التبغ في حجره ويعد سيجارة تلو الأخرى. يتابع جلستنا دون كلام وبين الحين والآخر يشارك أمه التعبير، يهزّ رأسه وقول «آه» بصوت يكاد لا يسمعه من يجلس في نفس الغرفة.

تقول الأم أنه وأثناء غيابها عن المنزل في أحد الأيام، وقع خلاف بين ابنها ووالده، انتهى سريعًا بإصابة الابن الأكبر بحالة من عدم الاتزان بعد تلقيه ضربة على رأسه من والده.

اثنان من ابنائها تزوجوا ورحلوا عن المنزل،  ويمكث معها الآن ثلاثة أبناء آخرون لا أخت بينهم. تبكي أمهم وتقول «ما عندي، بنتي بس هي الوحيدة. يا حبيبتي الله يرحمها، والله ماتت ظلم».

قتل في الحياة وفي الموت

بعد زواج دام ثلاثة أشهر، وبسبب تطفل والدها وافتعاله للمشاكل، بحسب والدتها، عادت آلاء لمنزل أهلها بعد أن تطلقت من زوجها.

تقول الأم: «تطلقت البنت وما بتدرس، بتزهق تظلها بالبيت. كانت تحاول تعيش حياتها، بنت زي الوردة بدها تعيش حياتها، حقها. اتجوزت [وعمرها] 17 سنة واتطلقت قبل ما تكمل الـ 18».

تُخبرنا أم آلاء عن محاولات ابنتها في عيش حياة «زيها زي البنات»، حيث عرضت على والدها أن تتعلم الخياطة مع صديقاتها في مشغل، لكن رده كان «لا، عيب، ممنوع». حاولت أيضًا إقناعه بالسماح لها بالعمل في صالون للسيدات. «ممنوع.. ممنوع. كل شي ممنوع»، تقول والدتها.

بعد محاولات عديدة منها، استطاعت إقناعه بالعمل في أحد صالونات التجميل. وبعد أن أتقنت العمل، عرضت مالكة الصالون محلها للبيع، العرض الذي رأت فيه آلاء فرصة للاستقلالية، فأبلغت والدها برغبتها في شراء الصالون ودفع ثمنه من المبلغ الذي حصلت عليه كمؤخر لطلاقها.

لم تدم فرحة آلاء بمشروعها الخاص طويلًا، إذ تقول أم آلاء بأن والدها، بعد موافقته، كان يتابعها بشدة تسببت لابنتها بالقلق، حيث كان دائم الاتصال بها. «أربعة وعشرين ساعة على التلفون. كان خانقها، شادّ عليها. يعني إشي مش طبيعي».

استمر عمل آلاء في صالونها النسائي الخاص إلى أن تقدم لخطبتها شاب من أبناء المنطقة، ليرد والدها بالرفض القاطع.

«شاب إجا تقدم لها، يعني حقها، صح ولا لا؟ طب إشي ربنا حلّله، بتيجي إنت تحّرمه؟».

بعد أن تقدم الشاب لخطبة آلاء، بدأت الأم تشعر بتزايد المشاكل داخل المنزل. أصبح زوجها دائم الغضب، وشدد الخناق أكثر على ابنته التي كان يتصل بها كل ساعة للتأكد من عدم مغادرتها للصالون الذي تملكه. لكنها لم تكن تتوقع ما كان يدور بباله.
«آلاء كانت كتومة، ما بتحب تسبب نكد وتزعلني، وأنا ما كنت بعرف شو بصير».

اليوم الأخير

يوم وقوع الجريمة، كانت الأم مضطرة للذهاب برفقة أحد أبنائها في مراجعة للمدينة الطبية، بعد إجرائه لعملية في يده اليمنى. وبعد خروجها برفقة ابنها، ومغادرة ثلاثة من الأبناء إلى عملهم، لم يبق في  المنزل سوى آلاء ووالدها وأخوها فادي (اسم مستعار) الذي كان قد عاد باكرًا بعد إنجازه بعض المعاملات الخاصة به.

«ظل هو وإياها. حتى ما رضيت أرن عليها تلفون، لأنو مروحين [في وقت متأخر في الليلة السابقة] من عند دار عمها. صرت أحكي حرام، يا حبيبتي خليها نايمة. ليش أرن عليها؟».

تكمل الأم حديثها وتشير بيدها الى الأماكن التي شهدت وقائع الجريمة. تقول أن ابنها عند عودته أخذ حاسوبه المحمول وخرج إلى الشرفة، واضعًا السماعات في أذنيه، ما جعله غافلًا عما يجري داخل المنزل.

في تلك الأثناء، دخل الأب إلى غرفة آلاء ليأخذ منها مفاتيح محلها الخاص، ويمنعها من العمل، مكررًا رفضه للشاب الذي تقدم لخطبتها، فينشب بينهما شجار حاد. التقط الأب قطعة قماش كانت ملقاة في أرض الغرفة، لفها حول عنق ابنته، وخنقها حتى الموت.

بعد فروغه من جريمته، خرج من الغرفة متوجهًا إلى فادي الذي لم يكن يدري بما حدث، وطلب منه مرافقته خارج المنزل لأمر ضروري. عند وصولهم إلى الشارع ركب الأب وابنه سيارة أجرة، وطلب من السائق التوجه إلى أقرب مركز أمني، فظن فادي أن أحد إخوته قد تعرض لمشكلة. فور وصولهم إلى المركز الأمني، أعطى الأب ابنه جهازه المحمول وودعه قائلًا «أنا قتلت أختك، وهي شرفنا نظيف»، ثم سلّم نفسه للشرطة.

بعد دقائق من الصدمة، اتصل فادي ببعض أقاربه وأخبرهم عن جريمة والده، ليتوجهوا فورًا إلى المنزل ليجدوا آلاء جثة هامدة. في تلك الأثناء تلقت أم آلاء اتصالًا هاتفيًا من زوجة أخيها التي أخبرتها بأن ابنتها قد قتلت.

«أنا لسا بستنى يجي دورنا نفوت، ولّا مرة أخوي رنت علي. بتحكي لي وين إنت؟ بحكي لها بالمستشفى، حكت لي إلحقي بسرعة روّحي! آلاء أبوها قتلها وماتت».

تصف أم آلاء حالة الانهيار التي عاشتها عند سماعها خبر مقتل ابنتها الوحيدة. تمشي وسط المشفى تصرخ وتبكي موت ابنتها أمام المراجعين.

«بعرفش يا خالتو شو ردة الفعل اللي صارت معاي. صار ريقي زي الحجر ناشف نشفان مش طبيعي. صار خلص بدي أموت. صرت وين ما ألاقي قزازة مي مرمية على الأرض فيها شوية مي أشربها وأنا ماشية بصيح».

وصلت أم آلاء إلى المنزل لتجد فيه كثير من الناس، ليست آلاء بينهم. فقد كانت الجهات المختصة قد أخذت جثتها لاستكمال الإجراءات الجنائية، وليبدأ التحقيق في جريمة القتل التي أضافت لقوائم النساء القتيلات باسم «الشرف» اسمًا جديدًا.

ظلم ثانٍ

بعد مقتل آلاء بأكثر من عامين، قررت والدتها الذهاب إلى المحكمة للحصول على هاتفها الخلوي الذي تم التحفظ عليه أثناء التحقيق. «بدي أحتفظ فيه ذكرى منها، الله يرحمها». عند دخولها أحد مكاتب المحكمة، طلب منها الموظف التوقيع داخل الملف لاستلام هاتف ابنتها، لتتفاجأ داخل الملف بصور لجثة ابنتها القتيلة.

تقول أم آلاء باكية: «شفت الصورتين وظليت أعيط. احكي له يا خالتو مشان الله بدي أشوف الصور، قال لي يا حجة ما أنتِ بتعيطي قلت له ما بعيط، بس خليني أشوفهم».

السيدة التي لم تقبل إسقاط الحق الشخصي عن زوج قتل ابنته تحت ذريعة «الشرف»، كمعظم من كنّ في مكانها، تقول: «كنت عند قبرها، ووعدتها إني ما رح أسقط (..) حرام، حرام يتنازلوا، ظلم إنهم يتنازلوا. وبقول للناس اللي بصير عندهم هيك إنه إسقاطكم ظلم ثاني بعد ظلم القتل».

* الصورة أعلاه من موقع Shutterstock.