حول سؤال انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية

الإثنين 12 كانون الثاني 2015

«ولمّا كان لحياة الأمم والدول أدوارٌ وآجال، ولحدوثها وتكوّنها، وتعاليها ثم توقفها، وانحطاطها أسبابٌ وعوامل، هكذا وجب أن يكون الاستعمار خاضعًا لتلك النواميس الكونية؛ بمعنى أنه يصل إلى حدٍ محدود وأجل معلوم. وانقضاء أجل الاستعمار إنما يتم بزوال الأسباب التي مكّنت أهله من التسلّط» – جمال الدين الأفغاني

في الخامس من كانون الثاني 2015، قدّم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الوثائق اللازمة لإتمام عمليّة انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية. يرى البعض أن هذا التوجه جاء كرد فعل للإحباط المتكرر الذي تعرضت له المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي (خاصةً مفاوضات 2013-2014 التي بدأها وزير الخارجية الأمريكية جون كيري).

لم يتخلل الصراع العربي-الإسرائيلي حتى الآن جانب قانوني ملزم، إذ إنّ قرارات مجلس الأمن التي تعدّت الـ (13) قرارًا، لم تصدر ضمن الباب السابع الملزم للدول، بل جاءت على شكل توصيات غير ملزمة 

لم يتخلل الصراع العربي-الإسرائيلي حتى الآن جانب قانوني ملزم، إذ إنّ قرارات مجلس الأمن التي تعدّت الـ (13) قرارًا، لم تصدر ضمن الباب السابع الملزم للدول، بل جاءت على شكل توصيات غير ملزمة (مع أنها تثري الأعراف الدولية وتمس الرأي الدولي)، بالإضافة إلى التوصيات الـ (45) الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول الجدار العازل عام 2004. تلقى الجانب الإسرائيلي هذه التوصيات بتهكم وإنكار؛ فحتى الآن ما زال الجانب القانوني أداة غير فعالة في ما يتعلق بالصراع، ولهذا السبب بالتحديد سيكون الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية مسلكًا قانونيًّا وعرًا، لكنّه يحمل في طياته الأمل لملايين الفلسطينيين.

على خلاف المحاكم المحلية، لا تستطيع المحاكم الدولية ممارسة اختصاصها بدون موافقة الدول المعنية، ولكن في حال تم قبول طلب فلسطين بالانضمام إلى المحكمة، ستتمكن المحكمة من ملاحقة أي شخص يرتكب الجرائم التي تقع ضمن اختصاصها على أرض فلسطين، بدون أي حاجة للحصول على موافقة من الجانب الإسرائيلي، ولكن المحكمة لا تستطيع ملاحقة الإسرائيليين على أية جرائم وقعت قبل تاريخ 13-6-2014 (وهو التاريخ الذي أقرت به السلطة الفلسطينية بشكل مبدئي اختصاص هذه المحكمة)، نظرًا للقيد الزمني على اختصاصها. أما في ما يتعلق بالجرائم التي تلاحقها هذه المحكمة فهي تلك «الجرائم الجدية التي تقلق المجتمع الدولي ككل» وتشمل هذه الجرائم المذابح والجرائم ضد البشرية وجرائم الحرب وجرائم العنف.

تعمل السلطة الفلسطينية حاليًّا على تحضير قضيّتين، أولهما حول الاعتداء الإسرائيلي الأخير على غزة، والذي وقع ضحيته ما يتجاوز الألفي قتيل، ويقدر أن ثلثيهم من المدنيين الذين لم يشاركوا في الحرب، ويمكننا الجزم أن هذا العدوان قد شمل العديد من الجرائم الموصوفة في القانون الدولي الإنساني، ومنها: (استخدام الأسلحة العشوائية، العقاب الجماعي، بدء الهجوم قبل تحذير المدنيين، حرمان المدنيين من الاحتياجات الأساسية من دواء وطعام، استهداف مواقع يحرم الاعتداء عليها كالمشافي وخزانات الماء، … ألخ)، وتشكل جميعها إما جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية تقع ضمن اختصاص المحكمة.

أما القضية الثانية التي تحضرها السلطة فهي حول المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية، حيث يعالج القانون الإجرائي للمحكمة الجنائية الدولية موضوع المستوطنات من خلال نص صريح وواضح، كأنما تم كتابته ليصف جريمة الاستيطان الصهيوني، ويلقبه البعض بالنص الذهبي*.

على أي حال، يقف القيد الزمني لاختصاص المحكمة كعائق كبير أمام هذه الدعوى، فلا تستطيع السلطة الفلسطينية مقاضاة السلطات الإسرائيلية حول المستوطنات التي تم بناؤها قبل 1968، لكنها تستطيع مقاضاتها حول عمليات حديثة لبناء وتوسيع المستوطنات، مثل الوحدات الجديدة التي تمت الموافقة على بنائها في غرب القدس، في أواخر عام 2014، وتوسيع مستوطنة بيتل الذي أقرته السلطات الاسرائيلية حديثًا.

التحديات التي تواجه فلسطين قبل انضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية

تقتصر عضوية المحكمة الجنائية الدولية على «الدول»، ما يعني أنه في حال لم تعترف المحكمة الجنائية بفلسطين كدولة، فإنها لن تتمكن من الانضمام إليها، ومازال الخبراء الإسرائيليون والأمريكيون متمسكين بدفع (عدم وجود دولة فلسطينية)، مع أن فكرة تحديد فلسطين كدولة تبدو بسيطة، لكن هذا المجال يحمل أكثر الأسئلة تعقيدًا في القانون الدولي. حيث يوجد رأيان في هذا السياق:

الرأي الأول يعتبر الجهة دولةً عندما يكون لها شعب، إقليم محدد، حكومة، والقدرة على إبرام الاتفاقيات والمعاهدات.

الرأي الثاني يعتبر الجهة دولةً عندما تحصل على إقرار من الدول الأخرى، دون الحاجة لاستكمال المستلزمات السابقة، ومثال ذلك هو استناد إسرائيل والفاتيكان بوجودهما كدولتين بناءً على اعتراف الدول بها مع أنها لا تملك أقليمًا محدّدًا.

حصلت فلسطين في عام 2012 على مقعد «دولة مراقبة» في الأمم المتحدة، ما يعني أن فلسطين قد حصلت على اعتراف دولي بوجودها كدولة، ومع هذا، يجادل الخبراء الإسرائيليون بعدم وجود دولة فلسطين، وذلك نظرًا لعدم استكمالها مستلزمات وجود الدولة، في ظل عدم وجود حدود واضحة لفلسطين، بالإضافة إلى النزاع حول المسؤوليات الإدارية بين السلطة الفلسطينية وحماس في غزة، وتتعارض هذه الدفوع مع المنطق القانوني للاعتراف بالدول، مما يظهر عدم تمسك أي من الخبراء المحايدين بها.

نستطيع الاستدلال على مدى تخوّف إسرائيل من هذا التقرب إلى المحاكم الدولية، من خلال ردها الدفاعي والعدواني على تقديم السلطة لأوراق الانضمام إلى المحكمة، حيث أعلنت عن نيتها حجز عائدات الضرائب التي تجمعها نيابةً عن السلطة الفلسطينية (والتي تبلغ 127 مليون دولار شهريًّا) كرد على ذلك. يمثل هذا المبلغ ثلثي عائدات السلطة الفلسطينية، مما يعني أن هذا الحجز سيحرم 160 ألف موظف حكومي من رواتبهم الشهرية، تاركًا هؤلاء الموظفين غير قادرين على تحصيل الاحتياجات الأساسية لهم ولعائلاتهم.

إن هذا الإجراء الإداري من قبل إسرائيل غير مبرر قانونًا، نظرًا لأن انضمام فلسطين إلى المحكمة، لا يشكل أي خرق لأي من القواعد الدولية، بل ويعتبر هذا الإجراء من قبيل جرائم فرض العقوبات الجماعية، وحرمان المدنيين من الإمدادات الأساسية، كأنما تنوي سلطات الاحتلال التأكيد على حاجة فلسطين للحماية القانونية الدولية، ومع ذلك لم تتراجع السلطة الفلسطينية عن طلبها بالانضمام.

التحديات التي ستواجه فلسطين بعد انضمامها إلى المحكمة

إن انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية سيجعل المواطنين الفلسطينيين عرضة للمحاكمة استنادًا إلى القدرات الاستخباراتية لقوات الموساد، حيث جمعت الجهات الإسرائيلية طيلة السنوات المنصرمة (وخاصة في العدوان الأخير على غزة) تهمًا عديدة  في مواجهة المقاتلين، والمسؤولين الفلسطيينين، تشمل الاعتداء على المدنيين وعدم التميز بين المدنيين والمقاتلين، ومع هذا، مازال الخبراء الدوليون يرجحون أن هذه المحاكمات ستعرّض الجانب الإسرائيلي إلى مخاطر أكبر من المخاطر التي سيتعرض لها الجانب الفلسطيني، خاصة أن حق الشعوب بمقاومة الاحتلال هو حق مشروع.

المحكمة الجنائية لا تبدأ بالتحقيق قبل أن تقتنع بفظاعة الجرم من خلال الأدلة، وحتى أثناء التحقيق تبحث عن الأدلة القاطعة التي لابد من أن تكون قد تم جمعها بطرق دقيقة ومفصلة عن طريق أنظمة أستخباراتية قد لا تملكها الجهات الفلسطينية. 

إن الواقع القانوني والواقع الفعلي يشكلان مفهومين مختلفين؛ قد يرتكب فلان الجريمة لكن يحكم ببراءته لعدم وجود الدليل. في الواقع، حيث ستشكّل القدرة على إثبات الجرائم الصهيونية تحديًا كبيرًا كانت قد بدأت الجهات الفلسطينية بالاستعداد له أثناء العدوان الأخير على غزة، فالمحكمة الجنائية لا تبدأ بالتحقيق قبل أن تقتنع بفظاعة الجرم من خلال الأدلة، وحتى أثناء التحقيق تبحث عن الأدلة القاطعة التي لابد من أن تكون قد تم جمعها بطرق دقيقة ومفصلة عن طريق أنظمة أستخباراتية قد لا تملكها الجهات الفلسطينية. وفي المقابل، فإن  امتناع الجهات الإسرائيلية عن تقديم الأدلة، سيعيق هذه العملية، ويؤجل النظر بها لمدد طويلة. ولهذا فإن جاهزية السلطة الفلسطينية استخباراتيًّا وإداريًّا لهذه العملية يعتبر من أساسيات ضمان نجاحها.

يمتد اختصاص المحكمة ليشمل جميع الجرائم التي تقع على أرض فلسطين، وهنا يطرح السؤال نفسه صارخًا، ما هي الأراضي التي يعتبرها القانون الدولي أراضٍ فلسطينية، وسيثار هذا السؤال بشكل خاص عند مناقشة الجرائم التي ترتكب في المستوطنات، والأراضي التي تديرها السلطة الفلسطينية بالتعاون الإداري مع سلطات الإحتلال. إن تحديد ماهية حدود الدولة هو أمر خارج عن اختصاص المحكمة الجنائية، حتى وإن كان فقط من أجل أهداف قانونية، خاصة أنه وبتحديد الحدود الفلسطينية، سيتم تحديد الحدود الأسرائيلية، وإسرائيل لا تعترف باختصاص المحكمة.

أما بالنسبة لآثار الأحكام بعد صدورها، فإن أحكام المحكمة الجنائية تصدر بحق الأشخاص المسؤولين عن الجرائم، ومع أن إسرائيل سترفض تسليم هؤلاء المجرمين للمحكمة، فإن هذه الأحكام تعني فرض حظر يقيد هؤلاء المجرمين، ويمنعهم من السفر إلى دول تعترف باختصاص المحكمة، ومنها فرنسا والسويد المملكة المتحدة والأردن. وبالإضافة إلى ذلك، تعتبر هذه الأحكام الملزمة كمقدمة لتوجه فلسطيني جديد.

وبالإضافة إلى التحديات المقدمة من السلطات الإسرائيلية، فإن فعالية المحكمة الجنائية الدولية بحد ذاتها محل مساءلة؛ حيث إنها ومنذ تشكّلها أجرت المحكمة تسعة تحقيقات، وأصدرت حكمين فقط، وجميع هذه التحقيقات كانت حول الجرائم المرتكبة في أفريقيا. ومع هذا، فإن قيام المحكمة بالنظر في القضايا المتعلقة بالوطن العربي، هو أمر مرحب به ممن يرون أن المحكمة لم تتعامل حتى الآن إلا مع مخلفات الاستعمار الأوروبي لإفريقيا.

لا تشكّل أي من هذه التحديات عائقًا يستحيل من خلاله حصول فلسطين على القليل من العدالة. قوات الاحتلال الإسرائيلي تحتفظ بين ملفاتها مبررات قانونية لجرائمها المتكررة. ومع أن هذه الدفوع قد تبدو منطقية للوهلة الأولى لمن هو أجنبي عن هذا الصراع، إلاّ أنه ليس من الصعب هدم هذه الادعاءات بشكل ممنهج، وإن كان الاحتلال قد استعمل القانون لمصلحته، فالأجدر بنا أن ندرسه ونحلله  لنبني دفوعنا، حتى لا يصبح القانون لغة يتقنها الظالم لوحده.

*عد إلى نص Article 8,2,b (viii) of the Statue of Rome